• Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • YouTube
  • RSS
  • فعالياتنا
  • مشاريعنا
  • إصداراتنا
  • من نحن

تفسير سورة البقرة (5)

عبد المغني المنشاوي

عدد الزيارات: 741
QR Code
0 0
تفسير الآيات من قوله تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) إلى آخر سورة البقرة. بسم الله الرحمن الرحيم (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) يريد الله تعالى أن بعض رسله الذين اصطفاهم أفضل من بعض لما اختص به ذلك البعض من مزية، كالتكليم لموسى مثلا، ولذا قال " منهم من كلم الله" وذكر البينات لعيسى وهو معجزاته العجيبة من إبراء الأبرص وإبصار الأعمى وإحياء الميت، والخلق من الطين على هيئة الطيور بإذن الله. (هو الحي القيوم) الشديد القيام بشئون خلقة، والمحيط بعبادته ( لا تأخذه سنة) وهي الفتور الذي يعترى الإنسان قبل النوم. والمراد تنزيه الله سبحانه وتعالى عما يوصف به من الغفلة أو الترك أو نحو ذلك ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) وعبر بالكرسي عن العظمة والاستيلاء وإحاطة سلطانه جل وعلا بكل ما في السموات والأرض ولا يؤده حفظهما) لا يتبعه ذلك ولا يثقل عليه. وأشار بعد ظهور هذه الأدلة على استحقاق الله وحده العبادة والإلهية، وبعد وضوح الصواب والهدى والضلال والغيّ- إلى أنه لا إكراه في الدين، ولا داعي لذلك بعد هذه الأدلة القاطعة (فمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا) أي لا خوف عليها من الانحلال والضعف، بمعنى أن المستمسك بها قد حفظ نفسه من النار، وأمن من عذاب الله تعالى، ونجا من هول يوم القيامة. وتشتمل الآيات التالية على ثلاث قصص فيها من العبر البليغة، العظات البينات ما لا يخفى على المتأمل. فالأولى في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يتأتى منه الرؤية، إلى نمروذ الذي غره ملكه، وأطغاه سلطانه، فجعل يجادل في الله بغير علم. يقول له إبراهيم " ربي الذي يحيي ويميت" فيدعو برجلين يقتل أحدهما ويعفو عن الآخر ثم يقول: أنا أحيي وأميت، فصرفه الله على لسان إبراهيم خليله إلى ما لا حيلة له فيه، ولا...... المخلوق بمثله، إذ قال " فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ " فانقطع وتحير وألجمته الحجة " والله لا يهدي القوم الظالمين" لأنفسهم بتركهم الإيمان بما أنزله على رسله كهذا الجبار ومثاله ممن أهلكهم الله بظلمهم، ومأواهم جهنم وبئس المصير. والقصة الثانية في قوله تعالى " أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ؟ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ" وذلك المار على المشهور هو نبي الله عزير، والقرية هي بيت المقدس بعد ما خربتها حروب الفاتحين والغزاة، من أمثال بختنصر ملك بابل. ومعنى استغراب...... لإحياء الله إياها استعظامه لفداحة ما حل بها، وشوقه إلى معرفة كيفية هذه الحياة "فأماته الله مائة عام" والمراد على ما يظهر من سياق الآية أنه يريد بإحياء القرية: أن تعود لها ما كان فيه أهلها من الكثرة والخصب والتمكن والسلطان، وأن الله أماته مع إبقاء جسده وجوارحه وحفظه من الطيور والوحوش، وإخفائه عن الأعين طول هذه المدة وقيل بدئ بذلك ضحى يوم من الأيام، ثم بعثه الله قبل غروب الشمس من يوم آخر، ولذا قال لما سئل عن مدة لبثه: لبثت يوما، ثم رأى الشمس باقية فقال: أو بعض يوم " قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك" وكان معه سلة فيها تين وقدح عنبر " لم يتسنّه" مع طول الزمن ولم يتغير ولم يفسد، بل هو كأنما أتى به من معادنه الساعة. ثم أطلعه الله على حماره الذي في مربوطا معه هذه السنين من غير ماء ولا علف، وقد حفظه الله أيضا لتمام الموعظة، فركبه وانطلق به إلى قومه وهو لا يزال شابا، وأبناؤه وأحفاده مشايخ كبار في مائة سنة وفي أقل وأكثر، وأنهم لما رأوه أنكروه فأتوه بالتوراة فتلاها عليهم من قلبه من غير أن يخرم منها حرفا، فصدقوه وآمنوا به. فلما تبين له ذلك من قدرة الله تعالى وعجائب صنعه قال " أعلم أن الله على كل شيء قدير" أن الله يخلق العظام فينشزها أي يرفعها، ثم يكسوها لحما، وهو... يكرره القرآن في كيفية الخلق في آيات كثيرة. والقصة الثالثة في قوله تعالى "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً" أي ضع على كل جبل طائرا منها حيا، وكان الذي أمر به أوأخذه ديك وطاوس وحمامة وغراب. وقيل أمر بذبحها وتفريق أجزائها، وأن الله بقدرته أعاد إليها الحياة وضم أجزاء كل طائر منها بعضها إلى بعض، وبعث فيها الروح والحياة ثانية. وقيل: الأوامر في طاهر الآية لم يتبعها الامتثال؛ وأنها من قبيل الوصف للكيفية فقط، كما تقول لمن يزيد أن يعرف تركيب دواء أو صبغ من الأصباغ: خذ كذا وضعه على كذا ثم اصنع من ذلك مزيجا ثم أعطه مقداراً من الحرارة ثم اخلط عليه كذا وامزجه مزجا شديدا تجده نافعا إن شاء الله. قال الإمام الألوسي: ولكن ذلك وإن كان له وجه مخالف لما عليه إجماع المسلمين، وأن المشهور ما قدمناه من الذبح والتفريق، ثم إن الله تعالى بقدرته الواسعة وبكيفيات محجوبة عن عقول البشر أحياها ثانية على نحو ما قدمناه، سبحانه جلت قدرته. وبعد ذلك أشار إلى ذلك الوضع الاجتماعي الذي تتوثق به الروابط بين الطبقات، وتتولد منه الألفة الجامعة للشمل المحققة لما أراده الله من عمارة الأرض، وهو عود الغنى بفضل ماله على الفقير المحتاج. وقد أطال في ذلك لزيادة الترغيب فيما أعده الله للمنفقين من المضاعفة، وما جزاهم به على إنفاقهم من الخلف السابغ والعوض المتضاعف، إذ يقول " مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ" ومعنى ذلك أن الدرهم الواحد تضعه في وجه من وجوه البر كصلة الرحم؛ وإغاثة الملهوف، وإطعام المسكين، والصدقة على المستحقين، يعطيك الله به سبعمائة درهم، بل " والله يضاعف لمن يشاء" أي هو قادر على أن يزيد على ذلك أضعافا مضاعفة. ومضى بعد ذلك يصف الأدب اللائق بالإنعام، ويعلم الموهوبين الطرائق المثلى لصيانة إنفاقهم من الضياع بأن لا يكدروا عطاياهم بالمن، ولا يشوبوها بالرياء والتكلف، وأن لا يعقبوها بإيذاء السائلين، والإلحاح في تعنيفهم وتقريعهم وتعييرهم بالفقر، وقلة الحزم في تضييع ما كان بأيدهم حتى صاروا من أجل ذلك فقراء، كل ذلك نهى عنه القرآن بهذه الكلمة الجامعة إذ يقول " قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم" وعقب ذلك بذكر الكفار الذي ينكرون قدرة الله عليهم، ونعمه عندهم، وأنهم فيما يبذلونه من أموالهم كمثل صفوان أي حجر عليه تراب فنزل عليه المطر الوابل فغسله مما عليه من التراب، فتركه صلدا" أي حجرا جامدا لا نداوة فيه، ولا صلاحية للإنبات ولا للخير. وجاء بمثل آخر فجعل الإنفاق مع الكفر مثل الجنة من النخيل والعنب تكون لرجل يدركه الكبر، وله أبناء ضعاف، ثم يصيب هذه الحديقة المثمرة إعصار أي زوبعة فيها نار فتحرق ويصيح الرجل وأبناؤه بالعراء. أي ذلك مثل هؤلاء يوم القيامة حين لا يجدون ما تشتد إليه يومئذ حاجتهم من ثواب الإنفاق الذي أذهبه كفرهم بالله واليوم الآخر هباء منثورا، وعملا ضائعا لا حساب له ولا ثواب عليه. وما زال يحض على الصدقة- بشرط أن يضعها المتصدق عند المستحقين لها، وهم الذين ذكرهم القرآن بقول (لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) يريد الفقراء الذين حبسوا أنفسهم في الجهاد أو العمل بطاعة الله. والأظهر أنهم الذين أصيبوا بجراحات في الحروب والجهاد خلفت لهم زمانات وعاهات تعوقهم عن الكسب والسعي، وأنهم لم يتعودوا من قبل أن يأكلوا من أيدي غيرهم، فتراهم يمتعضون من هذه الحالة، ولا يمدون أيديهم لأحد بسؤال. أولئك واجب علينا أن نكفيهم مؤنة الحياة بإعداد الأنزال والملاجئ الخاصة التي تعينهم على قضاء ما بقى من حياتهم في دعة وخفض عيش، جزاء ما أذهبوه من جوارحهم وأجسامهم، إذ منهم الأعمى والمقعد، والمكسور الذي لا يرجى له انجبار ولا شفاء، وتلك مدنية إسلامية سبق بها القرآن، الأمم المتمدنة في العالم منذ هذه القرون الطويلة. ولارتباط هذه الحالة بفضيلة اجتماعية لا مثيل لها، وهي الاتساع لجود المركب في غرائز السمَحاء من أصحاب النفوس الرفيعة، وصل القرآن هذه الحالة بما يناقضها من أخلاق الأدنياء الباخلين من أهل الشح،...كر الربا وهو دليل على ذلك؛ وعلى ما في طباع المرابين من الخسة والانحطاط في أكلهم لهذا السحت الباطل، المناقض لما في تركيب الإنسانية السمحة من حب الخير، والمساعدة على الحياة بالبر الخالص من شوائب العوض، وهو ما أراده الله من القرض الحسن في قوله تعالى ( إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم) فقال تعالى (الذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ) ثم قال (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) ثم قال (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) يا لله ما أشد هذه الأهوال! ذلك الذي يأكل الربا يجيء يوم القيامة مصروعا مجنونا، فقد أصابه مس من الشيطان، وهؤلاء المطالبون بما كان لهم قبل التحريم من الربا على غيرهم إن لم يدَعوه لهم فليأذنوا بحرب من الله ورسوله. وذلك وعيد لا قبل للجبال ولا للبحار ولا للسموات والأرض باحتماله. قيل نزلت هذه الآية في قوم من ثقيف كان لهم ربا على بني المغيرة فطالبوهم به، فلما نزلت قال الثقفيون " لا بد لنا بحرب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم" وتركوه لهم. وبعد هذا ذكر نظام الاستدانة لشدة علاقته بما سبق، ولأنه يقع ... لا يحب أن يقبل الصدقة، وتأبى نفسه الحرة إلا أن يجرى على الخير...، فهذا الصدقة ديناً، وإذاً يجب أن يكتب الدين والأجل المضروب لقضائه، وأن يستشهد على ذلك برجلين أو رجل وامرأتين. وإن عجز عن الكتابة و أعجله الأمر فليضع مكان ذلك رهنا وضمانا لقضاء الدين. وما أجمل هذا التشريع الذي باتباعه، ينحسم كل خلاف، ويذهب كل عناء. قال بعض الشراح: إن الله تعالى لما ذكر في هذه السورة العظيمة الشأن فرض الصلاة والزكاة والصيام، وذكر الطلاق والحيض والعدة و الإيلاء والجهاد، وقصص كثير من الأنبياء عليهم السلام، وذكر الربا والدين وأحكامهما، ختمها بقوله (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) وجعل ذلك تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وتأكيدا لكل ما ذكره من قبل. ثم أعقبها بالتخفيف على عباده في عدم تكليفهم بما لا طاقة لهم به، إذ كل الفروض داخلة تحت الطاقة البشرية وزيادة من الصلاة والصوم والزكاة والقادر عليها، والحج لمن يستطيع إليه السبيل. ثم علمنا الله كيف نطلب عفوه وندعوه من فضله بقوله تعالى (ربَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) صدق الله العظيم. عبد الغني
المقالة السابقة
إعجاز القرآن (3)
المقالة التالية
إعجاز القرآن (4)
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.