• Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • YouTube
  • RSS
  • فعالياتنا
  • مشاريعنا
  • إصداراتنا
  • من نحن

مقالات وبحوث مجلة كنوز الفرقان - قراءة القرآن في محطة الإذاعة

محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (ت 1393)

عدد الزيارات: 788
QR Code
0 0

قراءة القرآن في محطة الإذاعة

وجه سؤال إلى حضرة صاحب الفضيلة العلامة الجليل الأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام المالكي

ـــــــــــــــــ

          وهو:

ما قولكم- حفظكم الله- في حكم إذاعة القرآن الحكيم بواسطة المذياع المعبر عنه بالراديو الذي تكاثر بالبيوت ومحلات التجارة والمقاهي وديار البغي والحانات بصورة لا تمر بشارع إلا وتسمع من هاته الأماكن بواسطة هذا المذياع كلام الرحيم الرحمن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدّعًا من خشية الله، وفي الغالب أن هاته الآلة تعبث بالقرآن الكريم، وتقطع حروفه بسبب تغيير أمواج المحطة، خصوصًا عند مزاحمة محطة إذاعة بروكسيل لمحطة القاهرة؟

          وما قولكم -  أبقاكم الله – في حكم التالي لكتاب الله تعالى في محطة الإذاعة المتعمدة إذاعة القرآن بسائر أماكن اللهو والفساد؛ لأن التالي لكلام الله بمحطة الإذاعة ليس قصده التدبر في آياته، وليس غرضه من إذاعته نشر الدين كما يزعم بعضهم، بل القصد سماع صوت التالي بنغماته وألحانه؛ لأن أرباب محطات الإذاعة لا يختارون لإذاعة القرآن الكريم، الذي هو قول فصل وما هو بالهزل، إلا صاحب الصوت الرخيم، وإن قيل بجوار ذلك، فما حكم استماع القرءان من المذياع الذي يظهر أنه منافٍ لما هو مطلوب بقوله تعالى: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا"([1] مع أن جلساء المقاهي والحوانيت غالبهم ممن لا يشتغل إلا بأحجار الطاولة والدومينو والكارطة ولهو الحديث، مع أن الله يقول: "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون"([2] وبعضهم يشتغل بشرب الدخان عند تلاوة القرءان الكريم بالمذياع.

وقد ذكر الشيخ الأمير في مجموعه في باب الجمعة أنه يحرم تعاطي ما له رائحة كريهة في المسجد والمحافل، وعند قراءة القرآن الكريم يشتد التحريم؛ لما في ذلك من عدم التعظيم لكتاب الله، ورأيت بعدد 16 من مجلة الإسلام من سننها الثانية أن وزارة الأوقاف أصدرت أوامرها لرجال البوليس بالتنبيه على أصحاب محطات الإذاعة بمصر بعدم إذاعة القرآن الكريم في محطاتها منعًا لقراءته في الأماكن التي لا يليق بكرامة القرآن إذاعته فيها. ونشر هذا الأمر في بعض جرائد القاهرة التي صدرت في 30 يوليو سنة  1933م.

          وفي العدد المذكور صرّح بحرمة قراءة القرءان في الراديو الأستاذ علي فكري الأمين الأول لدار الكتب المصرية.

          كما رأيت بالمجلة نفسها فتوى من الشيخ محمد سليمان مخيمر من علماء مصر قال فيها: إن قراءة القرآن بالراديو من أكبر الكبائر.

          ونشرت مجلة الهداية الإسلامية مسامرة في الموضوع للعلامة المرحوم الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقًا أثبت فيها أن المسموع بواسطة الراديو هو قرآن حقيقة، وقال: إنه يجوز في الأماكن غير الممتهنة، ويمنع فيها بالاختصار. وهنا ربما يقال: إن التحرز من الأماكن الممتهنة غير ممكن ضرورة أن لكل مشترك أن يستمع ما بالراديو، ولا شك أن غالبهم من أصحاب المحلات الممتهنة، فهل يقال حينئذ بالمنع مطلقًا سدًّا للذريعة وهي من قواعد المذهب؟

          وقد نشر بجريدة النهضة الغراء بعدد 3801 ما يدل على أن اللجنة المكلّفة بمراقبة الإذاعات ردّت على فضيلة شيخ الجامع الأزهر منع إذاعة القرءان بالراديو، ورجحت جانب الفوائد التي تنجر من الإذاعة، على ما يقتضيه التحرير.

          جوابكم السامي وكلمتكم الأخيرة في هذا الموضوع الذي يتعلق بأقدس شيء لدينا معاشر المسلمين، وهو كلام الله القديم؛ ومعجزته الباقية لنبيه الكريم، حتى يعتمد عليها عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. أفيدونا مأجورين، والله يحرس مهجتكم، وعليكم السلام.

                                                                من الفقير إلى ربه

                                                حسن بن الغريبة العدل ببنزرت – وفقه الله

                                           في 3 ربيع الثاني، وفي 23 جوان سنة 1355هـ - 1936م

 

 

الجواب

وقد أجاب فضيلة الأستاذ حفظه الله بما يأتي:-

          أما بعد، فقد اطلعت في عدد 8780 من جريدة الزهرة الغراء على سؤال موجه إليّ من الفاضل ابننا الشيخ السيد حسن بن الغريبة العدل بمدينة بنزرت عن حكم إذاعة القرآن بواسطة المذياع (الراديو).

وعن حكم قارئ القرآن بمركز الإذاعة (الجهاز المذيع)، وحكم استماع القرآن من تلك الآلة في الأماكن المشتملة على اللهو، أو على ما يليق شرعًا.

          والجواب: أن سماع القرآن أمر مرغّب فيه؛ لقوله تعالى: "فاستمعوا له وأنصتوا"([3])، وحمل الأمر عند المالكية والجمهور على الندب، وعند الحنفية على الوجوب الكفائي، وذلك بناء على أن المراد بالقراءة في الآية القراءة في غير الصلاة، وهو أحد تأويلات كثيرة في الآية بين قريب وبعيد. وإذا كان القارئ حسن الصوت زاد قراءته السامع خشوعًا ورقة قلب، وذلك مما يدعو إلى الخير. وأدلة ذلك كثيرة، أوضحها ما في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع لقراءة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وأبو موسى غير شاعر بذلك، وكان أبو موسى حسن الصوت، فقال له رسول الله من الغد: "لو رأتني لما أسمع قراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داوود"، فقال أبو موسى: لو علمت أنك تسمع إليَّ يا رسول الله لحبّرت قراءتي تحبيرًا. أي: لزدتها تحسينًا، وليس بنا أن نتعرض ها هنا للخلاف في قراءة القرءان بالأصوات الحسنة التي لا تخرج عن أدب القرءان، فإن الكلام في ذلك يطول. وليس من غرض السائل ولا جمهور المتطلبين لمعرفة الحكم الشرعي في قراءة القرآن بطريق المذياع خاصة، بل نحن نبني الآن على ما جرى عليه عمل علماء المسلمين في سائر الأقطار من استحباب القراءة بالأصوات الحسنة غير المنافية لحروف القرآن وآدابه، جريًا على قول أئمة من أعلام المذهب المالكي مثل الإمام سحنون وعصرييه: موسى بن معاوية، وابن الرشيد وابن اللباد، وابن التبان من أعيان القيروانيين، وهو مختار أعلام من الأندلسين مثل ابن رشد وابن العربي وعياض، وهو قول الحنفية والشافعية، ولم تزل رغبة المسلمين متوفّرة في سماع القرءان بأحسن وجوه آدابه، لاسيما إذا كان القارئ من ذوي الأصوات الحسنة، وقد كان معظم الناس لا يجد إلى استقرار هؤلاء سبيلًا لاستدعاء ذلك كلفة مالية، فإذا قد يسّر الله للناس ما كان عسير الحصول بما ألهم إليه صاحب الاختراع الذي استعان بآثار مصنوعات الله فليحمدوا الله على ذلك.

          ثم إن لقراءة القرءان آدابًا مرجعها إلى إجلال كلام الله وتوقيره والتأدب عند سماعه، ولذلك فلنتكلم على ما يعرض لهذا السماع من العوارض التي هي مثار جدال بين المانع والمجيز ممن اختلفوا في هذه المسألة والخلف بين الناس غير عزيز.

          وينحصر الغرض في مبحثين:

المبحث الأول: في حكم تصدي القارئ للقرآن بمركز الإذاعة.

والمبحث الثاني: في حكم سماع السامعين قراءة القرآن من آلة الإذاعة.

فأما المبحث الأول، فإنه يجوز للقارئ أن يتصدى للقراءة في مركز الإذاعة؛ لقصد سماع قراءته في جميع الجهات التي يكون لها اتصال مع مركزه سواء أكان تصديه بأجر أم بدونه؛ لأن الصحيح عندنا جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن، فإنها من أسباب تكثير قرائه وسامعيه، ولا حاجة إلى التعرض إلى شروط القراءة في القارئ ومكانه؛ لأن ذلك لا يختص بالموضوع المبحوث فيه. وإذا تبيّن أن تصديه للإذاعة بالقراءة مباح، فلا ينقض حكم الإباحة ما سعى أن يبلغ مدى صوت القارئ إلى سامع يكون على حالة تجعله غير كامل الأهلية لسماع القرآن، أو إلى مكان غير لائق، بل يكفى في جواز فعله كون الغالب على قراءته أن ينتفع بها المسلمون على اختلاف مقاصدهم وقابليتهم ومبالغ نياتهم، فمراعاة الآداب في ذلك واجبة على السامعين، وليس القارئ بمسؤول عنها، وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه المشركون، وقرأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في مقام إبراهيم بمسمع من المشركين، وقرأ أبو بكر رضي الله عنه بمسجده الذي اتخذه بداره في مكة، فكانت نساء المشركين وصبيانهم وعبيدهم يقفون عند مسجده يعجبون من رقة صوته.

          وإذا تبيَّن أن الغالب في التصدي للقراءة بمركز الإذاعة هو حصول النفع بها الذي يغتبط به جمهور المسلمين، وكان من النادر إفضاء ذلك إلى ظهور صوت القارئ في مواضع قد توجد فيها حالة تقتضى حكم مخالفة الأولى أو الكراهة أو الحرمة ولو عن غفلة من بعض السامعين، وبعض تلك الأحوال أندر من بعض، كان ذلك الإفضاء من قبيل الذريعة الملغاة في الشريعة؛ لندرة ترتب المنهي عنه عليها إذا نسبناه لما يترتب عليها المنافع، إذ قد قرَّر أئمة أصول الفقه والفقه أن ليس كل ذريعة يجب سدّها، فإن الشريعة ألغت ذريعة غراسة العنب مع أنها ذريعة لعصر الخمر، وألغت ذريعة التجاور في البيوت مع أنها تكون ذريعة للزنا، وألغت ذريعة حفر الآبار مع أنها يتردى فيها الناس والحيوان، فإن حكم الذريعة إلى الفساد إن لم تكن فيها مصلحة حكم الذريعة المشتملة على مصلحة وهي تفضي إلى مفسدة، ويتدرج النظر حينئذ في مراتب المصالح والمفاسد، وحينئذ فيقتصر حكم التحريم أو الكراهة على الصورة الواقع فيها بسبب الكراهة أو التحريم عند وقوعها ويخاطب بالمؤاخذة عليها، فتعين أن يكون القارئ غير ممنوع من القراءة لأجل خلوّ بعض السامعين لصوته عن آداب سماع القراءة، وتأخذ أحوال السامعين أحكامها المناسبة لها كما سيأتي. وقد قال الحسن البصري: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا. قال ابن عرفة: أي: لأسرع في ديننا النقص والاختلال.

          وأما ما عسى أن يقع من تقطيع بعض كلمات القرآن أو الفصل بين آياته باضطراب الجو أو بغلبة بعض الأصوات التي تدخل في أمواج الجو فتغلب على صوت القارئ، فلا مؤاخذة فيه على القارئ، إذ ليس ذلك من فعله.

          وأما المبحث الثاني، ففي حكم التصدي لسماع قراءة القرآن من آلة المذياع، والسامع لا يخلو عن أن يكون مسلمًا أو غير مسلم. فالسامع المسلم إذا كانت الآلة التي يسمع منها في محل لائق لأن يقرأ فيه القرءان فسماعه أمر حسن كما تقدم، والمسلمون عند سماع القرءان مراتب كثيرة متفاوتة في الفضل بمقدار التفاوت في حضور القلب ومراعاة الآداب، وفي تدبر معاني القرءان والاستنباط منها لمن هو أهل لذلك، وفيما يحصل من الخشية والعظة لمن وفقه الله لذلك.

وقد أشار السائل إلى آيات من القرءان مقصود منها أعلى تلك المراتب ولا يخلو مسلم من أن يحصل له خير عند سماع القرءان، فإن كان السامع في محل غير لائق بقراءة القرءان – وعدم اللياقة أيضًا متفاوت بين ما هو على خلاف الأولى وبين ما هو على الكراهة وما هو على الحرمة – فينبغي في مواضع الانبغاء، أو يجب في مواضع الوجوب أن يقطع السامع الاتصال الجوي بينه وبين المركز الذي يأتي منه صوت قارئ القرءان إلى أن يتحقق القضاء القراءة وتبدل حالة المحل. وأحسب أن معظم المسلمين يتوقون سماع قراءة القرءان في هذه الأحوال، فإن كان منهم من يجهل أو يذهل فيجب على المسلمين أن يذكر بعضهم بعضًا.

          وأما السامع في حالة تقطيع بعض كلمات القرءان أو الفصل بين بعض آياته بسبب غلبة بعض الأصوات فذلك لا مؤاخذة على السامع منه ولا يوجب منع سماعه، لأنه ينتفع بسماع ما سلم من ذلك. ومثل هذا  ما يعرض لسامع القرآن من الخروج عن مجلس القراءة، ثم يرجع فيجد القارئ قد تجاوز الآيات التي تركه عندها.

          وأما السامع غير المسلم فإن كان يفهم العربية فسماع القراءة يرشده إلى مزايا الإسلام ويقربه منه، وقد أجاز مالك أن يقرأ القرآن على غير المسلم رجاء اهتدائه إلى الإسلام. وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على المشركين في مكة وفي المدينة. وليس في القرآن إلا ما هو هدي وتنوير للقلوب التي قدر لها أن تحل فيها الهداية، وكله مما يحق للمسلم أن يفتخر به، فإن فرضنا أن يكون سامع غير مسلم مطبوعًا على السخرية بما لا موجب فيه، فذلك نزق منه لا يؤاخذ به غيره، ولا يُعتد به في تشريع الأحكام. وإن كان غير المسلم لا يفهم العربية، فمرور تلك  القراءة على سمعه كمرور الصوت على من يمشي في الطريق لا يعبأ به ولا يفهمه. وهذا في الغالب  يعدل عن سماعه إلى سماع ما هو أغنى.

هذا ما لاح لي في جواب سؤال السائل أفتيت به، وأنا محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام المالكي، لطف الله به في 21 ربيع الثاني وفي 11 جويلية سنة 1355هـ – 1936م.

 



[1]) الأنفال 2.

[2]) الأعراف 204.

[3]) الأعراف 204.

 

المقالة السابقة
تفسير سورة البقرة (1)
المقالة التالية
تفسير سورة البقرة (2)
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.