• Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • YouTube
  • RSS
  • فعالياتنا
  • مشاريعنا
  • إصداراتنا
  • من نحن

أثر القرآن في بناء القدرات والتصورات العقلية وتنميتها

حمزة حسن سليمان صالح

عدد الزيارات: 19,957
QR Code
13 6

أثر القرآن في بناء القدرات والتصورات العقلية وتنميتها

دراسة تطبيقية عصرية على البرمجة اللغوية العصبية

أعداد وتقديم: د. حمزة حسن سليمان – جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية - السودان

المقدمة:

الحمد لله الذي بدأ رسالته الخاتمة بكلمة "اقرأ"  والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، وبعد،،،

فإن القرآن الكريم هو المصدر الأصيل الذي يحترم عقل الإنسان، والمعجزة البيانية الخالدة على مر الزمان، والمراجعة الفكرية التي يتمركز فيها الإنتاج المعرفي بكل أشكاله، ولهذا تجد أن الأسلوب اللفظي للقرآن يحث على بناء القدرات المعرفية العقلية وتحقيق المكتسبات العلمية، من خلال التدبر والتفكر والنظر للنهوض بالإنسان، وتوسيع دائرة النشاط الذهني والعقلي لديه، وتفجير الطاقات الهائلة في النفس البشرية، ليقودها إلى الرشد ومعالم الإيمان الحق بالله U.

ولعل من أبرز خصائص هذا الكتاب المجيد أنه يحمل معالم الفصاحة والبيان وقوة الحجة والبرهان، ويحث قارئه على إمكانية البحث والنظر والاستنباط، لتنمية مهاراته الذهنية والعلمية والفكرية، ويدفع به إلى التنوع المعرفي والتبصر في إدراك حقائق الدين ومقاصده، ومعرفة الحق حتى يمتلك الإنسان القدرة على التغيير من خلال التعامل معه حفظاً وتلاوة وعملاً وفقهاً، فالعطاء القرآني يحمل كل مقومات البقاء والديمومة والاستمرار، ويتخطى حواجز الزمان والمكان، ويمتلك القدرة على التعاطي مع الواقع بكل أشكاله، ولكنه يحتاج فقط إلى العقل الذي يحمل المنهج العلمي والنظرة المعرفية لعالم الأشياء، واستنباط ماهو مفيد لخير هذه البشرية التائهة في ظلمات الجهل والجمود الفكري.

ولما كان القرآن يمتلك الوسائل والآليات التي تحدث التغيير، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﭿ ﮫ  ﮬ    ﮭ  ﮮ   ﮯ  ﮰ  ﮱ      ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖﯗ   ﯧ  ﭾ [الرعد:11]، فهذه الدعوة القرآنية إلى تغيير الواقع وتنمية الذات وامتلاك المهارات الذهنية والمعرفية بالنسبة للإنسان المسلم من خلال التلاوة المستمرة هي التي دفعتني للكتابة في هذا الموضوع، والبحث في كيفية الاستفادة منه في صقل المواهب ورعايتها وتحقيق النهوض بها، وتنمية القدرات واكتساب المهارات وإتقانها؛ لأن الله أتقن صنع كل شيء، قال تعالى: ﭿ ﰉ  ﰊ  ﰋ     ﰌ  ﰍ          ﰎﰏ  ﰐ  ﰑ  ﰒ  ﰓ  ﰔ   ﭾ [ النمل :88] وهذه هي شرارة الإبداع.

 

 

أهداف البحث:

  1. بيان وتوضيح السبق القرآني في تنمية القدرات.
  2. بيان مزية التدبر والتفكر في آيات الله تعالى.
  3. الإفادة من التوجيهات القرآنية في أداء الشعائر الدينية في تنمية التفكير.

أهمية البحث:

تكمن أهمية البحث في الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم تلاوة وحفظاً وتدبراً وتطبيقاً، وتأثير القرآن الكريم في رفع قدرات ومهارات الاستخلاف في الأرض استكشافاً واستعماراً وتنمية وازدهاراً، وذلك بمقدرته الفائقة على إعطاء التمارين العقلية والتدريبات النفسية والمعالجات السلوكية عمقاً ومعنىً وقيمة وجمالاً، الأمر الذي يولد سعادة دافقة وورضاً لاينفد وحبوراً لا ينقطع. 

محاور البحث:

تمهيد: تعريف للبرمجة اللغوية العصبية

المحورا لأول: خصائص التصور الإسلامي:

المحور الثاني: القرآن الكريم وأثره في التدبر والتفكر:

المحورا لثالث: أثر التدين في رفع القدرات وتنمية الإبداع:

المحور الرابع: توجيه القرآن الكريم في الإفادة من الشعائر التعبدية في تنمية التفكير:

المحور الخامس: نماذج واقعية:

الخاتمة والنتائج:

تمهيد: تعريف للبرمجة اللغوية العصبية

جاء تعريف البرمجة في الموقع الخاص بالبرمجة اللغوية العصبية بأنها: " مجموعة طرق وأساليب تعتمد على مبادئ نفسية تهدف لحل بعض الأزمات النفسية ومساعدة الأشخاص على تحقيق نجاحات وإنجازات أفضل في حياتهم، تتميز هذه المدرسة النفسية بأن متقن أساليبها لا يحتاج معالج خارجي فهي يمكن أن تكون وسيلة علاج نفسي سلوكي ذاتي، تحاول أن تحدد خطة واضحة للنجاح ثم استخدام أساليب نفسية لتعزيز السلوك الأنجع و محاولة تفكيك المعتقدات القديمة التي تشخص على أنها معيقة لتطور الفرد، ومن هنا جاء تسميتها بالبرمجة أي أنها تعيد برمجة العقل عن طريق اللسان واللغة"([1]).

وعرفها موقع www.nilenlp.com  بأنها: " ترجمة للعبارة الانجليزية Neuro Linguistic Programming  واختصارهاNLP ، وهو علم هندسة النفس الإنسانية، وهو علم هندسة النجاح، وتعريف مفردات الكلمة: برمجة Programming وهي طريقة تشكيل صورة العالم الخارجي في ذهن الانسان أي برمجة عقل الانسان، وهي مجموعة الأفكار و الأحاسيس و التصرفات الناتجة عن العادات والخبرات والتى تؤثر على الاتصال بالآخرين وعليها يسير نمط حياتنا.

لغوية: Linguisticوتعني متعلق باللغة وتشير إلى قدرتنا على إستخدام اللغة الملفوظة و غير الملفوظة في التعامل مع الآخرين والتأثير فيهم أو فهم تصرفاتهم، عصبية: Neuroأي متعلق بالجهاز العصبي الذي يتحكم في وظائف الجسم وأداؤه وفعالياته وتشير إلي جهازنا العصبى أى المسلك العقلى لحواسنا الخمس التى نرى ونسمع و نحس و نتذوق و نشم بها" ([2]).

 

المحورا لأول: خصائص التصور الإسلامي:

للتصور الإسلامي خصائصه المميزة التي تفرده من سائر التصورات، ونجعل له شخصيته المستقلة وطبيعته الخاصة، التي لا تتلبس بتصور آخر، ولا تستمد من تصور غيره، هذه الخصائص تتعدد وتتوزع وتتنوع ولكنها تتجمع عند خاصية واحدة، هي التي تنبثق منها وترجع إليها سائر الخصائص، هذه الخاصية هي خاصية الربانية التي تعني أن التصور الإسلامي نابع من منبع أصيل منبع رباني جاء من عند الله I خالق الكون ورب كل شيئ فيه، وتعني هذه الخاصية كذلك أن التصور الإسلامي جاء من عند الله تعالى بكل خصائصه وبكل مقوماته، وتلقاه الإنسان المكلف كاملاً مكملاً لا ليزيد عليه من عنده، ولا لينقص منه شيئ، ولكن ليتكيف هو به ويطبق مقتضياته في حياته، يقول عنها الأستاذ سيد قطب: " الربانية أولى خصائص التصور الإسلامي، ومصدر هذه الخصائص كذلك، فهو تصور اعتقادي موحى به من الله I ومحصور في المصدر، لا يستمد من غيره، وذلك  تمييزاً له من التصورات الفلسفية التي ينشئها الفكر البشري حول الحقيقة الإلهية، أو الحقيقة الكونية، أو الحقيقة الإنسانية، والارتباطات القائمة بين هذه الحقائق، وتمييزاً له كذلك من المعتقدات الوثنية التي تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية "([3]).

ولما كانت صفة الربانية من الخصائص الأساسية للتصور الإسلامي، فهناك خصائص أخرى اختص بها بها النظام الإسلامي وتميز بها عن غيره من الأنظمة، من هذه الخصائص خاصيتي الثبات والتطور، فالنظام الإسلامي نظام ثابت في مقوماته الأساسية وقيمه الذاتية، متطور في ظواهر الحياة الواقعية، و أشكال الأوضاع العملية، يقول سيد قطب عن هاتين الخاصيتين: " ولا يقتضي هذا تجميد حركة الفكر والحياة، ولكنه يقتضي السماح لها بالحركة، ولكن داخل هذا الإطار الثابت، وحول هذا المحور الثابت، وهذه السمة - سمة الحركة داخل هذا  الإطار الثابت، وحول هذا المحور الثابت، وهذه السمة هي طابع الصنعة الإلهية في الكون كله - فيما يبدو لنا - لا في التصور الإسلامي وحده، مادة هذا الكون - سواء كانت هي الذرة أو الإشعاع البسيط المنطلق عند تحطيمها، أو أية صورة أخرى – ثابتة الماهية، ولكنها تتحرك فتتخد أشكالاً دائمة التغير والتحور والتطور، والذرة ذات نواة ثابتة تدور حولها الإلكترونات في مدار ثابت"([4]).   

ونتابع الخصائص التي تميز بها هذا التصور الإسلامي ونجد إضافة لما ذكر، خصائص أخرى مثل الشمولية التي تعني أنه بظام شامل لكل مناحي الحياة ومتطلباتها لا يتجزأ لأجزاء مبعثرة متفرقة فالإسلام دين شامل، هو دين ودولة، كسب وغني، أو عدل وقضاء، هو كل شئ في الحياة، وهو منهج متكامل، تشريع شامل لكل مجالات الحياة، فهو إيمان وعمل، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، فكر وعاطفة، أخلاق وعمران. وكذلك مما اختص به التصور الإسلامي أنه تصور متوازن معتدل والتوازن والإعتدال قرينان ومترافدان، والمقصود منهما: التعادل والتوفيق بين الشيئين المتقابلين المتضادين بحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه ويطغى على مقابله، ومن أمثلة ذلك في حياة الإنسان: الروحية والمادية، الفردية والجماعية، الدنيوية والأخروية، الثبات والتغير، ومعنى التوازن بينها: أن يفسح لكل طرف منها مجاله ويعطي حقه بلا غلو ولا تقصير، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﭿ ﭪ  ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﮛ  ﭾ [البقرة:١٤٣]. وقوله I: ﭿﯷ  ﯸ        ﯹ   ﯺ  ﯻ  ﯼ  ﯽ  ﯾ  ﯿ  ﰀ  ﰁ  ﰂ   ﭾ[الفرقان:٦٧] وقوله <: «إياكم والغلو في الدين فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»([5]). ومن خصائص الإسلام كذلك الواقعية التي تعني: مراعاة واقع الحياة التي يعيشها الإنسان، فالشرائع التي في الإسلام ملائمة لفطرة الإنسان وواقعه وحياته، ولهذا فهي الشريعة القادرة على إسعاد البشرية كلها.

 والإيجابية في حياة المسلم سمة من السمات الأساسية التي اختص بها التصور الإسلامي والتي تعني: الخروج من التمركز حول الذات إلى الانفتاح على العالم الخارجى، والرغبة الحقيقية فى إصلاح الذات وإصلاح المجتمع، ووجود إرادة التغيير للأفضل، والقدرة على التفاعل الجيد مع الآخرين. وبمعنى آخر الإيجابية هى إرادة الحياة الحقيقية وإثبات شرعية الوجود المعنوى.   

ومن الركائز الأساسية التي يقوم عليها التصور الإسلامي أنه: " يقوم على عمليات التعلم المستمر المرتكز على التحسين المستمر المصحوب بمشاعر الانفتاح لكل وقائع وأحداث ومجريات الحياة بكل تفاصيلها، وذلك بالاستعداد الحنيف لقبول الحق... والانتصار للحقائق... والخضوع لها.. مهما كانت وجهتها.. وأين ما استقلت ركائبها... تمحيصاً ونقداً ومراجعةً وتحليلاً وتفسيراً ومدارسة ومثاقفةً ومقايسة...مما يكسب العقل قدرة عالية على التدريب ورفع مستوى العمليات التفكيرية، وبذلك ترتفع قدرة العقل التشغيلية والتي ينصبغ بها العقل وتتحول إلى ملكة من ملكاته، وقدرة طبيعية من قدراته، بل كأنها سمة فطرية وخصيصة تلقائية"([6]).

 

المحورا لثاني: خصائص القرآن الكريم وأثره في التدبر والتفكر:

المطالع لكتاب الله الكريم يجد فيه دعوة صريحة ومتكررة وملحة للتدبر والتفكر وإعمال العقل- الهبة الربانية التي وهبها الله I لعباده - وأمره في كثير من آيات كتابه العزيز بالتفكر والتدبر في هذا الكون الفسيح الذي سخره الله لعباده، وعندما نتحدث عن عمليات التفكير التي أمرنا بها رب العزة والجلالة إنما نقصد بالعمليات التفكيرية كل الأنشطة التي يمارسها المخ بدءً بالتساؤل... والذي يقود إلى التركيز ورفع مهارات التحليل والنقد والمراجعة، وبالتالي الخروج من صندوق العادات والتقاليد والبيئة، مروراً بالتكرار، والذي تصفه عمليات البرمجة بأنه " يزيد من الإفرازات المخية التي تقوى الوصلات العصبية المختصة بعمليات الحفظ و التذكر والاسترجاع.. فيقوم بتسريع هذه العمليات إلى سرعات عالية تساعد على سرعة الاستجابة المحكمة لوقائع وأحداث ومجريات الحياة المتغايرة والمتسارعة"([7]).

والقرآن كما أنه كتاب هداية، فهو كتاب علم وفكر وتأمل، والتأمل هو "مراجعة للنظر كرة بعد كرة، حتى يتجلى له وينكشف لقلبه"([8])، قال تعالى: ﭿ ﭨ   ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ   ﭴﭵ  ﭶ  ﭷ     ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ       ﭼ  ﭽ  ﭾ    ﭿ          ﮀ    ﮁ  ﮂ    ﮃ             ﮄ  ﮅ    ﮆ  ﮇ  ﭾ[الملك: ٣/٤]، أما التفكير فعرفه بعض الباحثين بأنه: "سلسلة من النشاطات العقلية التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثير يتم استقباله عن طريق واحدة أو أكثر من الحواس الخمس: اللمس أو السمع أو البصر أو الذوق أو الشم"([9])، قال تعالى: ﭿ ﯯ  ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ  ﯴ  ﯵﯶ   ﯷ  ﯸ  ﯹ   ﯺ  ﯻ    ﯼ  ﯽ          ﯾ  ﯿ  ﰀ   ﭾ [الإسراء:36 ]، وعرفه آخرون: بأنه عملية معرفية وفعل عقلي عن طريقه تكتسب المعرفة، إذن هذه المهارة لها أهمية كبيرة في تطوير القدرات العقلية بوجه عام، وقدرات التفكير بوجه خاص، فقد وجه الحق U إلى التفكير والتأمل في آيات كثيرة، والقرآن كما أنه تحدى البلغاء والفصحاء بالأسلوب الأدبي الذي يحمل جمال العبارة وفصاحة المنطق وقوة النظم والمعنى، فها هو يُظهر التحدي للعلماء بالأسلوب العلمي، الذي يقف على الحقائق العلمية، بدقة ووضوح ومنطق، ويدعو قارئه إلى التدبر والتأمل والنظر في آياته، وهذا بدوره يساعد في بناء العقل الإنساني بناء سوياً، قال تعالى: ﭿ ﮈ  ﮉ  ﮊ  ﮋ  ﮌ     ﮍﮎ  ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ   ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗ   ﭾ [يونس:101] وقال تعالى: ﭿ  ﯢ  ﯣ  ﯤ  ﯥﯦ  ﯧ   ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭﯮ  ﯽ   ﭾ [سبأ:46].

والقرآن الكريم كتاب عقيدة يخاطب العقل والضمير، وخير ما يطلبه هذا الكتاب من الإنسان في مجال العلم أن يحثه على التفكير، ولا يتضمن حكماً من الأحكام يشل حركة العقل في تفكيره، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم، بل يخاطبه في أول ما نزل بكلمة اقرأ، قال تعالى: ﭿ ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﮀ  ﭾ [العلق:1]، "قراءة بحرية كاملة في كتاب الله المسطور في القرآن، وفي كتاب الله المنظور في الكون والأنفس والآفاق، وفي كل العلوم بشرط واحد وهو أن تكون هذه القراءة باسم الله، أما في غير ذلك فاقرأْ ما شاء لك أن تقرأ، كل هذا مكفول للمسلم في كتاب ربه، كما لم يكفل قطُّ في كتاب من الكتب السماوية السابقة"([10]).

والقرآن يجعل التفكير السليم، والنظر الصحيح إلى آيات ما في خلقه وسيلة من وسائل الإيمان بالله، قال تعالى: ﭿ ﮉ  ﮊ      ﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ  ﮐ  ﮑ     ﮒ  ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗﮘ  ﮙ      ﮚ  ﮛ  ﮜ  ﮝ   ﮞ  ﮟ  ﮠ     ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ  ﮩ       ﮪ   ﭾ [آل عمران:190،191] فالتفكير هو سلوك تطوري ينمو بنمو الفرد وتراكم خبراته؛ ولذلك حث القرآن قارئه على التفكر والتدبر بطرق وأساليب واستراتيجيات تستهدف تنمية التفكير، أو تطوير الآداء، أو تجويده في أي مجال معرفي.

وقد أشاد القرآن بصاحب العقل المفكر، قال تعالى: ﭿ ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ   ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ      ﭲ  ﭳﭴ  ﭵ   ﭶ  ﭷ  ﭸ   ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭾ [طه:128] وقد كرّر ذلك مرات عديدة، وحسبنا في ذلك أن مادة (عقل) وردت في القرآن الكريم في مائة وثلاثة وثلاثين موضعاً، ومادة (نظر) بمعنى تأمل في ثلاثة وعشرين آية، ومادة (فكر) في ثمان عشرة آية، أو ما يشبهه في العديد من الآيات، وكلما ذكر آية من آيات قدرته وتدبيره وإبداعه ختمها يقوله تعالى: ﭿ ﮠ    ﮡ     ﮢ  ﭾ [البقرة:164ومواضع أخر] وفي مواضع أخرى من القرآن بقوله تعالى: ﭿ  ﰓ  ﰔ  ﰕ   ﭾ [يونس:24 ومواضع أخر].

وقد ندد I بالذين لا يفكرون ولا يستعملون عقولهم في الخير والمعرفة، بقوله تعالى: ﭿ  ﮢ  ﮣ  ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ    ﮩ  ﮪ  ﮫ  ﮬ  ﭾ [الأنفال:22]، وقد عرض القرآن آيات الله في الكون، كما رأينا عرضاً ربّى العقل على حسن المعرفة، والمنطق العلمي، والفكر الاستدلالي، والنهج التجريبي.

إن المتعلم من خلال هذه المهارة - مهارة التأمل- يوظف فكره كما أمره الله تعالى، ويكون بصيراً بما يتأمله ويقف عليه، " ذلك أن للتأمل بابين واسعين: الأول: التأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله Y ورسوله <. والباب الثاني: التفكر في آياته المشهودة، وتأمل حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط على خلقه، ويعني ذلك أن التفكر في القرآن نوعان: تفكر فيه ليقع على مراد الرَّب تعالى منه، وتفكر في معاني ما دعا عباده إلى التفكر فيه، فالأول تفكر في الدليل القرآني، والثاني تفكر في آياته المشهودة، ولهذا أنزل الله القرآن لُيتَدبر، ويُتفكر فيه، ويُعمل به، لا لمجرد تلاوته مع الإعراض عنه"([11]).

قال العقاد في هذا المنحى وهو يتحدث عن حث القرآن على التفكر: " فهو -إذن -كتاب يحث المسلم على أن يفكر في عالم النفس كما يفكر في عالم الطبيعة وأن يعرف نفسه، وأن يجد تفكيراً لتكوينه العقلي والنفسي والفسيولوجي والبيولوجي، وإدراك بديع النظام والتناسق الكوني من خلال قوله تعالى: ﭿ ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ   ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ  ﭷ  ﭸﭹ    ﮁ  ﭾ [الروم:8]، وقوله: ﭿ ﮑ  ﮒ  ﮓ   ﮔ   ﮕ  ﮖ  ﮗ  ﮘ  ﭾ [محمد:24]"([12])، وهذا المعنى تكرر عشرات المرات، وهو المطالبة بالتأمل والتعقل والتدبر  والتفكير، " وفي هذا تربية للإنسان على إعمال عقله، وتربية ذهنه على الاستنتاج والقياس والاستقراء، في النفس والكون، حتى يتبين لنا أنه الحق"([13]). وهذا يكسب الفرد مهارات مثل: التفكير المنطقي السليم، ورؤية عظمة الله في كل ما خلق في هذا الكون الفسيح، كما أنه يربي الفكر على عدم قبول شيء بغير حجة أو برهان أو علم.

فالقارئ المتدبر يستجمع هذه المعاني والقيم التربوية التي يحترم فيها القرآن عقله بأسلوب علمّي منطقّي جميل، ويدعوه إلى الفهم والتأمل والتفكر، وبنداء إلهي عميق المعنى، ومفهوم الدلالة، قال تعالى: ﭿ ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ   ﭿ  ﮀ  ﮁ  ﭾ [الرحمن:1-4].

إن مهارة التأمل في القرآن الكريم تعني: أن المتعلم ينبغي له إذا تلا القرآن الكريم أن يتفكر في معانيه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، والوقوف عند حدوده وتعني أيضاً أنه ليس العلم بمجرد صورته هو النافع، بل معناه، ومعناه لا يحدث إلا من خلال حسن توظيف المتعلم لمهارة التأمل.

" ومهارة التأمُّل تجعل من الكون كله ميداناً فسيحاً لها، فقد جعل الله تعالى لها الكون محراباً للفكر والتدبر والاعتبار، وأبان لها عن تصميمه وبنائه وما يقوم عليه من وحدة ونظام، وقد جعلت من الكون ميداناً واسعاً لها من أجل أن تدعو الإنسان إلى التأمل في خلق السماوات والأرض، والاستدلال على عظمة الله واستخدام كل ما سخر الله للإنسان في هذا الكون. وهذا يعني أن يعرف الإنسان سر هذه الكائنات ونظامها، ليسخرها فيما سخرها الله، ويعني أيضاً أن المتعلم يجب أن يكون ساعياً إلى الحقائق مفتوحاً على الكون كله، في جولات من التأمل الواعي الدقيق والنظر العلمي المنظّم. فمهارة التأمل تساعد على توظيف الحواس واستخدامها فيما يعود علينا بالنفع والفائدة "([14]).

ووظيفة السنة هي التبيين والتوضيح والتفسير لمعاني القرآن الكريم، وقارئ القرآن يدرك هذا ويستوعبه من خلال التلاوة المستمرة، بل وتتفتح مداركه من خلالها فيقذف الله في قلبه وفي عقله نوراً قال تعالى: ﭿﮧ  ﮨ   ﮩ  ﮪ  ﮫ   ﮬ  ﮭ  ﮮ   ﮯ   ﮰ     ﮱ  ﭾ[النور:40] وقال تعالى: ﭿ ﯮ  ﯯ  ﯰﯱ  ﯲ  ﯳ  ﯴ  ﯵ  ﯶﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ     ﯻﯼ  ﯽ  ﯾ  ﯿ  ﰀ  ﰁ  ﭾ [النور:35] فنور القرآن هو نور الهدى، والمعرفة، والعلم، والحكمة، والعقل والفكر، والحق، وأقرب الناس إلى معرفة الحق هم الباحثون بعقولهم وأفكارهم في الدلائل بصحيح النظر والبرهان.

إن القرآن عندما يحُّث على استخدام العقل والفكر يرمي إلى تنمية مهارة الفهم والإدراك، والإنسان لا يستطيع أن يطلق العقل من عقاله إلا بترويضه وتنميته وإعطائه القدرة على الاستيعاب، من خلال النظر والتدبر والتأمل في معاني القرآن وآياته، التي يستشعر فيها المؤمن عظمة الله وقدرته على الخلق والإبداع، فينتفع وينفع غيره بكل ما في الكون من أشياء سخرها الله له ودعاه إلى البحث والنظر والتفكر والتأمل فيها، من خلال كتابه المسطور والمنظور في الكون والأنفس والآفاق. " وينعى القرآن الكريم على الكفار أنهم إذا دعوا للإيمان احتجوا بأنهم لا يستطيعون ذلك لأن آباءهم لم يفعلوه، فهم يستهدون بهم ويسيرون على منوالهم فيتساءل في إنكار وتعجب، قال تعالى: ﭿ ﭟ  ﭠ  ﭡ    ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ     ﭧ  ﭨ  ﭾ [البقرة:170] وفي هذه الآية استنكار واضح للتقليد دون تحكيم العقل والتفكير.

ولذلك يجب أن يكون قارئ القرآن هو الأقرب لمعرفة الحق والصواب؛ لأن عقله يتعود الفكر الصحيح بالاستمرار في الخضوع لله، والتفكير بعظمته، والانقياد له من خلال دلائل الآيات، وإمعان النظر فيها فكراً وتأملاً، هذا الوعي الفكري يجعل القارئ واعياً، ومنهجياً، في جميع جوانب حياته،  ولا يقوم بأداء عمل إلا ضمن خطة وتفكير.

 

المحورا لثالث: أثر التدين في رفع القدرات وتنمية الإبداع:

إنإنسان القرآن هو الإنسان المفكر المبدع، الذي يقود الأمة بفكره وعقله وحكمته للرقي والتقدم، ويصنع الحضارة ذات البعد الإيماني، والأخلاقي، والتفكير الإبداعي فيه يتيح الفرصة أمام المتعلم للإبداع والابتكار في مجالات تخدم المجتمع، وتخدم أهداف الأمة في المجالات المختلفة، "والتفكير الإبداعي: هو تفكير مفتوح ينتج إجابات متنوعة وفي مجالات مختلفة. والمجتمع المسلم هو في حاجة إلى الإنسان المفكر المبدع الذي يميل إلى الابتكار والإبداع؛ لأن المجتمع بهذه العناصر يرقى ويتقدم .. ومن هذا المنطلق فإنه لا بد أن يكتسب المتعلم المهارات التي تمكنه من الإسهام في اكتشاف الطاقات والموارد الطبيعية.. والعمل على توظيفها لخدمة الإسلام والمسلمين "([15]) كما قال <: " ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، ويرده عن ردى، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكل عقله "([16]).

فالقرآن يربي الإنسان على إعمال عقله، وتربية ذهنه على التأمل والاستنتاج والقياس والاستقراء، كما أنه يربي الفكر على عدم قبول شيء بغير حجة ولا برهان قال تعالى: ﭿ ﭬ  ﭭ    ﭮ  ﭯ  ﭰ    ﭱ  ﭲ     ﭳ  ﭴ   ﭵ   ﭶ  ﭷ           ﭸ     ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ        ﭽ  ﭾ  ﭿﮀ  ﮁ   ﮂ   ﮃ  ﮄﮅ  ﮆ  ﮇ  ﮈ    ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﭾ [الحج:8-9] وقال تعالى: ﭿ ﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸ  ﯹ   ﯺ  ﯻ  ﭾ [البقرة:111]. فعند دراسة القرآن الكريم مثلاً، يستطيع المتعلم أن يستفيد من الكلمات القرآنية، ويمكنه استخدام هذه الكلمات في تعبيرات خارج النص القرآني، فالشخصية ذات القدرات العقلية والإبداعية والتي أشار إليها القرآن ترتقي في الاستنتاج والاستنباط والعلم والإبداع فيه على قدر عقلها وبعدها الإيماني فكراً وعقيدة وسلوكاً وأخلاقاً.

ولعلَّ هذا البعد الإيماني والعقلي والعلمي يتطابق مع قوله تعالى : ﭿ  ﰈ  ﰉ  ﰊ  ﰋ   ﰌ  ﰍ  ﰎ  ﰏ    ﰐﰑ  ﰒ  ﰓ     ﰔ  ﰕ  ﰖ   ﭾ [المجادلة:11]، درجات من إعمال الفكر والعقل والنظر، ومن ثم الوصول إلى الإيمان الحق الذي لا تشوبه شائبة، هذه الرفعة أو التفضيل القرآني، كان بفضل العلم وعمق الفهم، وقوة الإدراك لثنايا الحق، ولذلك أحسوا بمعاني الإيمان تملأ صدورهم، فأصبحوا يتذَّوقون طعم العبادة، ومعاني الطاعة، " وهكذا نجد في حسن تلاوة القرآن تربية للعقل على حسن التفكير والخوف من الله والخشوع له وتعظيمه وتقديسه وتأمل آثار عظمة الله، وتربية المشاعر والعواطف وتربية العقل بالاستدلال على ما استدل عليه القرآن وبتأمل ما يدل على عظمة الله "([17]) فالعقل البشري يكتسب الإدراك والفكر عن طريق النظر والتأمل في الألفاظ والتراكيب القرآنية.

والتفاعل الفكري والإبداعي ينعكس أثره على النفس الإنسانية من خلال التعبير أو الإيحاء أو الإثارة أو الخيال أو القصة بألفاظ بديعة جميلة رائعة، فتراها بعين الخيال مشاهد وصوراً حية ذات أبعاد مختلفة وأحجاماً متفاوتة فيتولد - عن ذلك- إحساس ذاتي في نفس القارئ وذهنه، فتترجم المشاهد والصور إلى معانٍ وأفكار، فيشعر القارئ بالتجاوب مع القرآن، هذا التجاوب هو الذي ينمي الفكر ويشعل الذكاء ويوقد القريحة، وينمي الذوق الأدبي الرفيع لديه، قال تعالى: ﭿ ﯧ   ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ  ﭾ[الأعراف:176]، والتفكير هنا لا يتم إلا من خلال المتابعة والرصد والتحليل للقصة والموضوعات القرآنية، وبالتالي يحصل التأثير المطلوب، ومن ثم العظة والاعتبار، فإيقاظ ملكات السمع والبصر والفؤاد وتجاوبها ركن ركين في الإسلام، بل هو المطلوب الآن، قال تعالى: ﭿ ﮑ  ﮒ  ﮓ   ﮔ   ﮕ  ﮖ  ﮗ  ﮘ  ﭾ [محمد:24]، لندرك البعد الإيماني والحضاري لأنفسنا وأمتنا وواقعنا، ونتذوق الجمال ومعاني الإبداع الرباني لحقائق الكون والأنفس والآفاق من خلال الآيات، فنمتلك القدرة على التفاعل الفكري معها، ونحس بقيم الأشياء وخصائصها وفهم معانيها.

" والإسلام يحث أتباعه ويدفعهم على الابتكار والاختراع والإبداع واستخدام العلم وسيلة للنهوض والارتقاء، ويدعو إلى أن يتبنى المجتمع الكشف عن الموهوبين والمتوفين، ويتعهدهم بما يعود على الأمة الإسلامية وعلى البشرية جمعاء بالخير والفائدة وتعميق اعتقاد المتعلم بهذه المفاهيم"([18])، قال تعالى: ﭿ ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ   ﭹ   ﭺ  ﭻ  ﭾ [ص:29]. فهنالك شخصيات إسلامية مشهورة أبدعت عبر تاريخ الإسلام، فهمت القرآن وتفاعلت معه، فأدركت البعد الإيماني والحضاري للأمة من خلاله، فاهتدت إلى طريق الخير والرشد، والسداد والنجاح، كالخلفاء الراشدين وغيرهما من الصحابة والتابعين الذين عاشوا في أزهى عصور الإسلام، عزاً وإشراقاً،  وفتحاً ونصراً، وتبصراً وإدراكاً لثنايا الحق ومعالم طريق الإبداع.

والقرآن يربي العقل والعاطفة معاً، لأنه يفرض الإقناع العقلي من خلال إثارة العواطف والانفعالات، والشعور النفسي والوجداني العميق بمعنى أنه يطرق العقل مع العاطفة، فإنسان القرآن إنسان وهبه الله نعمة العلم، ليبرز -من خلالها- قدرة الله في الخلق والإبداع في الأنفس والآفاق، ويؤكد له من خلالها أنه يسمو ويرتفع بفضيلة هذا العلم، قال تعالى: ﭿ  ﰈ  ﰉ  ﰊ  ﰋ   ﰌ  ﰍ  ﰎ  ﰏ    ﰐﰑ  ﰒ  ﰓ     ﰔ  ﰕ  ﰖ   ﭾ [المجادلة:11] وقال: ﭿ ﯳ  ﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸ   ﯹ   ﯺﯻ  ﯼ    ﯽ       ﯾ  ﯿ  ﰀ  ﭾ [الزمر:9] وقال Y: ﭿ ﯞ  ﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣﯤ   ﯥ  ﯦ  ﯧ   ﯨ   ﯩ  ﭾ [فاطر:28] بل إن الله يخص قارئ القرآن أن يسأله زيادة العلم والتوسع فيه، وقال تعالى: ﭿ ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭾ [طه:114] .

فكل هذه الآيات تقف على المعاني والقيم التي ينادي بها القرآن، فكأنه يطلق مؤثرات للقارئ عن طريق الحواس التي وهبها الله إياه، يدعوه من خلالها إلى التفكر والتأمل بقدر ما يقرأ، وأن يحاول استعادة أفكاره مرات ومرات، حتى يقف على الآيات التي تحثه على ولوج أبواب التقدم والمعرفة، واكتشاف أدواتها ووسائلها، وإلا فما المغزى من تكرار كلمة العلم والعقل والفكر والنظر واللّب مئات المرات في  القرآن الكريم.

" ترتفع قدرات ومهارات الاستخلاف في الأرض استكشافاً واستعماراً وتنمية وازدهاراً، مع الرحمة والشفقة والإحسان والتكريم والعدل وعدم الإكراه والشنآن. وميزة التصور الإسلامى أنه يمتلك القدرة على إعطاء التمارين العقلية، والتدريبات النفسية، والمعالجات السلوكية، عمقاً ومعنى وقيمة وجمالاً، وتتولد منه سعادة دافقة، ورضاً لاينفد، وحبوراً لا ينقطع، وهذا العمق والمعنى والقيمة والجمال، وما يتولد منهم يحمله الفرد معه أين ما كان... وأين ما حل... وفى أي زمان...كما يحمل معه هاتفه النقال متواصلاً مع  التصور الإسلامى في كل حركة وسكنة وشعور...مستمداً منه السند والعون والمدد...ولكن ما هي التمارين العقلية والتدريبات النفسية والمعالجات السلوكية التي يوفرها هذا الدين لأتباعه؟؟ وماهي طبيعتها؟؟ وما مدى ملائمتها للفطرة الإنسانية؟؟...هل يمكن للعلوم الإنسانية من اجتماع وآداب وعلم نفس بآخر ما توصلت إليه من حقائق حول الطبيعة البشرية أن ترفد وتغذى وتنعش وتحيى هذه التمارين والتدريبات والمعالجات؟؟...علماً بأن تصيد الحكمة أين ماكانت جنسيتها أو ديانتها أو وطنها...تعتبر مركزية من مركزيات التصور الإسلامي... الحكم ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها "([19]).

وقد وردت كلمة الإبداع ومشتقاتها في القرآن الكريم في أربعة مواضع، في قوله تعالى: ﭿ ﯖ  ﯗ  ﯘﯙ   ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﭾ [البقرة:117] وفي قوله تعالى: ﭿ ﯸ  ﯹ  ﯺﯻ  ﯼ  ﯽ  ﯾ  ﯿ       ﰍ   ﭾ [الأنعام:101] وفي قوله: ﭿ ﮈ  ﮉ  ﮊ            ﮋ   ﮌ  ﮍ    ﮡ  ﭾ [الأحقاف:9] وفي قوله تعالى: ﭿ    ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ    ﮔ  ﮪ  ﭾ [الحديد:27].

وتؤكد الحقائق العلمية- التي جاءت بها نظريات البرمجة اللغوية العصبية: " أن الإنسان كلما استنشق كمية من الأوكسجين استعاد الجهاز الليمفاوي حيويته ونشاطه"([20]) ، فكذلك الحقائق القرآنية تؤكد أن الإنسان كلما قرأ وفكر وتدبر، استعاد نشاطه الذهني وطوَّر قدراته العقلية، واكتسب مهارات التفكير السليم، من خلال الآيات التي تحثّ على ذلك، بالإضافة إلى تنمية روح الإبداع والإتقان، فالله هو المبدع والمتقن والصانع لكل شيء، قال تعالى: ﭿ ﰀ  ﰁ  ﰂ  ﰃ    ﰄ  ﰅ          ﰆ    ﰇﰈ   ﰉ  ﰊ  ﰋ     ﰌ  ﰍ          ﰎﰏ  ﰐ  ﰑ  ﰒ  ﰓ  ﰔ   ﭾ [النمل:88]. والإبداع كما أشار إليه بعض الباحثين هو: عبارة عن عملية تطوير الاستعدادات والقدرات والميول والاتجاهات الشخصية للأفراد، فالقرآن له القدرة على صناعة الإبداع ورعاية المبدعين من خلال تطوير القدرات.

ولهذا جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، بم يتفاضل الناس في الدنيا ؟ فقال يا عائشة بالعقل. قالت وبم يتفاضلون في الآخرة ؟ فقال < أو يعملون إلا بقدر ما في عقولهم" ([21]).

فالسنة تحث على إعمال العقل، بل تؤكد ما أكده القرآن.

المحور الرابع: توجيه القرآن في الإفادة من الشعائر التعبدية في تنمية التفكير:

من الشعائر التعبدية التي يمارسها المسلم بشكل دوري خلال اليوم وبانتظام شعيرة الصلاة التي تنشط عمل الدماغ وتنمية التفكير، وهذه حقيقة نؤمن بها، ولكن بعض المشككين يدعون بأن الصلاة هي مجرد خضوع وذل وأسر للحرية، ولذلك سوف نتأمل ما جاء في دراسة أجراها أحد الباحثين الغربيين عن أثر الصلاة على الدماغ والصحة. وتجدر الإشارة إلى أن الدراسة لم تجرِ على أناس مسلمين، ولو تحقق ذلك لكانت النتائج مبهرة.

" فقد توصل علماء يبحثون في أثر حالة التأمل على عقول الرهبان البوذيين إلى أن أجزاء من المخ كانت قبل التأمل نشطة تسكن، بينما تنشط أجزاء أخرى كانت ساكنة قبل بدء التأمل. وفي مقالة نشرها موقع بي بي سي قال أندريو نيوبرغ طبيب الأشعة في جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة: إنني أعتقد أننا بصدد وقت رائع في تاريخنا، حين نصير قادرين على استكشاف الدين والأمور الروحية من طريق لم يظن أحد من قبل أنه ممكن. وقد درس نيوبيرغ وفريقه مجموعة من الرهبان البوذيين في التبت وهم يمارسون التأمل لمدة ساعة تقريباً، وذلك باستخدام تقنيات تصوير المخ. وطلب من الرهبان أن يسحبوا بيدهم خيطاً حين يصلون إلى حالة التأمل القصوى، وعن طريق تلك العملية تحقن في دمهم كمية ضئيلة من مادة مشعة يمكن تعقبها في المخ، مما مكّن العلماء من رؤية الصبغة وهي تتحرك إلى مناطق نشطة من المخ، وبعد أن انتهى الرهبان من التأمل، أعيد تصوير المخ، وأمكن مقارنة حالة التأمل بالحالة العادية. وأظهرت الصور إشارات هامة بخصوص ما يحدث في المخ أثناء التأمل"([22])

ويؤكد الدكتور أندريو نيوبرغ والمتخصص في علم الأعصاب على موقعه في شبكة الإنترنت أن الاعتقاد بوجود إله للكون ضروري جداً، من أجل صحة أفضل نفسياً وجسدياً. وفي كتابه "كيف يغير الله دماغك" الذي ألفه مع مجموعة من الباحثين وحقق مبيعات كبيرة في أمريكا، يقول نيوبيرغ: " كلما كان اعتقادك بوجود الخالق أقوى كان دماغك أفضل كما تتشابه التفاعلات المعقدة بين مناطق مختلفة في المخ أثناء التأمل مع التفاعلات التي تحدث أثناء ما يسمى بالتجارب الروحية أو الغامضة"([23]).    

وكانت دراسات سابقة أشرف عليها د. نيوبيرغ قد أجريت على نشاط المخ لدى راهبات فرنسيسكان أثناء نوع من الصلاة تعرف بصلاة "التركيز"، " ويتسبب الجزء اللفظي من الصلاة في تنشيط أجزاء من المخ، لكن د. نيوبيرغ وجد أنها نشّطت منطقة الانتباه في المخ، وقلّصت نشاط المنطقة المسؤولة عن الوعي بالمكان، ويؤكد هذا الباحث إلى أن الإيمان ضروري جداً من أجل استمرار وجود البشر، لأنه يجعلهم أكثر تكيفاً مع واقعهم ويجيبهم عن التساؤلات التي يثيرها الدماغ لديهم. وقد وجد أن الصلاة (على الطريقة البوذية) تخفض ضغط الدم وتزيل الكآبة والقلق كما تخفض معدل نبضات القلب. ولذلك فإن الدين أفضل من الإلحاد لسلامة الإنسان وصحته، هكذا يؤكد عدد من الباحثين الغربيين"([24]).

وقد صدر مؤخراً في الولايات المتحدة الأمريكية كتاب جديد لمتخصصين في علم الأعصاب، الكتاب هو خلاصة تجارب ودراسات للباحث نيوبرغ الأستاذ المساعد في جامعة بنسلفانيا، وقد وجد هذا الباحث أن الإيمان بالله مهم جداً وعظيم جداً للإحساس بالأمن ولتحسين حالة الدماغ وعمله، وأن الإيمان يُحدث تغيرات دائمة في طريقة عمل الدماغ.

أجريت هذه الدراسات على الصلاة لأقوام ليس لهم علاقة بالإسلام، وقد لا تكون هذه الصلوات التي يؤدونها تتميز بما تميزت بها الصلاة عندنا – معشر المسلمين – والتي تتميز بالخشوع والاطمئنان والسكينة الناتجة عن قراءة القرآن، وتتميز بالحركات التي يقول العلماء إنها مناسبة لتنشيط العضلات والعظام، ولكن للأسف ليس هناك دراسات مماثلة عن تأثير الصلاة على الحالة الصحية للمسلم. 

والصلاة في الإسلام ليست مجرد طقوس مثل البوذية، بل لها معاني ودلالات، وأهداف وإحساس بالقرب من الله، لأن العبد يكون قريباً جداً من ربه أثناء الصلاة، وبخاصة السجود. والذي أود أن أشير إليه أن منطقة الناصية مسؤولة عن التفكير الإبداعي وعن اتخاذ القرار، ولذلك فإن الصلاة بخشوع تساعد الإنسان على اتخاذ القرارات بشكل سليم وهذا يعني أن الصلاة تساعدك على النجاح في عملك، إن التغيرات التي تحدثها الصلاة والمحافظة عليها، كبيرة جداً في دماغ الإنسان، وقد عشتُ هذه التجربة وأحسست بهذا التغير، وبالطبع لو سألت أي إنسان عن فوائد الصلاة وما يشعر به لأخبرك الكثير عن راحته النفسية وشفاء أمراضه واستقرار نفسيته وشعوره بالأمان والطمأنينة"([25]).

والباحثون يعرفون تماماً أهمية الإيمان بالله، ولكن ما هو شكل الإيمان المطلوب، إنهم لا يعلمونه، ولن يجدوه إلا في كتاب الله تعالى، لأن الدين الوحيد الحقيقي هو الإسلام، وكل ما عدا ذلك دخله التحريف والتبديل وكلام البشر وامتزج بالخرافات. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين المسلمين قاموا بدراسات حول تأثير الصلاة على الصحة العقلية والجسدية، ووجدوا أن الصلاة تعتبر من أفضل التمارين الرياضية، وبخاصة إذا تم أداؤها في المساجد.

ويقول دكتور سامي السر: " التساؤل كيف نستطيع تحويل الصلوات الجماعية والنوافل الفردية والأذكار العامة والمخصوصة وتلاوة القرآن إلى تمارين عقلية... وتدريبات نفسية... ومعالجات سلوكية... وفق ضوابط الكتاب والسنة وما أنزل على محمد r، تفجر الطاقات وتبنى القدرات وتنمى الملكات لتصنع الإنسان المسلم الخارق وفق ضوابط الناموس الكوني، والذي يمتلك معارف التسخير الحق لملكوت السماوات الأرض" ([26])... ونعقب ذلك تساؤل كيف نستفيد من المعارف والعلوم والحقائق التي وصل لها العلم حول الطبيعة البشرية خصوصاً بعد تطور علم الأشعة والإحصاء في استكشاف الذات الإنسانية بما يوازى استكشاف الفضاء الكوني ويفوقه...علماً بأن اصطياد الحكمة والتفتيش والإعلان عنها كضآلة منشودة مرتكز ديناميكي متحرك من خصائص التصور الاسلامى...فصاحب الضالة ينشد ضالته بحركة دائمة... وسعى دؤوب... وجهد متصل... لا يفتر ولا ينقطع حتى يصل إليها...وهنالك مثل بالعامية السودانية يوصف صاحب الضالة في حركته وسعيه وجهده يقول:" صاحب الرايحة يفتح خشم البقرة"([27])، نعم الحكمة هي الرايحة في التصور الإسلامي فلننطلق نبحث عنها في فجاج الأرض، نعيد لهذا الدين مجده وسؤدده وعزه ...وفق الحقائق والمنهجية العلمية والتفكير السنني تحت الضوابط الشرعية بعيداً عن إثارة الحماس، والذي سرعان ما يفتر، وتغنى بأمجاد الماضي والخطب العصماء المنطلقة من الحناجر السميكة... مستفدين من كل العلوم تبادلاً وتثاقفاً مع كل حضارات الإنسان في عصرنا بعيداً عن التبعية والاستلاب محاولين الاجتهاد وضبط جدلية العلاقة بين النص والعصر.

 

المحور الخامس: نماذج واقعية

ونستشهد هنا بمثلين متباينين أحدهما من العصر الزاهر عصر الإسلام الأول، ويتمثل ذلك في مشهد الصحابي الجليل عبَّاد بن بشر الذي كان يحرس مع عمار بن ياسر في غزوة ذات الرقاع، فطلب من عمار- وقد كان متعباً- أن ينام أول الليل، ويقف هو، فلما رأى أن المكان آمن صلى، فجاء أحد المشركين فرماه بسهم فنزعه، وأكمل صلاته، ثم رماه بسهم ثان فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بثالث فنزعه وأنهى التلاوة وأيقظ عماراً، وهو ساجد، فلما سأله عمار لِمَ لَمْ يوقظه أول ما رُمي؟! فأجاب: "كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع على الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أضيِّع ثغراً أمرني به رسول الله -صلى الله وسلم- بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها!!"([28]). الله أكبر كيف تأثروا بالقرآن! فكان كالروح يجري في أبدانهم لا يفارقها ولو فارقها لما طابت لهم الحياة.

  والنموذج الثاني من النماذج المعاصرة من المؤمنين الذين تمثلوا هذا القرآن في حياتهم وعملوا به ، يتمثل هذا النموذج في قصة نجاح أم الهدى الربيعي في حفظ كتاب الله في 45 يوماً والتي تحكي قصتها فتقول:... وقد كان الهدف من هذا التلخيص هو شحذ همتي وهمم إخوتي للبدء فعلياً على خطى من وفقهم المولى لحفظ كتابه ونسأل الله العلي القدير أن يكتب لنا التوفيق لحفظ كتابه وتجويده والعمل به وأن يكون حجة لنا لاعلينا يوم نلقاه .. وأنوه أن هذا التلخيص جهد بشري غير منزه عن الخطأ أو النقصان، فإن أحسنت فمن الله وإن اسأت فمن نفسي والشيطان. في البداية كان مما اشعل حماسها لحفظ كتاب الله عدة عوامل كان من أهمها رغبتها الأكيدة في حفظ كتاب الله، ومنها سماعها للقصص التي تستنهض الهمم في شريط الدكتور يحيى الغوثاني وخصوصاً قصة الشاب الذي حفظ القرآن في 55 يوماً، ومنها قراءاتها في علوم التنمية البشرية، والبرمجة اللغوية العصبية، ومعرفتها لحجم الطاقات العظيمه التي وهبها الله U للإنسان، وانطلاقاً من ذلك آمنت بأنه مادام ذلك الشاب استطاع حفظ كتاب الله في 55 يوماً فإنها تستطيع عمل ذلك أيضاً، وقد تم تحقيق هدفها من خلال تخطيط محكم كان من أميز  التهيئة النفسية، التخلص من كل ما يشغل التفكير أو يكدره، وهذا يحتاج إلى قوة الإرادة، التركيز : يجب أن تنسي كل ما حولك وتركز على حفظك تركيزاً كاملاً وهذه النقطة من أهم النقاط وتختصر كثيرا من الوقت، الشعور بالثقة، الشعور بالراحة والسهولة، أولا وأخيرا الإستغفار والدعاء قبل البدء فإن ذلك مما يصفي الروح.

وإعتمدت على حقيقة كون العقل الباطن لا يفرق بين الواقع والخيال في برمجة عقلها الباطن نحو تحقيق هدفها بأن بدأت في تخيّل نفسها وهي تطبق الخطة بنجاح وعاشت بخيالها تفاصيل تنفيذ الخطة بنجاح .. " ثم تخيلت نفسها وقد حفظت القرآن الكريم كاملاً وعاشت ذلك الموقف بكل تفاصيله الوقت والمكان والمشاعر والأصوات وعندما وصلت إلى قمة تلك المشاعر الرائعه عملت لها رابط أو مرساة([29])، من الممكن عمل المرساة بالضغط باصبع السبابه مع الإبهام على شكل حلقة لمدة 10ثواني ثم تتركهما وتستطيع استجلاب هذه المشاعر لاحقاً عن طريق الضغط باصبع الإبهام مع السبابه بنفس الكيفيه السابقة . ثم بدأت تتصرف في كل يوم كأنها نجحت في حفظ كتاب الله كاملاً لتعمق هذه المشاعر وتزيد ثقتها بنفسها وتسمو بعزمها وهمتها .. كما اعتمدت على الرسائل الإيجابية لجذب الهدف الذي تود تحقيقه وذلك عن طريق ترديد عبارة أنا الآن حافظة للقرآن الكريم كاملاً، ووضعها على شكل ملصقات في أي مكان قريب من نظرها لتحقيق نفس الهدف .. وترديد هذه العبارة ورؤيتها مهم نفسياً لأن علماء النفس يقولون إن الإنسان حتى يتبرمج على مسألة معينة أو سلوك مختار ينبغي عليه ترديده أو تكراره من 6 الى 21 مرة . ثم بدأت في تنفيذ المخطط الذي رسمته حتى حققت بفضل الله هدفها . هذا و نسأل الله العلي القدير لأختنا الحافظة التوفيق والسداد وأن يجعل القرءان الكريم حجة لها لاعليها يوم تلقاه"([30]).

وأخيراً  فقد عجز العلماء عن معرفة القوة الخارقة التي يمتلكها الإنسان بعد اندماج الروح بالجسد ولايمر يوم من أيام الدنيا إلا والدراسات والاكتشافات العجيبة تخرج عن تلك القوى التي يمتلكها هذا العقل. ولما عكفوا على دراسة العقل لم يجدوا السر داخل المخ المرئي، فخلصوا إلى وجود عقل أكثر عمقاً غير مرئي ولا ملموس ولا مسموع تنطلق منه أوامر الروح، وأسموه بالعقل الباطن أو بالعقل اللاواعي لدى هذا العقل الباطن قدرات لم يدرك منها العلماء حتى الآن إلا القليل، ولعل الآية القرآنية تشير إلى هذا المعنى في الحديث عن الروح: ( يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) إننا لا نعرف العقل الباطن، لكننا كل يوم نكتشف قدراته الهائلة وطرق التعامل معه بتقنية أفضل .

" هذا المخلوق الرباني العجيب، وكل هذه الفنون تحوم حول فكرة التعامل مع العقل الباطن، أو العقل الخفي، أو الروح، وطرق البرمجة للحصول على المطلوب من الصحة النفسية والجسمانية، إن التنويم والبرمجة اللغوية العصبية أحد هذه الطرق، ومن أجمل الطرق السلسة في برمجة العقل وحسم صراعات النفس وعقدها وأمراضها، صفات العقل الواعي واللا واعي :العقل الواعي: يعي ما يحدث الآن، تركيزه محدود، يقوم ببرمجة العقل الباطن، منطقي ومحلل، مفكر، ممكن يعطي تعليمات ناجحة أو غير ناجحة للعقل الباطن، ممكن أن يتغير للأحسن إذا اقتنع وبالتالي يغير العقل الباطن للأحسن، يفكر بطريقة متابعة خطوة ..خطوة لعقل الباطن: يخزن الذكريات، غير ذكرياتك تتغيرحياتك، محرك العواطف والمشاعر، ينظم جميع ذكرياتك،  يحرك الجسم، يحافظ على الجسم" ([31]). وغيرها كثير من الصفات التي يتصف بها العقل الباطن.

إن العقل الباطن الفائق لا يعمل حينما نكون في حالت التحسر (التفكير السلبي) على عدم وصولنا الى حل، ولهذا فمن المهم ألا نتكلم ولا نفكر ولا نكتب عن الأشياء التي لا نريد حدوثها، فالعقل الباطن سوف يحقق ما يدور في عقولنا باستمرار. واجبك إذاً ينحصر في عقلك الواعي وكل شيء آخر سوف يتحقق بطبيعته.

 

الخاتمة:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد المبعوث بالهدى والبيّنات، وعلى آله وصحبه والتابعين، وقد توصلت من خلال هذا البحث إلى النتائج والتوصيات الآتية:

النتائج:

  • يعتبر القرآن المصدر الفكريّ والتربويّ الذي يحترم عقل الإنسان ويمنحه الحرية الفكرية.
  • حضور القلب عند تلاوة القرآن ومدارسته يستمد منه القارئ التبصر المعرفي والصفاء الروحي.
  • يمتلك الخطاب المعرفي القرآني التأثير على السلوك الإنساني من نواحٍ متعددة؛ لأنه يهدف إلى إعلاء قيم العدل والحرية والحوار والفكر واتخاذ الوسائل والأساليب التي توضّح الرؤيا، وتكتشف المعاني والقدرات الكامنة في النفس البشرية.
  • لا يتضمن القرآن حكماً من الأحكام يشلّ حركة العقل في تفكيره، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم، بل يجعل التفكير السليم والنظر إلى آيات ما في خلقه وسيلة من وسائل الإيمان بالله.
  • يستمد الإنسان المسلم القوة الفكرية والإيمانية من نور القرآن، ومن تدبره وهديه ومن الآيات التي تعكس في ذهنه المشاهد الحيّة والأبعاد الجمالية والحقائق العلمية وغيرها من المؤثرات الإبداعية التي توسّع الخيال وتوقظ الوجدان.

    من الوسائل المعرفية لتنمية مهارة التفكير:

  1. القراءة التأملية الواعية بهدوء وعمق بالوقوف عند الآيات التي تدعو إلى النظر والتفكر والتدبر في الكون والأنفس والآفاق.
  2. استعراض القيم التربوية التي يحترم فيها القرآن عقل الإنسان ومناقشتها.
  3. تربية العقل على الاستدلال على ما استدل عليه القرآن.
  4.  طرح أسئلة فكرية وعلمية كثيرة بعد الفراغ من التلاوة  ومحاولة الإجابة عنها والاستدلال عليها؛ لتمرين العقل، وتفعيل النشاط الذهني.

ومن الوسائل المعرفية لتنمية مهارة الاستنباط:

  1. تعويد العقل على التفكير المنطقي من خلال الاستنتاج والاستقراء.
  2. العصف الذهني ومحاولة استنباط الأفكار من المشاهد القرآنية واسترجاع الذاكرة.
  3. الوقوف على الآيات وتأملها وإعطاؤها البعد الخيالي.
  4. الاستدلال على ما استدل عليه القرآن، لتربية المشاعر والعواطف على الاستنباط.

ومن الوسائل المعرفية لتنمية مهارة الإبداع والابتكار:

  1. الوقوف على المشاهد القرآنية التي توسع الخيال، وتعمق الفكر وتوسع المدارك.
  2. إدراك الأبعاد الجمالية للآيات من حيث البيان والتناسق والانسجام (تذوقاً وإبداعاً).
  3. الوقوف على محاسن الإبداع الرباني في خلق السماء والأرض والنجوم والكواكب وسائر المخلوقات من خلال الآيات التي تحث على ذلك.

 

فهرس المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم
  2. المستدرك على الصحيحين ، لأبي عبد الله محمد الحاكم النيسابوري ط حيدر آباد 1335هـ.
  3. أثر القرآن الكريم في اللغة العربية ، أحمد حسن الباقوري .
  4. الفلسفة القرآنية ، عباس محمود العقاد ، القاهرة ، ط 1970م.
  5. أصول التربية الإسلامية ، د. سعيد إسماعيل على ، دار الفكر العربي ط 1985م.
  6. اتجاهات الفكر التربوي الإسلامي ، د. سعيد إسماعيل علي ، دار الفكر 1412هـ 1991م.
  7. الوابل الصيّب من الكلم الطيب ، شمس الدين محمد المعروف بابن قيم الجوزيه، طبعة دار الكتب بيروت.
  8. أصول التربية الإسلامية ، أ. عبد الرحمن النحلاوي ، دار الفكر ، دمشق ، طبعة 1981م.
  9. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ، أبوبكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي ، تحقيق محمد عجاج الخطيب ، بيروت مؤسسة الرسالة طبعة 1417هـ.
  10. المعجم الوسيط ، إبراهيم أنيس ، دار الحديث ، بيروت.
  11. الإتقان في علوم القرآن ، للحافظ أبي بكر السيوطي.
  12. التغيير على منهاج النبوة ، أ. جمعة أمين عبد العزيز ، دار الدعوة للطبع والنشر ، الإسكندرية.
  13. بناء المجتمع الإسلامي ، د. عبد الرحمن مبارك الفرج ، دار الفرقان للنشر ، الرياض ، ط2، 1422هـ.
  14. تنمية الكفايات النوعية الخاصة بتعليم القرآن الكريم لدى طلاب كلية التربية ، مكتبة زهراء الشرق ، القاهرة.
  15. تفسير القرآن الكريم للإمام ابن كثير ط1 ، 1420هـ - 2000م ، دار إحياء التراث العربي.
  16. تعلم المتعلم طريق التعلم ، برهان الإسلام الزرنوجي ، الكتاب الإسلامي ، بيروت ، طبعة 1981م.
  17. سنن أبي داود ، الحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني ، ط1 ، دار الحديث ، بيروت ، 1388هـ.
  18. سنن الترمذي الإمام محمد بن عيسى الترمذي ، ط2 ، بيروت ، دار إحياء التراث.
  19. سنن ابن ماجة الحافظ أبو عبد الله محمد بريد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي،ط، بيروت ، دار الفكر.
  20. صحصح مسلم بن الحجاج القشيري ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، ط1 ، بيروت دار الفكر 1403هـ.
  21. طرق تدريس التربية الإسلامية ، عبد الرحمن عبد الله المالكي ، كتاب الأمة العدد 106.
  22. في أصول الحوار، دار النشر، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض.
  23. كيف ندرس القرآن الكريم لأبنائنا ، سراج محمد عبد العزيز.
  24. مسند الإمام أحمد بن حنبل ، مكة المكرمة ، دار ابن باز.
  25.  موقع البرمجة اللغوية العصبية www.nlpnote.com
  26. - www.nilenlp.com


[1] - موقع البرمجة اللغوية العصبية www.nlpnote.com

[3] - خصائص التصور الإسلامي ومقوماته - سيد قطب - ص42

[4] - المصدر نفسه 72

[5] - سنن ابن ماجة - ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني- مكتبة أبي المعاطي- (4 / 228)

 

[6] -  أثر القرآن في تنمية القدرات- دكتور مهندس سامي السر أحمد

[7] - موقع البرمجة العصبية اللغوية - http://www.nlpnote.com/index.php

[8]- مفتاح دار السعادة - محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية- دار الكتب العلمية - بيروت، 1/182.

[9] - كتاب الأمة العدد 106 مهارات التربية الإسلامية، د. عبد الرحمن بن عبد الله المالكي- ص 239.

[10] -  مسيرة الفكر التربوي عبر التاريخ- محمود السيد -دار الشروق- جدة، ص 114.

[11]- أصول التربية الإسلامية -د. عبد الرحمن المالكي مصدر سابق- ص 101.

[12]- الفلسفة القرآنية - عباس محمود العقاد - ، ص 11.

[13]- الإسلام وقضايا علم النفس الحديث ، د. نبيل السمالوطي ، ص 116، ط1

[14]- انظر د. عبد الرحمن المالكي مصدر سابق ، ص 102.

[15]- د. عبد الرحمن المالكي مصدر سابق ص 117.

[16]- أخرجه ابن المجير في العقل وعنه الحارث بن أبي أسامة، كتاب تخريج أحاديث الإحياء، كتاب العلم، باب العقل، ص1-2.

[17]-  أصول التربية الإسلامية وأساليبها عبد الرحمن النحلاوي ، ص 93 – 95.

[18]-  د. عبد الرحمن المالكي ، مصدر سابق ، ص 118 ، بتصرف.

[19] - أثر القرآن في تنمية القدرات- دكتور مهندس سامي السر أحمد

[20] - موقع البرمجة العصبيةا للغوية -

[21]-  أخرجه ابن المجبر والترمذي الحكيم في النوادر ،كتاب تخريج أحاديث الإحياء، كتاب العلم باب العقل، ص 2.

[22] - موقع بي بي سي  http://www.bbc.co.uk/

[23] - www.andrewnewberg.com

[24] - www.andrewnewberg.com/change.asp

[26] - أثر القرآن في تنمية القدرات- دكتور مهندس سامي السر أحمد

[27] - مثل سوداني شعبي شائع

[28]- السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية -مهدي رزق الله- مطابع السودان للعملة– السودان– ط4– ص 258

[29] - المرساة مؤثر حواسى ( لمس ، إبصار ، سماع ، شم ، ذوق ) له علاقة بحالة شعورية داخلية من الوعي بحيث أنه كلما حدث المؤثر مرة أخرى أو أعيد فإن الحالة توجد من جديد في المستفيد

[30] - موقع البرمجة اللغوية العصبية

[31]-  http://forum.stop55.com/254489.html

 

المقالة السابقة
توجيه فهم النص القرآني عند المفسرين
المقالة التالية
دلالة النص القرآني ومظاهر الاختلاف فيه قراءة في المفاهيم والمصطلحات
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.