• Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • YouTube
  • RSS
  • فعالياتنا
  • مشاريعنا
  • إصداراتنا
  • من نحن

مقالات وبحوث مجلة كنوز الفرقان - جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه

فريد العبادي

  • التصنيف: جمع القرآن
  • تاريخ النشر: 20 شوال 1435 (16‏/8‏/2014)
عدد الزيارات: 778
QR Code
0 0

المراد بهذا الجمع:

        يراد بجمع القرآن في هذا العهد كتابته جميعه في صحف مجتمعة في موضع واحد على الأحرف السبعة التي نزل بها، مرتب الآيات في سورها على ما وقف النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه بإرشادهم عند نزول كل آية أو آيات إلى موضعها من سورتها، وبقراءة سور كاملة في الصلاة وغيرها، وإقراء الصحابة والاستماع منهم.

هذا كله متفق عليه بين العلماء، وأما كونه مرتب السور على ما هي عليه الآن في المصحف العثماني أو غير مرتبها، فهو مبني على أن الترتيب الذي في المصحف العثماني توقيفي أو اجتهادي، وهو محل اختلاف بين العلماء.

السبب في هذا الجمع ووقته:

        لما اختار الله عز وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جواره في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرة، وبويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة، صادفته في أول عهده صعاب شديدة أثارت مخاوف المسلمين جميعًا، فإن الوحدة الإسلامية التي تمت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كادت تضطرب حين وفاته، وذلك أنه ارتد قوم عن دين الله، ومنع قوم الزكاة، فرأى أبو بكر رضي الله عنه أن لا بد من القضاء على هذه الثورة الطاغية في مهدها بقتال هؤلاء وأولئك، حتى يذعنوا بالطاعة.

ومن أعظم المواقع التي اشتبك فيها المؤمنون والمرتدون موقعة اليمامة في أواخر سنة إحدى عشرة للهجرة.

وذلك أن مسيلمة بن حبيب الكذاب كان قد تنبّأ باليمامة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استفحل أمره بعد وفاته، والتفّ حوله بنو حنيفة، يؤمنون بأنه نبي ورسول إليهم؛ كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي ورسول إلى قريش، فأرسل أبو بكر رضي الله عنه؛ لقتالهم خالد بن الوليد في جيش عظيم كان فيه جماعة من القراء حفاظ كتاب الله، كما كان فيه جماعة من شهدوا بدرًا، وكان جند مسيلمة نحوًا من أربعين ألفًا( [2]).

  ولا حاجة بنا إلى تفصيل هذه الواقعة التي لم تسبقها واقعة تماثلها أو تقاربها في عدد المقاتلين وعدد القتلى من الفريقين منذ ابتدأت الوقائع الإسلامية، ويكفى أن نذكر من نتائجها أنه قتل مسيلمة الكذاب، وقتل من قومه بني حنيفة إحدى وعشرون ألفًا، ورجع الباقون منهم إلى الإسلام، واستشهد من المهاجرين والأنصار من أهل قصة المدينة ثلاثمائة وستون. ومن المهاجرين من غير أهل المدينة ثلاثمائة، وقيل: بلغ قتلى المسلمين ألفًا ومائتين. وقال ابن كثير في كتاب فضائل القرآن: قتل من القراء يومئذ قريب من خمسمائة، وقال القرطبي في مقدمة كتابه: "الجامع لأحكام القرآن" كان القتلى من القراء في هذه الغزوة سبعين.

وقال النووي في شرح مسلم في باب فضائل أبي بن كعب: ثبت في الصحيح أنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن.

أقول: إن كلمة القراء تطلّ على من كان مجموعهم يحفظ القرآن، وإن كان بعضهم يحفظ كثيرًا منه لا كله، ولعل هذا ملحوظ من جعلهم خمسمائة، وأما من جعلهم سبعين، فلعل ملحظه إطلاق الاسم على من يحفظون منهم كل القرآن فليتأمل.

 هذا وقد ذكر ابن الأثير في التاريخ في أثناء التحدث عن هذه الغزوة أسماء خمسة من كبار الصحابة الذين قتلوا فيها، ثم ذكر في نهاية الكلام عليها أسماء تسعة وثلاثين صحابيًّا ممن قتل فيها.

ولعل هذا هو السر في قول الدكتور هيكل في كتابه الصديق أبوبكر: كان بين القتلى من المهاجرين والأنصار تسعة وثلاثون من كبار الصحابة ومن حفاظ القرآن ا.هـ. وفي كلامه إغفال للخمسة المذكورين في أثناء القصة، وادعاء أن التسعة والثلاثين كانوا من حفاظ القرآن، وهو رجم بالغيب، فمن الجائز أن يكون بين القتلى حفاظ لم تذكر أسماؤهم، وبين من ذكرت أسماؤهم من ليس من الحفاظ.

وإنما ثبت على هذا؛ لئلا يتوهّم قارئ كتابه أن ذكره هذا العدد مبني على تحقيق علمي يقصد به الرد على من قال: إن القتلى من القراء كانوا سبعين أو أكثر. وأيًّا ما كان عددهم، فقد كان مقتلهم سبب جمع القرآن في خلافة أبي بكر رضي الله عنه كما تخبرنا به الروايات الصحيحة الآتية:

لماذا كانت غزوة اليمامة سببًا في جمع القرآن؟

        لم تكن عزوة اليمامة إلا واحدة من الغزوات التي قضى الله، ولا راد لقضائه أن يبتلي بها المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد استشهد فيها من حفاظ القرآن، فماذا عساه يكون إذا تهافت المسلمون على الغزوات الواحدة تلو الأخرى كما يتهافت الفراش على النار، فيستشهد في كل غزوة عدد من الحفاظ، فيذهب كثير من أحرف القرآن السبعة المحفوظة في الصدور بذهاب حملته، أو يذهب كثير من صحائف القرآن المكتوبة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم بذهاب أصحابها، فلا يدرى طريق كتابته الذي أقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم... هذا الوجه – وهو خشية ذهاب بعض القراء – هو ما صرّحت به رواية زيد بن ثابت رضي الله عنه وستأتي.

وقد أشار الدكتور هيكل في كتابه، الصديق أبو بكر، إلى وجه آخر يجعل مقتل القراء سببًا في الجمع فقال ما خلاصته: "إن الذين تلقّوا القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتبوه أو وعته صدورهم، كان تقديسهم لكتاب الله تعالى وإيمانهم به يحولان دون الزيادة في القرآن أو النقص أو تحريفه، فلم يزد اختلافهم بعضهم مع بعض عما أقرأهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الأحرف السبعة، لكن هؤلاء القراء رجال كتب عليهم الموت كما كتب على الذين من قبلهم، ولقد استحر القتل في طائفة منهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ببئر معونة، ثم استحر القتل في اليمامة، فإذا ذهب أكثرهم أو ذهبوا جميعًا لم يكن عجبًا أن يقوم من يزيد في القرآن، أو ينقص منه، ومن يحرف كلام الله عن مواضعه، ثم لا عجب أنه يختلف الناس على هذا، وأن ينتهي اختلافهم إلى الثورة، يصلى المسلمون نارها، ويصيب الإسلام منها ضرر كبير ا.هـ

أقول: إنه في هذا الكلام لم يجعل السبب خشية ذهاب بعض القراء، بل جعله خشية التبديل والتغيير والزيادة والحذف ثم الاختلاف ثم الثورة، وعندي أن هذا  الذي ذكره لا ينفى ما في الحديث، فالواقع أن ذهاب القراء يُخشى منه كل ذلك، لكن يحتمل أن عمر لم يخطر بباله يومئذ إلا خشية الذهاب، ويحتمل أنه خطر بباله كل ذلك، واقتصر عند الإشارة بالجمع على خشية الذهاب، وأفضى في المراجعة التي لم تفصلها الأحاديث بالباقي، فما ذكره الدكتور إنما هو احتمال عقلي، ففي جزمه به مؤاخذة؛ لإيهامه أنه منقول عن عمر، وفي تركه ما صرَّحت به الرواية الصحيحة مؤاخذة أخرى؛ لإيهامه أنه لم ينقل أو نقل ولم يرقَ في نظره.

شعور عمر رضي الله عنه بوجوب الجمع لهذا السبب:

فكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قتل القراء، فرأى بثاقب نظره أن على المسلمين واجبًا من أهم الواجبات لو أجالوا فيه أفكارهم لسارعوا إليه وتنافسوا فيه، ألا وهو جمع القرآن بكتابته مجتمعًا في موضع واحد على ما تقدم.

فالجمع بهذا المعنى وإن لم يحصل في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لعدم الحاجة إليه، ولعدم إمكان انتظامه، فقد نبَّه أمته إليه، حيث كان يأمر بكتابته كل ما نزل من القرآن على ما تيسَّر وقتئذ من العسب واللخاف والأكتاف والرقاع وغيرها. وكان ينهى عن كتابة غير القرآن، وينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، وكل هذا منه صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أن تحافظ الأمة على القرآن بما تستطيع المحافظة عليه به. ومما يومئ إلى ذلك تسمية الله عز وجل إياه كتابًا في آيات كثيرة كقوله جل شأنه: "ذلك الكتاب  لا ريب فيه هدى للمتقين"([3])، والكتاب ما كتب منسقًا في موضع واحد.

فالجمع الذي رآه عمر إذا لم يكن من المحدثات المردودة، والبدع الضالة، وإنما كان من المصالح الواجبة التي تأثم الأمة جميعها لو لم تقم بها بعد توجيه أنظارها إليها.

عرض عمر ما رآه على أبي بكر رضي الله عنه:

لما اقتنع رضي الله عنه بهذا الرأي صمّم على أن يواجه به أبا بكر رضي الله عنه، وهو الذي حمى العقيدة بمنازلة أهل الردة وما نعى الزكاة، ليحمى أس هذه العقيدة وكتابها الذي هو حجة الله على خلقه، فيحفظه من الذهاب، فقال له: إن القتل قد استحر بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن.

توقف أبي بكر ثم اقتناعه بعد مراجعة عمر:

فاجأ عمر أبا بكر بهذا الرأي، ولم يكن قد فكر فيه بعد، فخشي أن يكون هذا من الإحداث في دين الله تعالى فقال:كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر هذا بادئ بدء قبل أن يحيل نظره في هذا الموضوع الخطير، فقال له عمر: "هو والله خير([4]) ولم يزل يراجعه حتى شرح الله صدره له. هذا كل ما تتحدث به الروايات، ولم يرد فيها تفصيل ما دار بينهما من مراجعة.

                                                                  فريد العبادي

                                                                مدرس بالأزهر

 



مدرس بالأزهر. ([1]

([2] ) انظر تاريخي ابن الأثير والطبري

      كذا في ابن الأثير. وقال ابن كثير في فضائل القرآن ص 24: إن مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة ألف.

      فجهز الصديق لقتاله ابن الوليد في قريب من ثلاثة عشر ألفًا. ا.هـ.

) البقرة 2.[3]

([4] ) يظهر لي أن كلمة خير هنا ليست أفعل تفضيل، فإنه قد ظهر أن هذا الجمع كان واجبًا، وتركه لا خير فيه أصلًا، فهو خير وتركه شر، وفي بعض شروح البخاري أنه أفعل تفضيل، ولعله يريد أنه أفعل تفضيل على غير بابه.

 

المقالة السابقة
ما يجب على كاتب المصحف وناشره
المقالة التالية
تراجم البدور الثلاثة المتمّمين للعشرة ورواتهم
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.