• Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • YouTube
  • RSS
  • فعالياتنا
  • مشاريعنا
  • إصداراتنا
  • من نحن

الاحتراز للمعنى في القرآن الكريم (1- 2)

الاحتراز للمعنى في القرآن الكريم (1- 2)
  • تاريخ النشر: 29 محرم 1434 (13‏/12‏/2012)
عدد الزيارات: 472
QR Code
2 0
د. عبدالله علي عبدالله الهتاري
أستاذ اللغة والنحو المساعد- كلية الآداب- جامعة ذمار.

ملخص البحث: 
يتجلّى النص القرآني بأسلوبه البياني المعجز البليغ، ويتفنن غاية التفنن في التصرف بفن القول، ودقة سبك الألفاظ، في تراكيبه المختلفة وسياقاته المتنوعة.
وهو في ذلك كله يحترز كل الاحتراز للمعنى المقصود المراد، وتظهر صور هذا الاحتراز في أنماط متعددة ومتنوعة، يعمد إليها النص القرآني، وهو أسلوب من أساليبه العجيبة المدهشة لمتذوق هذا البيان.
وهو ما يهدف إليه الباحث في الحديث عنه في هذا البحث، متناولاً صور هذا الاحتراز وأشكاله المتنوعة، وإبراز جانب الدقة والبيان في أساليب هذا القرآن.
أولاً: مفهوم الاحتراز: 
الاحتراز لغة واصطلاحاً: 
يقول ابن فارس في المقاييس(1) "الحاء والرَّاء والزَّاء أصل واحد، وهو في الحفظ والتحفظ، يقال: حرزته، واحترز هو، أي: تحفظ، وناس يذهبون إلى أنَّ هذه الزَّاء مبدلة من سين، وأن الأصل الحَرْ س، وهو وجه".
ويرى الجوهري(2): أن "الحٍرْز: الموضع الحصين، يقال هذا حٍرْز حريز: واحترزت من كذا، وتحرَّزت: توقيته".
ويقول الزبيدي(3): "الحٍرْز: الموضع الحصين وحرزه حَرْزاً: حفظه وجعله في حرز، أو هو إبدال، والأصل حرسه بالسين المهملة".
ونجد مما سبق ذكره عند علماء المعاجم، أن مادة حرز واحترز والاحتراز تدل على الحفظ والصون وتوقِّي الشيء، فكأن المتكلم يحترز لكلامه بحفظه وصونه والتوقِّي له من كل ما يشين معناه أو يصرفه عن المراد، ونلحظ أيضاً أن أصحاب المعاجم يرون أن أصل مادة (حَرَزَ) هي (حَرَسَ) أبدلت الزاي فيها بالسين.
ويبدو للباحث أن كلمة الاحتراز آكد في دلالتها على الحفظ والصون من كلمة الاحتراس؛ لما يوحيه صوت الزاي المجهورة من قوة لا توجد في السين المهموسة.
والاحتراز للمعنى مفهومه قديم، ظهر عند البلاغيين(4) بمسمى (الاحتراس) لكنهم حصروه على نماذج محدودة ومكررة، لا تخرج في جملتها عن دلالة السياق اللغوي للنص.
وقد عُرِف مصطلح الاحتراس عندهم ب " أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه، أي: يؤتى بشيء يدفع ذلك الإيهام، نحو قوله تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ). [المائدة: 54].
فإن المولى–عزّ وجل– لو اقتصر على وصفهم بأذلة على المؤمنين؛ لتوهم أن ذلك لضعفهم، وهو خلاف المقصود، فأتى على سبيل التكميل بقوله: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ "(5)، وقد سماه ابن جني في الخصائص بالاحتياط إذ يقول(6): "واعلم أن العرب إذا أرادت المعنى مكنته واحتاطت له".
ويرى الباحث أن مصطلح الاحتراز آكد في مفهومه ومعناه من مصطلح الاحتياط أو الاحتراس؛ لما فيه من الدلالة المعجمية على الغاية في الحيطة والحفظ والصون، والتحرز مما يصرف الكلام عن مقصوده؛ ولما توحيه الدلالة الصوتية أيضاً بالفرق بينه وبين الاحتراس.
ومن شواهد احتراز العرب لكلامها قول ابن المعتز يصف فرسه(7): 
صَببنَا عليها – ظالمينَ – سياطَنا.. فطارتْ بها أيدٍ سراعٌ وأرجلُ 
فقد أتى الشاعر بكلمة (ظالمينَ) احترازاً من أن يفهم أن سياطه التي صبها على فرسه؛ بسبب بلادة فيها، وإنما ذلك ظلمٌ منه، وهي لا تستحق ذلك(8).
وكذلك قول الشاعر: 
وأصفحُ عن سبابِ الناسٍ حِلماً *** وشرُ الناسِ من يهوي السِّبابا
فقد ذكر الشاعر كلمة (حِلما) احترازاً منه حتى لا يفهم أنَّ صفحه عن السباب بسبب ضعف منه(9).
وإذا كانت العرب تحتاط في كلامها وتحترز له كما ذكر ابن جني، وذكرناه سابقاً، فإن كلام المولى - عزّ وجل - في نظمه البديع، وبيانه المعجز، يبرز فيه الاحتراز للمعنى غاية في الدّقة والإعجاز.
وهو ما يهدف الباحث إلى توضيحه في هذا البحث والوقوف على صوره المختلفة في البيان القرآني، في تراكيبه النحوية، وجمله، وفواصله، ودلالاته السياقية. وما قد يوهم ظاهره الخروج عن الاحتراز حسب ما يظهر من قواعد النحو واللسان العربي.
ثانياً: صور الاحتراز وأنماطه: 
يبرز أسلوب الاحتراز للمعنى في صور شتى في البيان القرآني أبرزها: 
1- الإعراب: 
يمثل الإعراب مظهراً بارزاً من مظاهر الاحتراز للمعنى في القرآن الكريم؛ "لأنه يبين عن المعاني ويكشف عنها، ولولاه لكان الكلام مبهماً غير مفهوم ولا معلوم"(10)، والحديث في ذلك يطول، ونقتصر فيه على شواهد من النظم المعجز، من ذلك قوله تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ). [آل عمران: 169].
فإننا نلاحظ أن كلمة (أمواتاً) جاءت منصوبة على أنها مفعول ثانٍ للفعل (تحسب)، ومن العجيب المدهش في هذا البيان مجيء كلمة (أحياءٌ) بعدها مباشرة مرفوعة، وكان المتوقع أن تكون منصوبة على اعتبار أنها جاءت معطوفة على (أمواتا)، لكن النظم عمد إلى الرفع دون النصب؛ احترازاً من توهم إعادة تقدير العامل وهو (بل أحسبهم أحياءً)(11)، والسياق هنا سياق تأكيد وثبوت لا حسبان فيه ولا شك، فكان الرفع على تقدير (بل هم أحياءٌ) والجملة الاسمية تدل على ثبوت الوصف واستقراره واستمراره، وحياة الشهداء عند ربهم ثابتة لا شك فيها، مستقرة لا تبديل لها ومستمرة لا انقطاع فيها.
ومن ذلك ما نجده أيضاً، في متشابه النظم القرآني، إذ يعمد النظم إلى المخالفة في الحركة الإعرابية في موضعين متشابهين تمام التشابه، وما ذلك إلا للاحتراز عن معنى غير مراد، وذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ). [النحل: 24]، ثم يرد بعدها بآيات قلائل قوله تعالى: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً). [النحل: 30].
إذ جاءت الحركة الإعرابية بالرفع في قول الكفار، على تقدير: هي أساطيرُ الأولين، وهم منكرون لإنزالها أصلاً، ومنكرون أن مصدرها من الله عزو جل؛ لذا لم يرد النصب هنا كما هو الحال في قول المؤمنين (قالوا خيرا) احترازاً من توهم في المعنى، أن يكونوا مقرِّين للإنزال (أنزلَ أساطيرَ)، وهو ما تنبه له الزركشي بقوله(12): "لو طابقوا أي قالوا: أساطيرَ الأولين – بالنصب – لكانوا مُقِرين بالإنزال، وهم من الإذعان به على تفاوت".
وترد الحركة الإعرابية لدفع توهم التسوية عن فعلين متفاوتين؛ فيحترز الإعراب لدلالة التفاضل احترازاً دقيقاً، وذلك في قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ). [هود: 69].
فقد جاء النصب في الأولى (سلاما) والرفع في الثانية (سلامٌ)؛ لإظهار التفريق بين سلامين، سلام الملائكة وسلام النبي، وإبراز التفاوت بينهما في الرتبة والمكانة.
ولو سوَّى النظم بينهما في الحركة الإعرابية لاستوت رتبة الفعل في كليهما، لذا عمد إلى النصب هناك والرفع هنا؛ للإشارة إلى أن تحية النبي كانت أبلغ من تحية الملائكة وأفضل منها؛ لدلالة الرفع في الجملة الاسمية على الثبوت والاستمرار، وتقديره (سلامٌ عليكم)(13)، وهو مقال مناسب لمقام النبوة والرسالة، يفهم من وحي قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا). [النساء: 86].
ويرد الإعراب للاحتراز من دلالة التقييد إلى الإطلاق والعموم أو العكس، من ذلك قوله تعالى: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ). (آل عمران: 111]. 
فإننا نجد الفعل (ينصرون) جاء مرفوعاً، وكان المتوقع عطفه على سابقه بالجزم، كما هو الحال في قوله تعالى: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ). [محمد: 38]. 
وإذا كان اللسان العربي يجيز في هذا السياق وأمثاله، حالة استيفاء أداة الشرط الجازمة لفعلها وجوابها، أن يعطف على جواب الشرط بالجزم أو الرفع كما هو مقرر عند النحاة(14)، فإن النظم القرآني يعمد في هذا السياق إلى الرفع دون غيره من الخيارات الأسلوبية المتاحة لا على سبيل الجواز كما يزعمون وإنما على سبيل الوجوب؛ لاقتضاء المعنى له، إذ احترز النظم بهذا الإعراب عن معنى غير مرغوب فيه، فيما لو عطف على الجزم فقال: (ثم لا ينصروا) فيكون تقدير انتفاء النصر عن الكفار مقيداً بشرط قتالهم المسلمين وتوليتهم الأدبار؛ وهذا غير مراد، فاحترز منه النظم إلى الرفع على الاستئناف بتقدير (ثم هم لا ينصرون)؛ لدلالة الجملة الاسمية على ثبوت الوصف واستمراره، فأفاد ذلك دلالة الإطلاق والعموم، وهي أن عدو المسلمين مخذول دائماً غير منصور، سواء أقاتلهم أم لم يقاتلهم، فهذا حاله على الدوام مخذول مهزوم.
وهو في سياق الآية الأخرى في قوله تعالى: (وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ). [محمد: 38].
قد عطف على الجزم بقوله (يكونوا) لإدخال هذا الفعل ضمن قيد الشرط السابق، فالاستبدال والإتيان بقوم لا يكونون أمثالهم، مشروط بحالة تولِّيهم عن منهج الله وإعراضهم عنه. فإذا استقاموا على الجادَّة فإنَّ ذلك لا يكون.
اللهم إنَّ هذا هو محزُّ البيان، ومفصل البلاغة من الكلام.
2- التقديم والتأخير:
ويتصرف النظم القرآني في فن القول من تقديم وتأخير لأغراض دلالية من أهمها الاحتراز للمعنى، من ذلك قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ). [التوبة: 101].
إذ كان المتوقع أن يعطف (من أهل المدينة) على (من الأعراب) لكي لا يفصل بين النعت الجملة (مردوا على النفاق) والمنعوت (منافقون)، فيكون النظم على نحو (وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق) ولو جاء ذلك كذلك لفهم منه أن أهل المدينة ممن حولهم، وواقع الحال ليس كذلك فهم بينهم، وليسوا حولهم؛ لأنهم يساكنونهم ويخالطونهم (15)، فاحترز النظم المعجز البديع من ذلك بمجيء الكلام على النحو المذكور.
ومنه أيضاً قوله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ). [غافر: 28]. فقد عمد النظم القرآني إلى تقديم الوصف بشبه الجملة (من آل فرعون) للدلالة على وصف هذا الرجل أنه من آل فرعون وخاصته، ولو أن النظم أخرها بعد الجملة الفعلية فقال: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ) لأوهم ذلك أن شبه الجملة متعلق بالفعل (يكتم)، وأنُّه يكتم إيمانه من آل فرعون، وليس فيه دلالة على كونه من آل فرعون أصلاً، فجاء التقديم احترازاً من هذا المعنى.
والقرآن دقيق بهذا الاحتراز؛ لأنه لا يطَّلع على الحوار الخاص بفرعون وملئه إلا رجل من آلهم وخاصتهم.
وعجباً للدكتور تمام حسان على جلالة قدره حين ذهب إلى أن الأسلوب القرآني في هذه الآية اختار التقديم والتأخير لأجل مبدأ القصر والطول للكلمة، فقال(16): "وجاء بثلاث صفاتٍ للرجل رتبها حسب القصر والطول، فجعل الصفة الأولى "مؤمن" أولاً لإفرادها، وأردفها بشبه الجملة فالجملة"؛ والحقيقة أن النظم القرآني لا يقدم ولا يؤخر إلا لمقصد دلالي، لا لأجل القصر والطول في البنية والشكل، كما أوضحناه، بدليل أنه قد جاء تقديم النعت بالجملة على النعت بالإفراد في قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ). [الأنعام: 92].
ومن ذلك أيضاً الآية التي وقف عندها الجرجاني كثيراً(17)، وهي قوله تعالى: (وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ). [الأنعام: 100].
فقد تصرف النظم القرآني في رتب الألفاظ في هذه الآية غاية التصرف مما يثير الدهشة والذهول، إذ كان المتوقع أن ترد هذه الآية على نحو (وجعلوا الجنَّ شركاءَ للهِ)، فيقدم المفعول به الأول (الجنَّ) ثم المفعول الثاني (شركاءَ) ثم يأتي أخيراً بشبه الجملة (لله)، لكن العجيب في النظم أنه عكس الجملة تماماً، فجاءت (وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ)؛ وذلك للاحتراز للمعنى، إذ لو جاء النظم على المتوقع (وجعلوا الجنَّ شركاءَ للهِ) لكان الاعتراض متجهاً إلى كونهم جعلوا الجنَّ شركاء لله دون غيرهم، ولو جعلوا غير الجن لكان مسكوتاً عنه، وهذا غير مراد؛ لذا جاء النظم (وجعلوا لله شركاءَ الجنَّ) ليوجه الاعتراض إلى كونهم جعلوا للهِ على وجه الخصوص شركاء، وحقه – عزّ وجل – ألا يكون له شريك لا من الجنِّ ولا من غيرهم.
3- الجملة الاعتراضية:
"وهي الجملة التي تعترض بين شيئين متلازمين، أو متطالبين، لتوكيد الكلام، أو توضيحه، أو تحسينه، وتكون ذات علاقة معنوية بالكلام الذي اعترضت بين جزأيه، وليست معمولة لشيء منه"(18).
والذي يحسن ذكره هنا أن الجملة المعترضة قد تقع بين متلازمين في الجملة الواحدة، كأن تقع بين المبتدأ والخبر، أو النعت ومنعوته، والموصول وصلته وهكذا، وقد تقع بين جملتين مستقلتين تمام الاستقلال، إلا أنَّ بينهما رابطاً معنوياً من روابط الكلام(19).
وهي في ذلك كله لها علاقة معنوية ودلالية في سياق الكلام الذي ترد فيه، والذي يعنينا من دلالاتها المختلفة دلالتها على الاحتراز للمعنى في السياقات القرآنية الواردة فيها.
من ذلك قوله تعالى: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ). [المنافقون: 1].
"فجملة (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، وهذا الاعتراض لدفع إيهام من يسمع جملة (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) أنه تكذيب لجملة (إنك لرسول الله)"(20).
فالتعبير هنا "من الدقة والاحتياط بصورة تثير الانتباه، فهو يبادر بتثبيت الرسالة قبل تكذيب مقالة المنافقين، ولولا هذا التحفظ لأوهم ظاهر العبارة تكذيب المنافقين في موضوع شهادتهم وهو الرسالة، وليس هذا هو المقصود، إنما المقصود تكذيب إقرارهم، فهم لا يقرون الرسالة حقاً، ولا يشهدون بها خالصي الضمير"(21).
ومن ذلك قوله تعالى – على لسان امرأة عمران – (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ). [آل عمران: 36].
فجملة – والله أعلم بما وضعت – اعتراضية، من تعقيب المولى – عزّ وجل – على قولها، إذ جاء قولها بالتوكيد (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى) من قبيل البوح النفسي والمناجاة؛ لمفاجأتها بمجيء المولود أنثى، وقد كانت ترجوه ذكراً؛ ليقوم بأمور العبادة، والمخاطب هو المولى – عزو جل – وهو يعلم ما وضعت، فنقل القرآن قولها واحترز له.
ومنه قوله تعالى – في سياق تحدي الكفار أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن – (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ). [البقرة: 24].
فجملة (ولن تفعلوا) اعتراضية جاءت بين متلازمين هما الشرط وجوابه، وتقدير الكلام (فإن لم تفعلوا فاتقوا النار)، ولو جاء النظم على هذا النحو، لفهم منه أنهم قد عجزوا عن الإتيان بمثله فيما مضى من الزمان، لكن ذلك لا يمنع في مستقبل الأيام، فجاءت الجملة الاعتراضية تحترز من هذا المعنى وتقرر عجزهم على مرور الزمان.
4- المغايرة في الاستعمال: 
ويعمد النظم القرآني في سياقاته المتشابهة أحياناً إلى المغايرة في اللفظ؛ وذلك للاحتراز ممّا قد توحيه الكلمة من معنى غير مناسب.
من ذلك ما نجده في قوله تعالى في الحديث عن زكريا عليه السلام: (قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ). [آل عمران: 40].
وفي سياق مشابه لهذه الآية تماماً عند حديثه عن مريم في السورة نفسها، يقول المولى عزّ وجل: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ). [آل عمران: 47].
فنلاحظ أن النظم القرآني عبر في سياق الحديث عن زكريا بقوله (يفعلُ ما يشاء) وفي سياق الحديث عن مريم قال: (يخلقُ ما يشاء)؛ وذلك لأن " لفظ (يفعل) لا يناسب أن تخاطب به الأنثى؛ لما تحمله الكلمة من إشارات غير مناسبة، وإيحاءات ممجوجة"(22).
ومن ذلك ما يرد في النظم القرآني من مغايرة في الضمائر، وهو ما أسماه علماء البلاغة قديماً بالالتفات(23)، وقد ذكروا له وظائف دلالية كثيرة، ولكنهم لم يشيروا إلى دلالة الاحتراز، وهو ما نجده في قوله تعالى: (وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ). [الحجر: 6].
فقد جاء النظم بضمير الغيبة في قوله: (عليه)، ثم تحول عنه إلى ضمير الخطاب فقال: (إنَّك)، ولم يُسَوِّ النظم بينهما؛ وذلك أن المغايرة في الضميرين في هذا السياق تشير إلى المغايرة بين قضيتين، قضية أنهم غير مقرَّين له بإنزال الذكر عليه أصلاً، وإنما قالوا ذلك على سبيل التهكم والسخرية فغيبوه في الخطاب؛ إمعاناً في تغييب هذا الأمر عن أذهانهم، وقضية أنهم يؤكدون أنه مجنون (إنّك لمجنون) فخاطبوه به مباشرة، فاحترز النظم عن التسوية بين الضميرين، ولو سوَّى بينهما في هذا السياق في الغيبة أو الخطاب لما استقام هذا المعنى.
ويتصرف النظم القرآني أيضاً في صيغ الأفعال فيغاير بينها، بالتحول من صيغة الماضي إلى المضارع أو العكس؛ بقصد الاحتراز، من ذلك قوله تعالى: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ). [الكهف: 47].
إذ كان المتوقع أن تنتظم الأفعال في مجيئها بصيغة واحدة، فتكون (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ، وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً، وَنحشُرهُمْ)، فتكون صيغ الأفعال دالة على المضارع في جميعها (نسير – ترى – نحشر)، لكن النظم البديع عمد إلى التحول عند فعل الحشر إلى صيغة الماضي، فقال (وحشرناهم)؛ ليشير إلى أن حشرهم سابق لتسيير الجبال وبروز الأرض، أي: وحشرناهم قبل ذلك ؛ليشاهدوا تلك الأهوال، وذلك أوقع في النفوس(25).
___________________________
الهوامش: 
(1) أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1999م، مادة (حرز).
(2) إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح، دار الكتاب العربي – مصر، مادة (حرز).
(3) محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق عبد الستار فراج، مطبعة الكويت، مادة (حرز).
(4) انظر: ابن أبي الإصبع المصري، تحرير التحبير، تحقيق: د. حفني شرف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 1995م، ص245.
(5) علي بن محمد الشريف الجرجاني، التعريفات، مكتبة لبنان بيروت، ص 25.
(6) أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، دار الهدى، ط2، بيروت، 3/101.
(7) انظر: ابن رشيق القيرواني، العمدة، دار الجيل، ط4، 1972م، 2/69.
(8) انظر: د. فضل حسن عباس، البلاغة فنونها وأفنانها، دار الفرقان، ط7، الأردن، 2000م، ص513.
(9) انظر: د. فضل حسن عباس، البلاغة فنونها وأفنانها، ص515.
(10) د. فاضل صالح السامرائي، الجملة العربية والمعنى، دار ابن حزم، بيروت، 2000م، ص30.
(11) انظر: جار الله محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف، دار الفكر، 1977، 1/439.
(12) بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، 2004م، ص 4/34.
(13) انظر: جار الله محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف، 1/48، ود. سمير شريف استيتية، منازل الرؤيا منهج تكاملي في قراءة النص، دار الأوائل، الأردن، 2003م، ص 325 – 326.
(14) انظر: جار الله محمود بن عمر الزمخشري، المفصل في علم العربية، دار الجيل، ط2، بيروت، د.ت، ص255. وبهاء الدين بن عقيل، شرح ابن عقيل، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، 2003م، 2/246.
(15) انظر: د. تمام حسان، البيان في روائع القرآن، عالم الكتب، القاهرة، 1993م، ص 178.
(16) د. تمام حسان، البيان في روائع القرآن، ص99.
(17) انظر: عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق: محمود شاكر، مطبعة المدني، ط3، القاهرة، 1992، ص 287 – 288.
(18) د. فخر الدين قباوة، إعراب الجمل وأشباه الجمل، دار القلم العربي، ط5، سوريا، 1989م، ص 67.
(19) انظر: جمال الدين ابن هشام الأنصاري، مغنى اللبيب، ت: مازن المبارك، دار الفكر، ط3، بيروت، 1972، ص 514.
(20) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية، تونس، 1984م، 15/93.
(21) سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، بيروت، ط22، 1994، 6/3574.
(22) د. تمام حسان، البيان في روائع القرآن، ص 323.
(23) انظر: ضياء الدين بن الأثير، المثل السائر، دار الرفاعي، ط2، الرياض، 1983م، 2/181 – 183.
(24) انظر: المصدر السابق نفسه، والصفحة نفسها.
(25) انظر: الزمخشري، الكشاف، 2/487.
 
المصدر: ملتقى أهل التفسير

المقالة السابقة
الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن
المقالة التالية
الاحتراز للمعنى في القرآن الكريم (2- 2)
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.