• Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • YouTube
  • RSS
  • فعالياتنا
  • مشاريعنا
  • إصداراتنا
  • من نحن

مقالات وبحوث مجلة كنوز الفرقان - تفسير سورة البقرة (3)

عبد المغني المنشاوي

عدد الزيارات: 1,183
QR Code
0 0

 

تفسير قوله تعالى: "أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون"([2])... إلى قوله تعالى: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم"([3]).

          لما كانت تلاوة كتاب الله من أهم الأمور التي تعنى بها محطة الإذاعة المصرية، فقد ارتأت أن تضيف إلى أياديها في هذه الناحية الخيرة، يدًا أخرى نسجّلها لها بيد الشكر والاعتراف بالجميل، ذلك أن ضمنت منهاج إذاعتها محاضرات أسبوعية، تُلقى بين يدي ما يتلوه من كتاب الله حضرة الصيت القدير، الأستاذ محمد رفعت، حتى يتاح لجمهرة السامعين أن يجمعوا إلى لذة الاستماع بنشوة الطرب، لذة الارتياح إلى جمال المعنى، ولسوف يتناول بحث المحاضر بمشيئة الله في كل أسبوع، ما يتلوه الأستاذ رفعت في قراءتين متعاقبين، فيتحدث إلى حضراتكم في أسباب نزول بعض الآيات، ويعرض لشرح بعض ما عسى أن يكون غامضًا مما سيُتلى. مطمئنًا بعد ذلك في فهم الباقي إلى حسن استعداد السامعين، وحرصهم الحريص أن يتقربوا إلى الله عند سماع كلام الله، وفهّم كلامه.

كان رسول الله صلوات الله عليه وأصحابه يرون أن أولى الناس بالإيمان، وأقربهم إلى  الأخذ بعقائده وتعاليمه، هم اليهود أو بنو إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام، ذلك أن اليهود موحّدون ومصدّقون بالوحي والبعث، من أجل ذلك كان الرسول وصحابته يطمعون في دخولهم في دين الله أفواجًا (أي جماعات)؛ لأن هذا الدين الجديد دين الإسلام يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم أي: ذنوبهم وأثقالهم، والأغلال التي كانت عليهم، لكن الله شاءت إرادته أن تشير إلى حادث لبني إسرائيل، وقع منهم أيام موسى عليه صلوات الله، حتى يتبيّن الرسول المصطفى وصحابته أن طمعهم في إيمان بني إسرائيل إنما يقع في غير مطمع.

 أما الحادث المشار إليه فخلاصته أن موسى اختار بأمر الله سبحانه سبعين رجلًا من قومه؛ لسماع الوحي، ومشاهدة الحال التي يكلمه الله تعالى بها، وقد سمعوا كلام الله على الوجه الذي لا نعرفه، فلما رجع هؤلاء المختارون إلى قومهم حرّفوا كلام الله الذي حضروا وحيه، وعقلوا معناه، فصرفوه عنه وجهه، وسلكوا به غير نهجه، فكيف يطمع المسلمون أو يتوقّعون من أبناء هؤلاء المعاندين المحرّفين، وقد طبعوا على غرار آبائهم وورثوا تقاليدهم وعاداتهم، أن يؤمنوا بكتاب لم يحضروا وحيه، ولم يشهدوا تنزيله؟ من أجل ذلك أنزل المولى سبحانه: "أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلا بعضهم  إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون؟ أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون-... إلى قوله سبحانه: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيدهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) ([4]).

ولما قدم رسول الله عليه صلوات الله المدينة، وجد اليهود يدعون أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن الإسرائيلي الذي لا تدركه الشفاعة يعذب في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة يوم، فنزل قوله سبحانه: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده، أم تقولون على الله ما لا تعلمون، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) ([5]).

ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنه أن يهود المدينة كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج من مشركي المدينة بالنبي المنتظَر، فيكون بذلك مؤيدًا لدين موسى، فلما بعثه الله من العرب كفروا به،  وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فأجابه أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي  كنا نذكر لكم.

وكلما أكلت نار الحسد قلوبهم قالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل-  يعنون "أولاد يعقوب" فما بال هذا من بني إسماعيل!  فأنزل سبحانه" "وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ"([6]).

ثم عرض سبحانه على عيونهم صورة توضح مكابرة بني إسرائيل: الذين بعث فيهم موسى صلوات الله عليه ليكون في ذلك سلوى وحسن... لرسول الله عليه صلوات  الله، ولأصحابه عليهم رضوان الله: "وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ. وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ- فكانوا يسجدون على شقة، وينظرون إلى الجبل وهو مرفوع فوقهم بشقّ آخر - خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ -....ملأ حب العجل قلوبهم - قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ"([7]).

وكان اليهود يدَّعون أنهم شعب الله المختار، ويقولون: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، فردّ عليهم سبحانه بقوله: "قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ. وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ"([8]).

ورُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأتي اليهود فيسمع من التوراة، فيتعجب كيف تصدق ما في القرآن، قال: فمرّ بهم رسول الله عليه صلوات الله يومًا فقلت: أتعلمون أنه رسول الله؟ فقال عالمهم: نعم نعلم أنه رسول الله. قلت: فلمَ لا تتبعونه؟ قالوا: سألناه من يأتيه بنبوته، فقال عدونا جبريل؛ لأنه ينزل بالغلظة والشدة، والحرب والهلاك، قلت: فمن تحبون من الملائكة؟ قالوا: ميكائيل، ينزل بالقطر والرحمة، قلت: وكيف منزلتهما من ربهما! قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن الجانب الآخر، قلت: فإنه لا يحل لجبريل أن يعادي ميكائيل، ولا يحل لميكائيل أن يسالم عدو جبريل، وإنني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا، وحرب لمن حاربوا.

قال عمر: ثم قدمت على رسول الله أريد أن أخبره، فلما لقيته ابتدرني بقوله: ((ألا أخبرك بآيات نزلت عليّ؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فقرأ: "قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ. مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ"([9])،  قلت: يا رسول الله، والله ما قمت من عند اليهود إلا إليك لأخبرك بما قالوا لي وقلت لهم، فوجدت الله قد سبقني.

وقيل: إن اليهود قالت فيما قالت: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء: أفما كان ساحرًا يركب الريح! فأنزل الله سبحانه: "وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ- أي: في أيام ملكه، إذ زعموا أن ملكه أُسّس على السحر، وأنه ارتد آخر عمره - وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ"([10]).

ليس له من نعيم الآخرة نصيب فواجبنا يأيتها السيدات ويأيها السادة ألا نصغي إلى دجل الدجالين، ولا نُخدع بسحر الساحرين، فإن جماعة تعجز بسحرها ودجلها عن إسعاد نفسها، لهي في الحق أعجز عن إسعاد غيرها.

قال ابن عباس: كان العرب يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا معناها: أرعنا سمعك، أي: اسمع لنا ما نريد أن نسأل عنه ونراجعك القول لنفهمه عنك؛ أو: راعنا بمعنى: راقبنا وانتظر ما يكون ما شأننا فيما تلقيه علينا وفهمه، وإذ سمع اليهود العرب تقول هذه الكلمة لرسول الله عليه صلوات الله، فرحوا وطربوا، فإن كلمة "راعنا" في لسان العبراني- لغة اليهود- تحمل في طياتها معنى الشتم الصريح، كأنما مأخوذة من الرعونة وهي الحمق، لهذا قال بعضهم لبعض: إنا كنا نشتم محمدا سرًّا، أما الآن فأعلنوا له السب، ثم يذهبون إليه صلوات الله عليه ويصيحون: يا محمد راعنا، ويضحكون. ففطن بها رجل من الأنصار وهو سعد بن عبادة، وكان معلمًا بلغة اليهود، فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد بيده لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقهّ! فقالوا: ألستم تقولونها؟ فأنزل الله سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ. مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"([11]).

سيداتي وسادتي: جرت مشيئة المولى سبحانه أن يؤيّد رسله بآيات ناطقة بصدقهم، ومعجزات قاطعة بأن ما جاءوا به من عند ربهم، وليست معجزات رسول بمشبهة معجزات رسول آخر، ولكن الله سبحانه يزيل المعجزة حتى ينساها الناس، ولا يؤيد بها رسولًا آخر غير صاحبها، بل يختص هذا الرسول الآخر بمعجزة خير منها أو مثلها في قولها وأثرها، فلما أيّد الله سبحانه محمدًا صلوات الله عليه بهذا الكتاب المنير، لم يكتفِ كفار قريش وبنو إسرائيل به معجزة، بل أخذوا يقولون: يا محمد، اجعل لنا الصفا ذهبًا، ووسِّع لنا أرض مكة، وفجِّر الأنهار خلالها تفجيرًا، نؤمن بك. بل قال قائل منهم، وهو عبد الله بن أبي أمية المخزومي: إيتني بكتاب من السماء فيه: من رب العالمين إلى ابن أبي أمية، اعلم أني قد أرسلت محمدًا إلى الناس، فأنزل المولى سبحانه: "مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ – فقد قال له بنو إسرائيل: أرنا الله جهرة – وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) ([12]).

ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة: أخذ يهودها ومشركوها يؤذونه وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله سبحانه نبيَّه وصحابته بالصبر والعفو، وفي ذلك نزل قوله سبحانه: "وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"([13]).

ولما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله، أتتهم أحبار يهود فتنازعوا، فقال رافع بن خزيمة من اليهود: ما أنتم على شيء وكفر بعيسى.... فقال رجل من أهل نجران لليهود: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى، فأنزل الله قوله تعالى: "وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ"([14]).

ولما منعت قريش رسول الله أن يصلى عند الكعبة في المسجد الحرام، أنزل رب الكعبة سبحانه: "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها"([15]).

ولما هاجر صلوات الله عليه إلى المدينة أمره سبحانه أن يستقبل في صلاته بيت المقدس، فاستقبل هذه القبلة بضعة عشر شهرًا، فرح اليهود الفرح كله، وكان صلوات الله عليه يحب قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهي الكعبة المشرفة، ويدعو الله أن يجعلها قبلة.

فأنزل سبحانه: "فولوا وجوهكم شطره"([16]) أي: جهة الكعبة، فارتاب في ذلك اليهود: وقال: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل رب المشرقين ورب المغربين: "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم- أي هناك -  وجه  الله، إن الله واسع عليم"([17]).

سيداتي وسادتي: عرض كتاب الله بعد هذا إلى إبراهيم خليل الله؛ لشدة اتصاله بهذا الجدل الذي أثارته طوائف اليهودية. وشاركتهم فيه بعض طوائف المسيحية، فلقد طالما ادّعت كلتا الطائفتين أن خليل الله يدين بدينها، فهي أولى به وهو أولى بها، ولو قد عقلت كلتاهما، أو كانت جادة في جدلها، ما ادّعت هذه الدعوى المضحكة، فإن اليهودية والمسيحية ما كانتا إلا بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعصور وعصور، ذلك أن موسى وعيسى عليهما صلوات الله، من بني إسرائيل، أي من ولد يعقوب الذي هو ابن إسحاق بن إبراهيم، فكيف يدين امرؤ بدين لم يُوجب إلا في ذراري ذراريه "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا -   أي: مائلا إلى دين الحق -  مسلما، وما كان من المشركين"([18]).

          "وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات- أي: بفروض وتكاليف- فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما، قال: ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين"([19]).

          ثم شرع إبراهيم وولده إسماعيل عليهما صلوات الله يبنيان الكعبة بيت الله الحرام، ويدعوان الله سبحانه قائلين: "رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا – أي: فرائض عبادتنا وغاياتها- وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الكتاب والحكمة ويزكيهم -  أي: يطهر نفوسهم من مرذول الأخلاق- إنك أنت العزيز الحكيم"([20])، وقد أجاب الله تعالى دعوتهما بإرسال خاتم النبيين والمرسلين، فقد جاء في الحديث: ((أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى، "وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين"([21]))).

وها هم أولاء بنو إسرائيل وعنادهم في الحق عنادهم ويقولون للنبي عليه صلوات الله: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية؟ فيردّ سبحانه عليهم بقوله: "أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون"([22]).

          وبعد: فهل فرّق الناس هذه الفرق المختلفة إلا التعصب الديني الأعمى، كل يمجد دينه بعد إذ تناولته يد الإثبات والمحو، والزيادة النقص، والتحريف والتبديل، ولكنه على الرغم من ذلك يدّعي أنه وحده الحق "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن"([23])، لكن دين الحنيفية السمح، يخاطب أهله السمحاء المؤمنين المسلمين بقوله: "قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط- أي: أولاد يعقوب – وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلون"([24])، هذا والله هو دين الحق وفطرة الله، وما زال ولن يزال محوطًا تحت الله كما وعد الله. والسلام عليكم ورحمة الله.

 



[1]) مدرس بدار العلوم العليا.

[2]) البقرة 75.

[3]) البقرة 134.

[4]) البقرة 75- 79.

[5]) البقرة 80- 82.

[6]) البقرة 89- 90.

[7]) البقرة 92- 93.

[8]) البقرة 94- 96.

[9]) البقرة 97- 98.

[10]) البقرة 102.

[11]) البقرة 104- 105.

[12]) البقرة 106- 108.

[13]) البقرة 109.

[14]) البقرة 113.

[15]) البقرة 114.

[16]) البقرة 144.

[17]) البقرة 115.

[18]) آل عمران 67.

[19]) البقرة 124.

[20]) البقرة 127- 129.

[21]) الصف 6.

[22]) البقرة 133.

[23]) المؤمنون 71.

[24]) البقرة 136.

 

المقالة السابقة
إعجاز القرآن (1)
المقالة التالية
فضيحة المبشرين .. في احتجاجهم بالقرآن المبين
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.