• Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • YouTube
  • RSS
  • فعالياتنا
  • مشاريعنا
  • إصداراتنا
  • من نحن

مقالات وبحوث مجلة كنوز الفرقان - تفسير سورة البقرة (4)

عبد المغني المنشاوي

عدد الزيارات: 1,144
QR Code
0 0

تفسير من قوله تعالى ( سيقول السفهاء من الناس) إلى قوله تعالى (واذكروا الله في أيام معدودات).

لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فانزل الله تعالى " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها. فول وجهك شطر المسجد الحرام. وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره" فلما تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إلى الكعبة. قال السفهاء من اليهود ومن المشركين، ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قل لله المشرق والمغرب.

وعن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البيت قبلة، لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرام، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي" وقال رسول الله " أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا للأنبياء: كان الله إذا بعث نبيا قال له: ادعنى أستجيب لك، وقال لهذه الأمة: ادعوني أستجب لكم. وكان الله إذا بعث النبي قال له: ما جعل عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: وما جعل عليكم في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: وما جعل عليكم في الدين من حرج. وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه، وجعل هذه الأمة شهداء على الناس".

        وفي البخاري عن رسول الله " يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب. فيقول: هل بلغت؟ فيقول نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول. من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فتقول تلك الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا، فيقول لهم الرب: كيف تشهدون على من لم تدركوا: فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسول، وأنزلت إلينا عبدك وكتابك، وقصصت علينا أنهم قد بلغوا؛ فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب: صدقوا".

        وكان رجال من الصحابة قد ماتوا على القبلة الأولى، فقال إخوانهم وأقاربهم: فكيف بإخواننا يا رسول الله؟ فنزل قوله تعالى ( وما كان الله ليضيع إيمانكم) بصلاتكم إلى القبلة الأولى ( إن الله بالناس لرءوف رحيم).

        وأشار بعد ذلك إلى عناد أهل الكتاب، واختلافهم على المسلمين، واختلاف بعضهم على بعض، وأنهم لا يتبعون القبلة ولو جاءهم النبي بكل آية. وذكر أن المؤمنين من أهل الكتاب يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم. قال عبد الله بن سلام: لأنا أشد معرفة برسول الله منى بابني، فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذلك يا ابن سلام؟ قال لأني أشهد أن محمدا رسول الله حتما يقينا، وأنا لا أشهد بذلك على ابني، لأني لا أدري ما أحدث الناس. فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام.

        وبعد هذه الحوادث التي أهمها تحويل القبلة من بيت المقدس في السنة الثانية للهجرة، وقعت غزوة بدر، وقتل فيها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر رجلا: ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين، وكان يقولون لمن قتل في سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا، فأنزل الله ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) أي لا تدركون هذه الحياة المغيبة عنكم، وأن الله يمتحن عباده، ويختبر صبرهم ورضاهم بقضائه وقدره، بشيء من الخوف والجوع، ونقص من الأموال  والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين الراضين بما وعدهم الله على الصبر ( الذي إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون).

        وكان جماعة من الأنصار يقولون: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر به بين الصفا والمروة فنزل قوله تعالى: ( إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر) والعمرة هي الزيارة ( فلا جناح عليه أن يطوف بهما) قال الشعبي: كان على الصفا- وهو جبل بمكة- صنم يقال له " أساف" وعلى جبل المروة صنم يدعى "نائلة" يزعم أهل الكتاب أنهما كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة، فمسخهما الله  حجرين، ووضعا في مكانهما ليعتبر الناس بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله.

ثم اشار إلى الذين يكتمون ما علمهم الله من الحق عن الناس، ويبخلون به عليهم. وفي ذلك من الدلالة على مجاراة التعاليم الإسلامية لما يراد بالإنسان من الوصول إلى غايات المدنية الممكنة – إن الله يلعنهم في الدنيا، ويطردهم من الرحمة في الآخرة، وذلك ليحرص العلماء على الإرشاد، ويسوقهم إلى تعليم الجهلاء.

ولما نزل قوله تعالى (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) بالمدينة، قالت كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ إن كان صادقا فليأتينا بآية، فنزل قوله تعالى (إن في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون).

ثم أمر الله عباده أن يأكلوا مما خلقه لهم في الأرض من الزرع. وما ذرأه لهم من الأنعام: من الغنم والبقر والإبل، حلالا طيبا. وبعض المفسرين يقول: إنها نزلت في ثقيف وبني على وبني مدلج، وكانوا يحرمون على أنفسهم أشياء من الأنعام والحرث.

        ثم نهاهم الله عن اتباع خطوات الشيطان يغويهم، ويضلهم عن الهدى ودين الحق، إنه لهم عدو مبين.

وذكر حالة شائعة في أجيال البشر تدعو إليها المعاندة الجاهلة، والتربية العقلية المنحطة، إذ يقول الله تعالى( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون)  ومنشأ ذلك بالضرورة الجهل الداعي إلى مثل هذه العصبية العمياء.

وأمرهم أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم الله ويشكروا، لأنه إنما حرم عليهم أن يأكلوا الميتة والدم المسفوح، أي غير المختلط باللحم بالضرورة، وكانوا يجمعونه ثم يشوونه، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، يريد ما ذكر عند ذبحه اسم غير الله سبحانه وتعالى من صنم أو معبود غير الله، إلا للضرورة كتعذر إيجاد المباح من الأطعمة، فيباح للإنسان حينئذ هذه المحرمات، بشرط ألا يكون باغيا على من هو في مثل حاله من الاضطرار، ولا عاديا يعنى متجاوزا حالة الاضطرار من سد الجوعة.

        وكان أحبار اليهود يصيبون من عوامهم الهدايا، وكانوا يرجعون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم، وزوال رياستهم، فغيروا صفة النبي وأخرجوها إلى الناس، قائلين إن هذه الصفة مخالفة لنعت محمد؛ ليصرفوا الناس عن اتباعه، فنزل قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

وبعد ذلك وضع الله بحكمته أصول الفضائل العملية، ومناهج النجاح الصحيح في الحياة بقوله تعالى ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) يريد أن الخير كل الخير ليس في هذه المظاهر الخاصة باستقبال قبلة معينة، وإنما البر في الإيمان الصادق لله تعالى وملائكته وكتبه وأنبيائه، والإنفاق للمال في خير وجوهه، وعلى المحاويج من الأقارب، وعلى الأيتام الذين فقدوا الكاسبين من أهليهم، وعلى المساكين وأبناء السبيل، الذين انقطعت أزوادهم ولم يبلغوا بلادهم، وعلى المتعرضين للانتفاع بنعم الله على عباده، أولئك الذين يقيمون الصلوات، ويؤتون الزكاة ويوفون بالعهود، ويصبرون على الشدائد، ويثبتون في الجهاد، وهم الموصوفون بالبر حقا، وأولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون.

        قال الإمام الشعبي: كان بين حيين من العرب قتال، وكان لأحدهما قوة على الآخر؛ فقالوا: نقتل بالعبد من عندنا حرا منهم، وبالمرأة الرجل، فنزل قوله تعالى: (يا أيها آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى) وجعل في القصاص حياة، لما في إقامته من إرهاب الأشرار، وتخويف المجرمين، فيقل اعتداؤهم على الأرواح، ويأمن الناس على أنفسهم وأهليهم، وما يقتلون لأجله في الغالب من متاع مدخر، أو مال كثير، وذلك ما تدل عليه هذه الآية المتناهية في الفصاحة والإعجاز، لاشتمالها على أقوى أساليب الإصلاح الاجتماعية في لفظ موجز، وأداء عربي مستقيم.

        وبعد ذلك ذكر القرآن الصيام، وهو حبس النفس عن الشهوات المباحة، وفيه رياضة للجسم، وصلاح للجوارح، وتعويد حسن، وجهاد للنفس، وخروج من عادة البطنة المورثة لبلادة الفطنة، والموجبة للتراخي والكسل، وأنه كان من شرائع الأمم قبلنا، وقد رخص الله في لياليه للمسلمين ما حرمه عليهم في أيامه، من الطعام والشراب  والحديث إلى النساء، والاستماع بكل مباح من اللذات، من المغرب إلى أن يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. وأعفى من هذا التكليف من لا يتحمله لمرضه، أو لعزمه على سفر بعيد شاق، أو لشيخوخته وكبره، وأنه من فضله ورحمته بالطائعين المؤدين لهذه الفريضة من عباده، يجيب دعوة الداعي منهم إذا دعاه، وهو ما أراد من قوله تعالى " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم" الخ.

        وكان يهود المدينة يقولون للمسلمين: سلوا نبيكم عن الأهلة، يريدون بذلك أن يفتنوهم عن الدين، فعلمهم الله أن يتبعوا الطريق المعقول في السؤال، إذ كانت حالتهم العلمية يومئذ لا تؤهلهم للخوض في مناقشات فلكية يقصد منها بيان حقيقة الأهلة، فأرشدهم بالجواب إلى السؤال اللائق بحالهم، وهو البحث في فائدتها، وبيان منافعها، بقوله تعالى " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس" يعرفون بها الأيام والشهور، ويؤرخون بها الوقائع، ويستقضون بها الحقوق، ويقيمون بمقتضاها فرائض الحج، وهو المراد من قوله " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها" أي ليس الخير لكم، والأرفق بشأنكم، أن تعكسوا الأمور، وتسألوا عما لا تستطيعون فهمه من الأمور، بل الواجب غير ذلك.

        وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المشركين صدوا رسول الله عن البيت عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع من العام القابل، ويخلوا له مكة ثلاثة أيام  فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله في أصحابه لعمرة القضاء؛ وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك.

وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلونهم فيه، وكره قتالهم في الشهر الحرام، وفي الحرم فأنزل الله تعالى قوله " وقاتلوا في  سبيل الله الذين يقاتلونكم – وقوله -  واقتلوهم حيث ثقفتموهم" أي حيث تلقونهم في أي مكان، وأن يقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، وأباح لهم قتال المشركين في الحرم، وفي الشهر الحرام بقوله " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص" أي كما صدوكم عن الحج وقاتلوكم في الحرام، فافعلوا بهم مثل ما فعلوا بكم، ولا تعتدوا، أي لا تتجاوزوا ذلك بقتل النساء والصبيان والشيوخ.

        ثم عطف على ذلك بذكر معظم مناسك الحج ومشاعره، إذ يقول " وأتموا الحج والعمرة لله" وبين حكم المحصور بعدو أو مرض أو خوف بأنه يتحلل من إحرامه بالحج أو العمرة يذبح ناقة أو بقرة أو شاة في الحرم من العام القابل، ولا يحلق ولا يتحلل حتى يبلغ الهدى محله، أي المكان الذي يذبح فيه من الحرم.

        ثم بين أوقات الحج بقوله " الحج أشهر معلومات" وهي شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة. روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة؛ وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها، ثم يفيض منها، وهو قوله تعالى " ثم أفيضوا من حيث أقاض الناس" وذلك استكمالا لجمال هذا المظهر من التوحيد، وصدور جميع أهل الموقف وهم من أجناس شتى عن مصدر واحد بذلك الجلال، وفي تلك الروعة والهيبة.

        روى عن ابن عباس قال: كان من أهل الجاهلية إذا قضوا حجهم قعدوا يتفاخرون بذكر آبائهم وأيامهم، ويعدون مفاخرهم، فأمرهم الله بذكره، وأن يكثروا من الثناء على الله، والاعتراف بنعمه، كما يذكرون آباءهم أو أشد ذكرا، فإن  في ذلك عمارة القلوب بالتقوى، واستشعار الحاجة إلى طلب المغفرة، والتأهل لقبول التوبة، والاستزادة من النعمة، وبين لهم أن من الناس الذين يكتفون بالجزاء في الدنيا، ومنهم أهل الحسنيين الذين يقولون " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".

وعن علي رضي الله عنه قال: حسنة الدنيا المرأة الحسناء، وفي الآخرة الحور العين. وقوله: وقنا عذاب النار: المرأة السوء " أولئك لهم نصيب مما كسبوا، والله سريع الحساب" صدق الله العظيم. 

المقالة السابقة
تحريف آيات الحدود عن مواضعها
المقالة التالية
إعجاز القرآن (2)
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.