
لقاء شبكة التفسير والدراسات القرآنية مع الأستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد
|
اللقاء العلمي الرابع |
أجوبة أسئلة اللقاء العلمي |

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وببركة عونه تتكامل الأعمال والحسنات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فقد يسر الله عقد اللقاء العلمي الرابع للشبكة العلمية للتفسير والدراسات القرآنية ، والذي سبقه ثلاثة لقاءات علمية متخصصة بجانب من جوانب الدراسات القرآنية التي لقيت قبولاً واسعاً لدى المتخصصين ، وهذا اللقاء الرابع مع أحد العلماء المتخصصين في الدراسات القرآنية واللغوية المتصلة بالقرآن الكريم ، وله فيها أبحاث ومؤلفات وتحقيقات معروفة متداولة ، وهو الأستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد الأستاذ بكلية التربية بجامعة تكريت بالعراق ، وقد جمعت الأسئلة التي طرحت في هذا اللقاء ، وأعيد صياغتها من قبل المشرفين ، ثم قام الدكتور غانم قدوري الحمد بجمع الأسئلة التي رأى فائدة في الإجابة عنها ، والمتعلقة بالموضوعات التي تعرض لها في بحوثه ومؤلفاته دون بعض الأسئلة الجانبية ، أو الخاصة التي لم ير ضرورة للإجابة عنها في هذا اللقاء ، ثم أجاب إجابة موسعة عن الأسئلة في ثلاثة بحوث ضافية ، حشد لها الأدلة والنقولات المتينة من أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين ، فجاءت بحوثاً على درجة عالية من التحقيق يندر وجود مثله في لقاءات الانترنت أو غيرها ، وإننا على يقين في شبكة التفسير والدراسات القرآنية أن هذا اللقاء سيحظى بقبول واسع لدى الإخوة الفضلاء طلاب العلم الذين يقدرون مثل هذه المسائل حق قدرها ، ويعرفون مقدار الجهد المبذول للوصول إلى مثل هذه الأجوبة الفاخرة ، لمثل هذه المسائل الشائكة.
نسأل الله تعالى أن ينفع بها ، وأن يكتب لها القبول ، وشكر الله لكل من شاركنا في طرح الأسئلة ، وشكر الله للدكتور غانم قدوري الحمد استجابته وإجابته ، والله الموفق.
شبكة التفسير والدراسات القرآنية أعلى الصفحة
![]()
- رسم المصحف .
* ما علاقة الرسم العثماني بالقراءات القرآنية ؟ وهل الرسم العثماني أو المصاحف
العثمانية مشتملة على الأحرف السبعة ؟ وما هو سبب الاختلاف في الأحرف السبعة ؟
* هل مصاحف الصحابة تخالف رسم المصحف العثماني ؟ وهل الرسم توقيفي أم اجتهادي؟
*
علامات الضبط في
كتابة المصحف.
* كيفية دراسة رسم مصحف ما ؟
* ما أهم المصاحف المخطوطة في العالم ؟
-
علم
التجويد
* طريقة المتقدمين في عرض التجويد .
* طريقة من بعد ابن الجزري في عرض التجويد .
* عيوب النطق : كتبها وعناية العلماء بها.
* الاختلاف في وصف بعض مخارج الحروف.
* هل في التجويد مسائل اجتهادية ؟
* تحرير القول في قول ابن الجزري :
والأخذ بالتجويد حتم لازم * من لم يجود القرآن آثم
*
المنهجية السليمة في تدريس التجويد ؟
* علاقة علم التجويد بعلم القراءات ؟
- الدراسات الصوتية المعاصرة .
* أهم كتب الدراسات الصوتية المعاصرة .
* مصطلحات الدراسات الصوتية المعاصرة ، وموازنتها بمصطلحات علماء التجويد .
* ما الحل العملي المقترح لما يثار بين الحين والآخر في النطق الصحيح لحرف الضاد
وغيره ؟
* الخبرة الشخصية للدكتور غانم في التأليف والتدريس.
![]()
أجوبة الأستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد على الأسئلة
- مقدمة .
البحث الأول : علاقة القراءات القرآنية بالرسم العثماني .
البحث الثاني : الرسم العثماني : أُصوله وخصائصه .
البحث الثالث : علم التجويد بين الدرس القديم والدرس الحديث .
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
الأخ الفاضل عبد الرحمن بن معاضة الشهري ، المشرف العام على الملتقى
الإخوة المشرفون ، وأعضاء الملتقى ، والمتصفحون
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد
فإنني مسرور بتحقق التواصل مع ملتقى أهل التفسير ، وقد أتاح لي ذلك الاطلاع على كثير من الأبحاث والمصادر والأفكار ، والتعرف على كثير من الباحثين والمتخصصين في مجال الدراسات القرآنية ، فالحمد لله رب العالمين ، والشكر لـه ، ثم لأهل الملتقى الذين أحسنوا الظن بي ، ونوَّهوا بما يَسَّرَ الله تعالى لي كتابته من أبحاث وتحقيقات على صفحات الملتقى ، وتلطفوا بعرضهم إجراء لقاء علمي معي ، ولم أجد بدّاً من الاستجابة لرغبتهم ، تأكيداً لروابط الإخوة بين طلبة العلم ، وأملاً في مشاركة المتخصصين في تحقيق بعض المسائل العلمية المتعلقة بتاريخ القرآن وعلومه التي تشغل بال كثير من الدارسين .
وبعد اطلاعي على محاور اللقاء التي ثبتها الإخوة المشرفون على الملتقى ، وما أضافه بعض الإخوة المتصفحين من أسئلة ، حاولت إعادة صياغة الأسئلة التي تتعلق بتخصصي العلمي والتي أجد أني يمكن أن أتحدث عنها في ثلاثة عناوين أو مباحث تستوعب معظم تلك الأسئلة ، وهي :
1. علاقة القراءات القرآنية بالرسم العثماني.
2. الرسم العثماني : أصوله وخصائصه .
3. علم التجويد بين الدرس القديم والدرس الحديث .
وأود أن أشير إلى أني كنت قد بحثت موضوعات هذه العناوين في بعض ما كتبت من قبل ، ولكني لم ألجأ إلى النقل حرفياً منه لسببين ، الأول : رغبتي في إعادة صياغة ما كتبت في ضوء ما استجد عندي من ملاحظات ومعلومات ، والثاني : أن الأسئلة تتعلق بجوانب معينة من تلك الموضوعات ، فكان لابد من إعادة الكتابة لتحقيق ملائمة بين الأسئلة والأجوبة بقدر الإمكان .
وإني في هذه الفرصة أتقدم بالتحية لأعضاء الملتقى ، وأنتظر من الإخوة المتخصصين والمهتمين بهذه الموضوعات أن يذكروا ما يجدون من ملاحظات حول ما كتبت ، لاستدراك ما لعلي قصرت فيه أو جانبت الصواب فيه ، فالدين النصيحة .
] ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم ، وآخر دعوانا أن الحمد له رب العالمين .
1/9/2005 م
علاقة القراءات القرآنية بالرسم العثماني
إن تحديد العلاقة بين الرسم والقراءات يتطلب بحث تأريخ كل منهما ، وهو بحث لا يخلو من صعوبة وخطورة ، لثلاثة أسباب :
الأول : سعة المادة العلمية المتعلقة بالموضوعين .
الثاني : تعدد وجهات نظر الدارسين في بعض القضايا المتعلقة بهما .
الثالث : خطورة الأحكام المترتبة على ذلك البحث ، لتعلقها بنص القرآن الكريم .
وسوف أبدأ ببحث أصل القراءات القرآنية ، وأتتبع أصول الرسم العثماني ، ثم أبحث العلاقة بينهما ، متوخياً الإيجاز والتركيز ، محاولاً الوصول بالقارئ إلى تصور واضح حول هذه الموضوعات والعلاقة بينها ، مستفيداً من التراث العلمي الواسع الذي كتبه علماء القرآن حولها منذ بدء تدوين العلوم الإسلامية إلى عصرنا الحاضر بقدر ما يتيسر لي من مصادر .
وأود أن أُذَكِّرَ القارئ بأمرين :
الأول : ألاّ يتوقع أن يأتي مثل هذا البحث بإجابة نهائية عن كل التساؤلات العلمية المتعلقة بموضوعه ، فمثل هذا الأمر لم يتحقق على يد كبار علماء الأمة في عصورها المتعاقبة ، وغاية ما يطمح إليه هو تقديم تصور علمي متوازن يستند إلى الدليل الراجح المستنبط من مجموع الروايات التاريخية ، ومن أقاويل علماء السلف .
والآخر : أن يجد العذر لكاتب هذا البحث إذا وجد فيه ما لا يتفق مع وجهة نظره ، فرأي الإنسان محكوم بما أُتِيحَ له من معرفة ، وما آتاه الله تعالى من فَهْمٍ ، وهو ما يتفاوت الناس فيه ، أسأل الله تعالى التوفيق للصواب ، هو حسبنا ونعم الوكيل .
أولاً : أصل القراءات القرآنية
(1) اللغة التي أنزل بها القرآن الكريم :
لا بد للباحث عن أصل القراءات القرآنية من تحديد اللغة التي أنزل بها القرآن الكريم ، ومن البديهي القول إن القرآن انزل باللغة العربية ، وقد أكدت ذلك آيات كثيرة ، أذكر منها قوله تعالى : ) وإنه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين ، بلسان عربي مبين [ [ الشعراء 192 – 195] لكن العرب " وإن جَمَع جميعها اسم ٌ أنهم عرب ، فهم مختلفو الألسن بالبيان ، متباينو المنطق والكلام "([1]) فهل نزل القرآن بألسن العرب جميعها ، أم بألسن بعضها ؟
اختلف العلماء في الإجابة على هذا التساؤل على قولين ، منهم من قال : نزل القرآن بلغة جميع العرب ، لأن اسم العرب يتناول الجميع ، ومنهم من قال : نزل القرآن بلسان قريش خاصة ، لأنهم قوم النبي – صلى الله عليه وسلم – وعشيرته .
وانعكس هذا الاختلاف على تفسير قوله تعالى : ) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [ [ إبراهيم 4] فذهب البعض إلى القول:إن القرآن أنزل بلسان جميع العرب([2]) وذهب الأكثرون إلى نزوله بلغة قريش ، قال الآلوسي : " وكون المتبادر من ( قومه) - عليه الصلاة والسلام – مما لا أظن أن أحداً يمتري فيه ، ويليه في التبادر العرب ".([3])
وحفظ لنا التاريخ شهادات لعدد من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تؤكد أن القرآن الكريم نزل بلغة قريش ، منها رسالة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إلى عبد الله بن مسعود حين بلغه أنه يعلِّم الناس القرآن في الكوفة بلغة قومه هذيل ، ونصها : " أما بعد فإن الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش ، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش ، ولا تقرئهم بلغة هذيل"([4]).
ومنها قول عثمان بن عفان – رضي الله عنه - للثلاثة القرشيين الذين نسخوا الصحف في المصاحف مع زيد بن ثابت : " إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم "([5]).
كما رُويَ عددٌ من أقوال علماء التابعين تؤكد ذلك أيضاً ، منها قول مجاهد بن جبر المكي ( ت 102هـ) المفسر ، تلميذ ابن عباس ، في تفسير قوله تعالى :)وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه[ : نزل القرآن بلسان قريش([6]). ومنها قول عكرمة بن خالد بن العاص المخزومي القرشي ( ت 116هـ) : نزل القرآن بلساننا ، يعني قريش([7]).
وسمع خالد بن سلمة بن العاص المخزومي ( ت 132هـ) قتادة بن دعامة السدوسي ( ت 117هـ) يحدِّث عن أبي الأسود الدؤلي ( ت 69هـ) أنه قال : نزل القرآن بلسان الكعبين : كعب بن عمرو ، وكعب بن لؤي ، فقال خالد بن سلمة لسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي ( ت 126هـ) : " ألا تعجب من هذا الأعمى يزعم أن القرآن نزل بلسان الكعبين ، وإنما نزل بلسان قريش! "([8])
واستشكل بعض علماء السلف وجود ظاهرة الهمز في القراءة ، لأن قريش وأهل الحجاز لا يحققون الهمزة ، وجعلهم ذلك يقولون إن القرآن نزل بعضه بلغة غير قريش من العرب ، قال القاضي أبو بكر الباقلاني ( ت 403هـ) : " ومعنى قول عثمان أنه أنزل بلسان هذا الحي من قريش أي معظمه وأكثره نزل بلغتها ، ولم تقم حجة قاطعة على أن القرآن بأسره نزل بلغة قريش ، بل ثبت أن فيه همزاً ، وقريش لا تهمز، وثبت أن فيه حروفاً وكلمات بغير لغة قريش "([9]) .
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر(ت 463 هـ) معلقاً على قول عثمان - رضي الله عنه السابق : " ومعناه عندي في الأغلب ، لأن غير لغة قريش موجود في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها ، وقريش لا تهمز"([10]) . وقال أبو عمرو الداني ( ت 444هـ) : " وإن القرآن لم ينزل بلغة قريش فقط دون سائر العرب ، وإن كان معظمه نزل بلغة قريش"([11])
ولا يكفي وجود الهمز في القراءة دليلاً على أن القرآن نزل بلغة غير قريش من العرب ، فهناك ما يشير إلى أن تسهيل الهمز كان سمة بارزة لقراءة أهل الحجاز ، وأن المصاحف كتبت بتسهيل الهمزة ، ويؤكد ذلك ما رواه ابن مجاهد عن عيسى بن مينا قالون ( ت 220هـ) تلميذ نافع وراوي قراءته ، أنه قال : " كان أهــل المدينــة لا يهمزون حتى همز ابن جندب ، فهمزوا : مستهزئون ، واستهزئ "[السبعة ص60]. وابن جندب هو مسلم بن جندب شيخ نافع . وما رواه ابن الأنباري عن خلف بن هشام البغدادي ( ت 229هـ) أنه قال : " وقريش لا تهمز ، ليس الهمز من لغتها ، وإنما همزت القراء بلغة غير قريش من العرب"([12]).
وقال أبو عمرو الداني : " والهمزة قد تصور على المذهبين من التحقيق والتسهيل ، دلالة على فشوهما واستعمالهما فيها ، إلا أن أكثر الرسم ورد على التخفيف ، والسبب في ذلك كونه لغة الذين وَلُوا نسخ المصاحف زمن عثمان ، رحمه الله ، وهم قريش... فلذلك ورد أكثر الهمز على التسهيل،إذ هو المستقر في طباعهم والجاري على ألسنتهم"([13]).
فقضية وجود الهمز في معظم القراءات القرآنية لا تكفي في رد الروايات الصحيحة المنقولة عن الصحابة والتابعين والقائلة بنزول القرآن بلغة قريش ، ويمكن تفسير شيوع الهمز في القراءات من خلال ظاهرة الاختيار في القراءة ، التي سنتعرض لها في الفقرة الأخيرة من هذا البحث .
أما وجود ألفاظ في القرآن وردت في لغات بعض العرب فأمر طبيعي ، لتوافق لغات العرب في معظم الألفاظ ، ولا يمكن القول إن لفظة ما في القرآن ليست من لغة قريش لمجرد وجودها في لغة أخرى من لغات العرب ، وكذلك الشأن في الألفاظ التي وردت في القرآن مما وقع مثله في بعض اللغات الأعجمية ، لا يمكن القول بناء على ذلك إن القرآن نزل بتلك اللغات([14]). قال ابن قتيبة : " غير جائز أن يكون في القرآن لغة تخالف لغة قريش ، لقوله تعالى :)وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه[ إلا أن يكون القائل لهذا أراد ما وافق هذه اللغات لغة قريش"([15])
إن القول بنزول القرآن الكريم بلغة قريش يتوافق مع شواهد التأريخ وطبيعة اللغات البشرية ، والعقل يقتضي أن تكون لغة أهل مكة ذات خصائص لغوية متجانسة ، وأن لغة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كانت متطابقة مع تلك اللغة ، وأن معنى نزول القرآن بلغة قريش أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يتلو القرآن ويبلّغه على نحو يطابق نطق العربية السائد في مكة ، وكان أهل مكة يسمعون منه القرآن ، ولا يستشكلون ذلك النطق ، كما أنهم لا يصعب عليهم تقليده .
ولا شك في أن القول بنزول القرآن بلغة قريش ينأى عن الإشكالات التي يثيرها القول بنزول القرآن بلغة عدد من قبائل العرب أو لغة جميعهم ، كما ذهب إلى ذلك عدد من علماء السلف ، كما سنبين في الفقرة اللاحقة ، أو القول بنزول القرآن باللغة العربية الأدبية المشتركة التي يفترض بعض الباحثين المحدثين وجودها في عصر نزول القرآن([16]). كما أن القول بنزول القرآن بلغة قريش لا يتعارض مع ما جاء في الروايات الصحيحة من نزول القرآن على سبعة أحرف ، كما سنبين ذلك في الفقرة الآتية من هذا البحث .
(2) الرخصة في القراءة :
يمكن للدارس أن يقسم تاريخ قراءة القرآن في عصر النبوة على فترتين : المكية والمدنية ، وذلك بالاستناد إلى التنوع اللغوي للمخاطبين وعدمه ، ففي الفترة المكية كان هناك تجانس لغوي بشكل عام بين المؤمنين الداخلين في الدين ، فمعظمهم من أهل مكة وسكان مكة هم من قبيلة قريش ، فلم يكن يصعب عليهم تلاوة القرآن بالنطق الذي يتلقون به القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم.
وفي الفترة المدنية حدث تغيير من ناحيتين : الأولى : دخول أفراد من قبائل عربية شتى في الإسلام ، من بيئات لغوية مختلفة ، والثانية : ازدياد أعداد الداخلين في الدين ، خاصة بعد فتح مكة ، حين تقاطرت وفود القبائل على المدينة من أقطار الجزيرة العربية ، حتى سميت سنة تسع من الهجرة سنة الوفود([17]).
وقد ترتب على ذلك التغير أمران : الأول : الحاجة إلى المعلمين الذين يقومون بتعليم تلك الجموع الغفيرة ، والثاني : بروز صعوبات تعترض المتعلمين تتعلق بالخصائص اللغوية ، أو تفاوت القدرات الذهنية في الحفظ والضبط .
وأمكن سد الحاجة من المعلمين بالاستعانة بالقراء من الصحابة ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل رجل في الإسلام قال لأصحابه : " فقهوا أخاكم في دينه ، وأقرئوه وعلّموه القرآن ".([18]) وقال عبادة بن الصامت , وكان أحد علماء الصحابة بالقرآن : " كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يُشْغَلُ ، فإذا قدم رجل مهاجرٌ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم – دفعه إلى رجل منا يُعلّمه القرآن"([19]).
وكان - صلى الله عليه وسلم – يدعو المتعلمين إلى أخذ القرآن من علماء القراءة من الصحابة ، حيث قال : " خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب "([20]) . وقد كان لكل واحد من هؤلاء الأربعة دور في تعليم القرآن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم – وبعده.([21])
وأما الصعوبات التي اعترضت المتعلمين بسبب الاختلاف اللغوي ، أو بسبب عوامل أخرى كالأمية أو صعوبة الحفظ ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم – لم يدع تلك العوائق تحول دون تعلم أصحابه القرآن ، لكنه لم يحملهم على تعلم نطق قريش إذا عجزوا عن تحقيقه بكل خصائصه ، بل رخّص لهم بقراءته بما يستطيعون ، وقد عبَّر عن هذه الرخصة قوله – صلى الله عليه وسلم - : " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه " .
ويصور ذلك ما نقله أبو شامة المقدسي عن بعض الشيوخ أنه قال:" الواضح من ذلك يكون أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش ومن جاورهم من فصحاء العرب ثم أباح للعرب المخاطبين به المنزل عليهم أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب ، ولم يكلفهم الانتقال من لغة إلى غيرها لمشقة ذلك عليهم ، ولأن العربي إذا فارق لغته التي طبع عليها يدخل عليه الحمية من ذلك فتأخذه العزة ، فجعلهم يقرؤون على عاداتهم وطباعهم ولغاتهم مَنّاً منه – عزّوجلّ – لئلا يكلفهم ما يشق عليهم ، فيتباعدوا عن الإذعان ".([22])
وجاء في كلام علماء السلف ما يوضح سبب الرخصة الذي أشرت إليه ، قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ( ت205هـ) : " فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزلَّ ، ليُحِلَّ لهم قراءته وإن اختلف اللفظ فيه ، ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى ، كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُحِلْ معناه "([23]).
وقال ابن قتيبة ( ت 276هـ) : " فكان من تيسيره : أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم ، وما جرت عليه عاداتهم ... ولو أن كل فريق من هؤلاء أُمِرَ أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلاً وناشئاً وكهلاً ، لاشتد ذلك عليه وعظمت المحنة فيه ، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة ، وتذليل للسان ، وقطع للعادة ، فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل متسعاً في اللغات ، ومتصرفاً في الحركات"([24]).
وقال القاسم بن ثابت السرقسطي ( ت 302هـ) في كتابه الدلائل في غريب الحديث : " إن الله تبارك وتعالى بعث نبيه - صلى الله عليه وسلم – والعرب متناءون في المحالِّ والمقامات ، متباينون في كثير من الألفاظ واللغات ... فأسقط عنهم تبارك وتعالى هذه المحنة ، وأباح لهم القراءة على لغاتهم ... "([25])
وقال أبو جعفر الطحاوي ( ت 321هـ) : " إنما كانت هذه السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم ، لأنهم كانوا أميين لا يكتبون إلا القليل منهم ، فكان يشق على كل ذي لغة منهم أن يتحول إلى غيرها من اللغات ، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة ، فوُسّعَ لهم في اختلاف الألفاظ ... "([26]). وردَّد كثير من علماء القراءة اللاحقين هذا المعنى في سبب الرخصة.([27])
وورد في إحدى روايات حديث رخصة الأحرف السبعة ما يؤيد ما ذهب إليه هؤلاء العلماء في سبب الرخصة ، فقد أخرج الترمذي عن أبي بن كعب أنه قال : " لَقِيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم – جبريل ، فقال : يا جبريل إني بُعِثْتُ إلى أمة أُميين منهم العجوز ، والشيخ الكبير ، والغلام ، والجارية ، والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط ، قال : يا محمد ، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف " قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح قد ورد عن أبي بن كعب من غير وجه.([28])
قال أبو شامة المقدسي محدداً أسباب الرخصة كما وردت في هذا الحديث : " قلت فمعنى الحديث أنه رُخّصَ لهم في إبدال ألفاظه بما يؤدي معناها أو ما يقاربه من حرف واحد إلى سبعة أحرف ، ولم يُلزَموا المحافظة على حرف واحد ، لأنه :
(1) نزل على أمة أمية لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء على لفظه .
(2) مع كبر أسنانهم ، واشتغالهم بالجهاد والمعاش فرُخّصَ لهم في ذلك.
(3) ومنهم من نشأ على لغة يصعب عليه الانتقال عنها إلى غيرها ، فاختلفت القراءات بسبب ذلك كله"([29]).
ويبدو أن الرخصة في القراءة كانت بعد الهجرة ، وتدل على ذلك القرائن الواردة في بعض روايات حديث الأحرف السبعة ، وهي نوعان :
(1) قرائن مكانية : مثل ذكر ( المسجد) في بعض الروايات. ([30])
والمقصود به مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في المدينة . وأَضََاة بني غفار([31]). والأَضَاة بوزن الحَصَاة : الغدير أو مستنقع الماء ، وهو موضع بالمدينة النبوية ينسب إلى بني غِفار ، لأنهم نزلوا عنده([32]). وأحجارُ المِراء([33]). قال مجاهد : هي قباء([34]).
(2) قرائن شخصية : إن أكثر أسماء الصحابة الذين رووا الحديث هم من الأنصار ، أو من غيرهم ممن تأخر إسلامهم إلى ما بعد الهجرة ، وأشهر حديث في الباب هو حديث عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم - رضي الله عنهم – قد وقعت أحداثه بعد فتح مكة ،لأن هشام بن حكيم أسلم هو وأبوه يوم الفتح.([35])
وقال ابن حجر : " فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة"([36]). وهذا أمر يقوِّي مذهب من يقول إن الرخصة كانت بسبب اختلاف اللغات ، لأن أكثر من أسلم بعد الهجرة كان من القبائل العربية من غير قبيلة قريش التي نزل القرآن الكريم بلسانها.
وإذا كان الراجح أن بدء الرخصة كان بعد الهجرة ، حين ظهرت الحاجة إلى التيسير في القراءة ، فإن تقدير زمن انتهائها يحتمل أمرين : الأول : أن الرخصة كانت في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وانتهت بوفاته ، والثاني : أن الرخصة استمرت حتى نسخ المصاحف في خلافة عثمان - رضي الله عنه – والأول ينبني على أن الرخصة في القراءة توقيف منه - صلى الله عليه وسلم – والثاني يقتضي أن من الرخصة ما كان موسعاً فيه على القارئ بما يستطيع([37]). وسوف أعود لمناقشة هذين الاحتمالين بعد أن أستوفي البحث في حقيقة الرخصة وأبعادها ، إن شاء الله تعالى .
وأشار بعض العلماء إلى أن غير العربي يقرأ بلغة قريش ، قال أبو شامة المقدسي : " وأما من أراد من غير العرب حفظه فالمختار له أن يقرأه على لسان قريش ، وهذا إن شاء الله تعالى هو الذي كتب فيه عمر إلى ابن مسعود ، رضي الله عنهما : ( أقرئ الناس بلغة قريش ) لأن جميع لغات العرب بالنسبة إلى غير العربي مستوية في التعسر عليه ، فإذا [ كان] لا بد من واحدة منها ، فلغة النبي - صلى الله عليه وسلم- أولى له"([38]).
(3) حقيقة الرخصة في القراءة :
يُعَبّرُ حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي قال فيه : " إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف " عن الرخصة في القراءة ، وتوصف أحياناً برخصة الأحرف السبعة ، وليس من هدفنا الآن ذكر روايات الحديث أو البحث في أسانيدها ، فقد تكفلت بذلك دراسات سابقة ، قديمة وحديثة([39])
وأكتفي بالإشارة إلى أن رواة الحديث من الصحابة - رضي الله عنهم – بلغوا واحداً وعشرين صحابياً([40])، وأن أبا عبيد القاسم بن سلام ( ت 224هـ ) نصّ على تواتره([41]). ويهمنا هنا البحث في معنى الأحرف السبعة وعلاقتها بقراءة القرآن .
ويمكن تصنيف روايات الحديث بناء على ما ورد فيها إلى ثلاث مجموعات هي([42]):
1. مجموعة روايات تتضمن حصول نقاش بين بعض الصحابة حول القراءة ولجوئهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – فيسمع منهم قراءاتهم ويقرهم عليها ويقول لهم : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرؤوا ما تيسر منه . وقد حدث مثل ذلك النقاش بين عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم ، وبين أبي بن كعب ورجل من الصحابة ، وكذلك حصل لعبد الله بن مسعود ، رضي الله عنهم .
2. مجموعة روايات وردت الإشارة فيها إلى حوار بين جبريل – عليه السلام – والنبي - صلى الله عليه وسلم – حول قراءة القرآن وعلى كم حرف يُقرأ ، ومن أشهرها حديث أبي بن كعب ، وحذيفة بن اليمان – رضي الله عنهما – أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : " لقيت جبريل عند أحجار المِراء ، فقلت : يا جبريل إني بُعثت في امة أميين ... " ، وقد مرّ كاملاً
3. مجموعة روايات أشارت إلى قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف " وجاء في بعض الروايات : " كلها شافٍ كافٍ " أو " أيّها قرأت أصبت " ، كما ورد ذلك في حديث أم أيوب الأنصارية ، وأبي هريرة ، ورواية عن ابن مسعود ، وغيرهم ، رضي الله عنهم .
ولم يرد في أي من روايات الحديث تحديد للأحرف السبعة ، قال أبو بكر ابن العربي : " لم تتعين هذه السبعة بنص من النبي – صلى الله عليه وسلم - ، ولا بإجماع من الصحابة ، وقد اختلفت فيها الأقوال"([43]). ولكن المتأمل في الروايات لا يخطئ تحديد موضوعها وهو قراءة القرآن ، فالاختلاف الحاصل بين الصحابة كان في الألفاظ المسموعة ، لا في المعاني المفهومة([44]). وقد قال محمد بن شهاب الزهري بعد روايته لحديث الأحرف السبعة : " بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحداً ، لا يختلف في حلال ولا حرام"([45])، وأخرج الطبري عن أبي العالية الرياحي (ت 90هـ) أنه قال : " قرأ على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من كل خمسٍ رجلٌ ، فاختلفوا في اللغة ، فرضي قراءتهم كلهم ، وكانت بنو تميم أعرب القوم"([46]) بلفظ : " قرأ عند النبي " ،والباقلاني في نكت الانتصار ( ص 387) بلفظ : " قرأ عليه من كل حي رجل " ] . وهذا يدل على أن الصحابة اختلفوا في قراءة القرآن ، ونزلت الرخصة بالتيسير عليهم في القراءة ، ولم يختلفوا في المعاني والأحكام. ([47])
وقد اختلف الناس في معنى حديث " الأحرف السبعة " اختلافاً كبيراً([48])، وقال الإمام ابن تيمية ، في إجابته حين سئل عن المراد بالأحرف السبعة : " هذه مسألة كبيرة، قد تكلم فيها أصناف العلماء،من الفقهاء والقراء وأهل الحديث والكلام وشرح الغريب وغيرهم"([49]). وقال القرطبي : " قد اختلف العلماء في المراد بالأحرف على خمسة وثلاثين قولاً ، ذكرها أبو حاتم محمد بن حيان البستي "([50]) .وأوردها السيوطي في كتابه الإتقان([51]). وقد أوصل السيوطي الأقوال في معنى الحديث إلى أربعين قولاً.([52])
وقد يفزع القارئ من سماع هذه الأعداد من الأقوال ، وقد يجعله ذلك يتشكك في إمكانية إدراك معنى الحديث أو الوقوف على المراد منه ، لكن الاطلاع على تلك الأقوال يجعل القارئ يضعها في إطارها الصحيح ، وكان الشرف المزني المرسي الذي نقل تلك الأقوال عن ابن حبان قد قال : " هذه الوجوه أكثرها متداخلة ، ولا أدري مستندها ، ولا عمّن نقلت ، ولا أدري لِمَ خصَّ كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر ... وأكثرها يعارضه حديث عمر مع هشام بن حكيم الذي في الصحيح ، فإنهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه، إنما اختلفا في قراءة حروفه ".([53])
ولا يخفى على الناظر في تلك الأقوال أن معظمها لا علاقة له بقراءة القرآن ، لأنها تتعلق بالمعاني والأحكام ، وهي الأقوال من (1-19) والأقوال من ( 31- 35) ، وبقي منها أحد عشر قولاً ستة منها تدور حول تفسير الأحرف بسبع لغات ، وما بقي يدور حول وجوه النطق المختلفة([54]).
ولا يبقى من تلك الأقوال بعد التمحيص إلا ثلاثة أو أربعة صالحة للعرض والمناقشة .
وذكر الزركشي أن أبا جعفر بن محمد بن سعدان الكوفي النحوي ( ت 231هـ) قال : " إنه من المشكل الذي لا يُدرى معناه ، لأن العرب تُسمي الكلمة المنظومة حرفاً ، وتُسمي القصيدة بأسرها كلمة ، والحرف يقع على المقطوع من الحروف المعجمة ، والحرف أيضاً المعنى والجهة. ([55]).
وعَدَّهُ السيوطي من المتشابه ، فقال في كتابه ( تنوير الحوالك ) : " وأرجحها عندي قول من قال : إن هذا من المتشابه الذي لا يدرى تأويله ، فإن الحديث كالقرآن منهم المحكم والمتشابه " [1/160] , لكنه قال في كتابه ( الديباج) : " المختار أن هذا من متشابه الحديث الذي لا يُدرى تأويله ، والقدر المعلوم منه تعدد وجوه القراءات ".([56])، وإنما يبحث العلماء في هذا القدر المعلوم منه ، وهو تعدد وجوه القراءات .
ولعل من المفيد ، قبل مناقشة أشهر الأقوال في معنى الحديث ، أن أشير إلى دلالة كلمة ( الحرف) في اللغة ، ليسهل تفهم أقوال العلماء في معنى الأحرف السبعة ، جاء في لسان العرب : الحرف في الأصل الطرف والجانب، وحرف كل شيء طرفه وشفيره وحدُّه ، وحرف الشيء ناحيته ، وفلان على حرف من أمره أي على ناحية منه ، كأنه ينتظر ويترقب ، وفي التنزيل العزيز ) ومن الناس من يعبد الله على حرف [ [ الحج 11] أي على شك . والحرف من حروف الهجاء معروف ، والحرف الأداة أو الرابطة ، والحرف القراءة التي تُقرأ على أوجه([57])
وذكر الداني وجهين في تسمية الوجه من القراءة حرفاً ، فقال : " يتوجه إلى وجهين :
أحدهما : أن يكون يعني بذلك أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات ، لأن الأحرف جمع حرف ، في الجمع القليل ، مثل فَلْس وأفلس ورأس وأرؤس ، والحرف قد يراد به الوجه ... فلهذا سَمَّى النبي – صلى الله عليه وسلم – هذه الأوجه المختلفة من القراءات ، والمتغايرة من اللغات أحرفاً ، على معنى أن كل شيء منها وجه على حدته ، غير الوجه الآخر ، كنحو قوله تعالى:( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) أي على وجه إن تغير عليه تغير عن عبادته وطاعته على ما بيناه .
والوجه الثاني : من معنى الأحرف : أن يكون – صلى الله عليه وسلم – سَمَّى القراءات أحرفاً على طريق السعة ، كنحو ما جرت عليه عادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه ... فلذلك سمَّى النبي – صلى الله عليه وسلم – القراءة حرفاً ، وإن كانت كلاماً كثيراً ، من أجل أن منها حرفاً قد غُيّر نظُمه ، أو كُسِرَ ، أو قلب إلى غيره ، أو أُميل ، أو زِيدَ ، أو نُقص منه ، على ما جاء في المختلف فيه من القراءة "([58]).
وفي ما يأتي عرض موجز ومناقشة مركزة لأهم الأقوال في معنى الأحرف السبعة :
1. الأحرف السبعة : سبعة وجوه من وجوه القراءات :
نسب بعض المؤلفين إلى الخليل بن أحمد أنه قال : معنى قوله سبعة أحرف : سبع قراءات ، والحرف ها هنا القراءة([59]). وقال الزركشي : وهو أضعفها([60]). ونقله بعض المحدثين بتعريف الكلمتين فقال : " القول الثالث : هو أن المراد بالأحرف السبعة : القراءات السبع ، وهو قول الخليل بن أحمد، وذلك قول ضعيف ..." ([61]). ومعلوم لدى المتخصصين أن مصطلح ( القراءات السبع) لم يكن معروفاً في زمن الخليل ، قال ابن تيمية : " لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة التي ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم – أن القرآن أنزل عليها ليست هي قراءات القراء السبعة المشهورة ، بل أول من جمع قراءات هؤلاء هو الإمام أبو بكر بن مجاهد ، وكان على رأس المئة الثالثة ببغداد ... "([62]).
ويبدو لي أن قول الخليل في تفسير الأحرف لم يُفْهَمْ على ما أراد، ويترجح عندي أنه أراد بقوله : " سبع قراءات " : سبعة وجوه من القراءة ، قال في العين : " وكل كلمة تقرأ على وجوه من القراءات تسمى حرفاً "([63]). ولعله يكون بهذا التفسير قد فتح باباً لمن جاء بعده من العلماء الذين حملوا ( الأحرف السبعة) على سبعة أوجه من القراءة .
فقد قام جماعة من أهل العلم بتصنيف الاختلاف الموجود في القراءات على سبعة وجوه ، وجعلوا كل وجه حرفاً من تلك الأحرف ، وبعض العلماء اقتصر على تصنيف الاختلاف الموجود في القراءات الصحيحة المشهورة ، وبعضهم تعدَّى ذلك إلى القراءات الشاذة المخالفة لخط المصحف .
ولعل ابن قتيبة ( ت 276هـ) هو أقدم من فعل ذلك ، فقد قال في كتابه ( تأويل مشكل القرآن) : " وإنما تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( نزل القرآن على سبعة أحرف ) : على سبعة أوجه من اللغات متفرقة في القرآن ... وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه ... "([64]).
وتابع ابنَ قتيبة في تفسير الأحرف على هذا النحو عددٌ كبير من علماء القراءات ، من المتقدمين والمتأخرين([65]) ، وهم قد يختلفون في بعض التفاصيل لكنهم متفقون على الأساس الذي قام عليه تفسيرهم للأحرف السبعة ، وهو تقسيم وجوه القراءات على سبعة أقسام ، لتكون بعدد الأحرف التي نزل عليها القرآن .
ولا شك في أن القراءات القرآنية ناتجة من رخصة الأحرف السبعة ، وأن هذه الأحرف لا تجد تفسيرها إلا في تلك القراءات ، لكن نقطة الضعف في هذا المذهب هي عدم وجود ما يؤكد قصد النبي - صلى الله عليه وسلم – لهذه الوجوه التي يحمل عليها الحديث . قال أبو شامة المقدسي : " وهذه الطرق المذكورة في بيان وجوه السبعة الأحرف في هذه القراءات المشهورة كلها ضعيفة ، إذ لا دليل على تعيين ما عينه كل واحد منهم ، ومن الممكن تعيين ما لم يعينوا ، ثم لم يحصل حصر جميع القراءات في ما ذكروه من الضوابط ، فما الدليل على جعل ما ذكروه مما دخل في ضابطهم من جملة الأحرف السبعة دون ما لم يدخل في ضابطهم "([66]).
2. الأحرف السبعة : سبع لغات :
كان أبو عبيد القاسم بن سلام ( ت 224هـ) من أقدم من فَسَّرَ الحديث ، وهو أول من حمله على اللغات ، فقال في كتاب ( غريب الحديث) " : قوله : سبعة أحرف ،يعني سبع لغات من لغات العرب ، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه ، هذا ما لم نسمع به قط ، لكن نقول : هذه اللغات متفرقة في القرآن ، فبعضه نزل بلغة قريش ، وبعضه بلغة هُذَيْل ، وبعضه بلغة هوزان، وبعضه بلغة أهل اليمن، وكذلك سائر اللغات ، ومعانيها في هذا كله واحدة ، ومما يبين ذلك قول ابن مسعود : إني سمعت القَرَأةَ فوجدتهم متقاربين ، فاقرؤوا كما علّمتم ، إنما هو كقول أحدهم : هَلُمَّ وتعالَ ، وكذلك قال ابن سيرين : إنما هو كقولك : هلم وتعال وأقبل . ثم فسّره ابن سيرين فقال : في قراءة ابن مسعود ( إن كانت إلا زَقْيَةً واحدة) ،وفي قراءتنا : ) إنْ كانت إلا صيحة واحدة [ [يس 29] ... ولا يكون المعنى في السبعة الأحرف إلا على اللغات لا غير، بمعنى واحد ،لا يختلف فيه حلال ولا حرام ولا خبر ولا غير ذلك "([67]).
وقال أبو عبيد في كتابه ( فضائل القرآن ) :" وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يُقرأ على سبعة أوجه ، هذا شيء غير موجود ، ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب ، فيكون الحرف منها بلغة قبيلة ، والثاني بلغة أخرى سوى الأولى ، والثالث بلغة أخرى سواهما ، كذلك إلى السبعة ، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظاً فيها من بعض ، وذلك بَيِّنٌ في أحاديث تترى"([68]) ، ونقل أبو عبيد رواية عن أنس بن مالك بنزول القرآن بلغة قريش ، ونقل روايتين عن عبد الله بن عباس في تسمية القبائل التي نزل القرآن بلغاتها([69]).
قال السيوطي : " وإلى هذا ذهب أبو عبيد ، وثعلب ، والأزهري ، وآخرون ، واختاره ابن عطية ، وصححه البيهقي في الشعب ".([70])
قال ابن عبد البر : " وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنزل القرآن على سبعة أحرف : سبع لغات ، وقالوا هذا لا معنى له ،لأنه لو كان ذلك كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض في أول الأمر ، لأنه من كانت لغته شيئاً قد جُبِلَ وطبع عليه وفُطِرَ به لم يُنْكَر عليه ، وأيضا فإن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي مكي ، وقد اختلفت قراءتهما ...". ([71])
وقال الطبري إن هذا القول : " لا يجهل فساده ذو عقل ، ولا يلتبس خطؤه على ذي لب ... مع إن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل في تأويله قول النبي – صلى الله عليه وسلم- : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " وادعائه إن معنى ذلك سبع لغات متفرقة في جميع القرآن ، ثم جمع بين قيله ذلك ، واعتلاله لقيله ذلك بالأخبار التي رُوِيَتْ عمن رُوِيَ ذلك عنه من الصحابة والتابعين ، أنه قال : هو بمنزلة قولك : تعال وهلم وأقبل ، وأن بعضهم قال : هو بمنزلة قراءة عبد الله : إلا زقية ، وهي في قراءتنا : إلا صيحة ، وما أشبه ذلك ، عُلِمَ أن حُجَجَهُ مُفْسِدَةٌ في ذلك مقالته ، وأن مقالته فيه مضادة حججه ..." ([72]).
وأشار الطبري إلى أن الآثار المروية في تعيين تلك اللغات لا تقوم بها حجة ، فقال : " ورُوِيَ جميع ذلك عن ابن عباس ، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله"([73]).
ومن الدارسين المحدثين من رجَّح هذا القول([74])، لكن أكثرهم ضعَّفه وردَّ عليه.([75])
3. الأحرف السبعة : سبعة ألفاظ مختلفة في النطق متفقة في المعنى :
ضعَّف الطبري ( ت 310هـ) تفسير أبي عبيد للأحرف السبعة بأنها سبع لغات متفرقة في القرآن ، وردَّه ، وقال : " بل الأحرف السبعة التي أنزل الله بها القرآن هن لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة ، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ، كقول القائل : هلمَّ ، وأقبل ، وتعال ، وإليَّ ، وقصدي ، ونحوي ، وقربي ، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب المنطق وتتفق فيه المعاني ... "([76]).
وذهب الطبري إلى أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه – جمع المسلمين على حرف واحد ، حين أمر بانتساخ المصاحف ، وأن الأحرف الستة الأخرى قد تُرِكَتِ القراءة بها حتى دَرَسَتْ من الأمة معرفتها([77])، بناء على أن الأمة أمرت بحفظ القرآن وخُيِّرَت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت([78])
ويرى الطبري أن القراءات التي يقرأ بها القراء اليوم لا علاقة لها بالأحرف السبعة ، حيث قال : " فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجرِّه ونصبه ، وتسكين حرف وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة ، فمن معنى قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: " أُمرت أن اقرأ القرآن على سبعة أحرف " بمعزل ، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن ، مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى ، يوجب المِراءُ به كُفْرَ المماري به ، في قول أحد من علماء الأمة "([79])
وانتصر ابن عبد البر ( ت 463هـ) لمذهب الطبري في تفسير الحديث ، وقال : " وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى حديث النبي – صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف سبع لغات ... وقالوا : إنما معنى السبعة الأحرف سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة بألفاظ مختلفة،نحو: أقبل وتعال وهلم ، وعلى هذا الكثير من أهل العلم([80]).
وذكر ابن عبد البر أن سفيان بن عينية ( ت 198هـ) سُئِلَ عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين : هل تدخل في السبعة الأحرف ؟ فقال : لا ، وإنما السبعة الأحرف كقولهم : هَلُمّ ، وأقْبِلْ ، وتَعَالَ ، أيَّ ذلك قلت أجزأك([81]) . ولعل الطبري استند إلى رأي سفيان في تفسيره للأحرف السبعة.
ومن المحدثين مَن رجَّح هذا المذهب([82]) ، ومنهم من أنكره لأنه يمكن أن يُستدل به على جواز " تأدية المعنى باللفظ المرادف "([83]) ، وهو ما يفتح باب القول بجواز القراءة بالمعنى ، كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين متشبثين بهذا التفسير للأحرف السبعة.([84])
لكن الروايات والآثار المنقولة عن بعض الصحابة والتابعين تشير إلى شيء من ذلك ، كالتمثيل بالأفعال : هلم وتعال وأقبل ، وصيحة وزقية ، لكن البعض يجعل ذلك من باب التفسير وليس القراءة ، على نحو ما سنشير إلى ذلك عند الحديث عن القراءات المخالفة لرسم المصحف .
تلك أهم الأقوال في تفسير الأحرف السبعة ، ولا يكاد قول منها يسلم من مأخذ أو اعتراض ، وهو ما يمنع من اعتماد واحد منها أو ترجيحه ، ولكن تلك الأقوال بينها تداخل وارتباط ، وقد يكمل بعضها بعضاً في فهم الرخصة في القراءة ، ومن ثم لا يجوز إلغاء أي منها ، لأن كل واحد منها يمت إلى أصل الموضوع بسبب :
(1) فالقول إن الأحرف هي سبعة من وجوه القراءات يتخذ من الآثار التي ترتبت على الرخصة أساساً للتفسير ، لكن آراء العلماء تباينت في كيفية حصر تلك السبعة ، لكونهم يستندون إلى الاجتهاد في ذلك .
(2) والقول إن الأحرف سبع لغات من لغات العرب متفرقة في القرآن ، فيكون بعضه بلغة هذه القبيلة ، وبعضه بلغة أخرى ، وهكذا ، لا يبتعد عن سبب الرخصة ، وهو اختلاف اللغات ، لكنه لا يؤدي إلى التيسير في القراءة بقدر ما يؤدي إلى التعقيد ، فبدلاً من قراءة القرآن بلغة قريش فإن القارئ سيقرؤه بسبع لغات .
(3) والقول إن الأحرف سبع لغات في حرف واحد وكلمة واحدة ، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ، قد يعبِّر عن وجه من وجوه التيسير لكنه يثير أكثر من إشكال ، فهو يحصر الرخصة في إبدال كلمة بأخرى ، ويَعُدُّ القراءات الموجودة اليوم لا تدخل في الأحرف السبعة ، ولا يبين القائلون بهذا القول أصل هذا القراءات ومصدرها .
وكذلك فإن الاختلاف بين لغات العرب لا يصل إلى أن يكون للمعنى الواحد لفظ مغاير في كل لغة من تلك اللغات ، لأن الاختلاف بينها إذا وصل إلى هذه الدرجة فإنها ستكون لغات مستقلة لا يجمعها اسم العربية ، ولا يخفى على القارئ أن علماء العربية والقراءة حين يستخدمون كلمة ( لغات) فإنهم يقصدون ما يسميه اللغويون اليوم باللهجات .
ويلخص الدكتور إبراهيم أنيس هذه القضية بقوله : " فلا بد أن تشترك لهجات اللغة الواحدة في الكثرة الغالبة من الكلمات ومعانيها ، وفي معظم الأسس التي تخضع لها بنية الكلمات ، وفوق هذا وذاك في تركيب الجمل ، فإذا اختلفت معاني معظم كلماتها ، واتخذت أسساً خاصة في بنية كلماتها ، وقواعد خاصة في تركيب جملها ، لا تسمى حينئذ لهجة ، بل لغة مستقلة ، وإن ظلت تتصل وغيرها بوشائج تجعلها تنتمي إلى فصيلة واحدة من الفصائل اللغوية "([85]) ، فالقول بوجود هذا الاختلاف في الألفاظ المستخدمة في اللهجات العربية للتعبير عن المعاني أمر لا يتناسب وطبيعة اللغات البشرية وسننها .
وإذا كانت القراءات القرآنية جميعها ، مشهورها ، وشاذها ، ناتجة من رخصة الأحرف السبعة ، فينبغي البحث عن تفسير الأحرف السبعة في إطار الاختلاف بين القراءات ، وإذا كان القرآن الكريم قد نزل بلغة قريش ثم جاءت الرخصة بعد ذلك في التيسير بقراءته بما اعتادوا عليه من لهجاتهم ، فظهرت القراءات ، فإن الأحرف السبعة لا تخرج عن صور التباين بين اللهجات العربية ، ولهذا وجدنا أنظار علماء السلف في تفسير الأحرف السبعة تتجه نحو لغات العرب ، وإن اختلفت وجهات نظرهم في ذلك .
وإذا كانت محاولات تحديد الأحرف السبعة كلها لا تخلو من اعتراض ، فهل من الضروري الإصرار على تعيين السبعة ؟ وصرف الجهد في تأييد قول وردِّ الأقوال الأخرى ؟ والنتيجة في النهاية واحدة ،هي أن هذه القراءات ناتجة من تلك الرخصة .
ولعل مثل هذا الشعور هو الذي حمل طائفة من علماء السلف على القول بأنه من المُشْكِل ، ومرَّ من قبل قول السيوطي : " المختار أن هذا من متشابه الحديث الذي لا يدرى تأويله ، والقدر المعلوم منه تعدد وجوه القراءات"([86]).
ولعل ذلك أيضا هو الذي حمل بعضاً من العلماء على القول بعدم إرادة حقيقة العدد في الحديث ، وإنما الدلالة على التيسير والسعة ، وقد أشار إلى ذلك الخطابي ( ت 388هـ) بقوله : " وقيل فيه وجه آخر ، وهو أن المراد به التوسعة ، وليس حصراً للعدد "([87]).
وقال الأندرابي ( ت 500هـ) : " وقال آخرون : إن لفظ السبعة التي في هذا الخبر جاء على جهة التمثيل ، لأنه لو جاء في كلمة أكثر من سبع قراءات جاز أن يقرأ بها ، كما جاء لمثل ذلك لفظ السبعين في قوله : )إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم [ [ التوبة 80] ، ألا ترى أنه لما قال النبي – صلى الله عليه : " لأزيدن على السبعين " أنزل الله تعالى : )سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم [ [ المنافقون 6] ، روي هذا عن الحسن . ووجه ذلك أن السبعة والسبعين عند العرب أصل للمبالغة في العدد"([88]).
وقال النووي : " قال القاضي عياض ( ت 544 هـ) : قيل هو توسعة وتسهيل ، ولم يقصد به الحصر "([89]).
وقال أبو شامة المقدسي ( ت 665هـ) : " إنه جرى كالمَثَلِ في التعبير على التكثير ، لا حصراَ في هذا العدد، والله أعلم "([90]).
وقال ابن الجزري ( ت 833هـ) : " وقيل ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص ، بل المراد السعة والتيسير ، وأنه لا حرج عليهم في قراءته بما هو من لغات العرب من حيث أن الله تعالى أذن لهم في ذلك ، والعرب يطلقون لفظ السبع والسبعين والسبع مئة ولا يريدون حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر ، قال تعالى : ) كمثل حبة انبتت سبع سنابل[ [البقرة 261] و ) إن تستغفر لهم سبعين مرة [ [ التوبة 80] ، وقال – صلى الله عليه وسلم – في الحسنة : " إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة " ، وكذا حمل بعضهم قوله – صلى الله عليه وسلم : " الإيمان بضع وسبعون شعبة " . وهذا جيد لولا أن الحديث يأباه ، فإنه ثبت في الحديث من غير وجه أنه أتاه جبريل بحرف واحد ، قال له ميكائيل استزده ... حتى بلغ سبعة أحرف ... فدَّل على إرادة حقيقة العدد وانحصاره".([91]).
وقال السيوطي ( ت 911هـ) : " الثاني : أنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد ، بل المراد التيسير والتسهيل والسعة ، ولفظ ( السبعة) يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد ، كما يطلق ( السبعون ) في العشرات و ( السبع مئة) في المئين ، ولا يراد العدد المعين، والى هذا جنح عياض ومن تبعه .
ويَرُدُّهُ ما في حديث ابن عباس في الصحيحين ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال : " أقرأني جبريل على حرف ، فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف " ... فهذا يدل على أرادة حقيقة العدد وانحصاره".([92])
ويمكن أن نخلص من العرض السابق إلى نتيجة تلخص المراد من الأحرف السبعة ، وهو التعبير عن الرخصة في القراءة للصحابة الذين لم تمكنهم عاداتهم اللغوية من نطق القرآن الكريم باللفظ المنزل بلغة قريش ، وذلك بالترخيص لهم بقراءته بعربيتهم التي اعتادوها ونشأوا عليها ، وهي لا تبتعد كثيراً عن عربية قريش التي نزل بها القرآن ، فكانت القراءات القرآنية نتيجة الرخصة .
وإذا كانت السبعة لم تتعين بنص من النبي - صلى الله عليه وسلم – ولا بإجماع من الصحابة ، وقد اختلفت فيها أقوال العلماء وتباينت ، وذهب بعضهم إلى أنها من المشكل الذي لا يُدرى معناه، وقال آخرون:لم يقصد بالسبعة حقيقة العدد ، فإن صرف النظر عن تحديد السبعة إلى دراسة ما أنتجته الرخصة من قراءات وتحديد علاقتها بالمصحف الذي أجمع عليه الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم – أمر أكثر أهمية وفائدة .
ومما يكمل الحديث عن دلالة الأحرف السبعة البحث عن مدى الرخصة ، والإجابة عن التساؤل عن مقدار ارتباط كل الوجوه التي ترتبت عن الرخصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم – وصدورها عنه ؟
4. الأحرف السبعة توقيف أم اجتهاد :
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يتلقى القرآن من جبريل – عليه السلام – ثم يتلوه على صحابته ، ويأمر كتبة الوحي بكتابته ، وكان ذلك يجري على لسان قريش ، ثم جاءت رخصة الأحرف السبعة ولم تتغير طريقة إنزال القرآن وتبليغه ، لكن الرخصة أدَّت إلى ظهور وجوه جديدة في القراءة ، إلى جانب قراءته بلغة قريش التي أُنزل بها ، وكُتِبَ عليها .
وللباحث أن يتساءل عن مصدر القراءات الناتجة عن رخصة الأحرف ، وهل كان مصدرها الوحي مثل القراءة العامة التي تلقى بها النبي - صلى الله عليه وسلم – القرآن من جبريل – عليه السلام – أو نزل القرآن بحرف واحد وقراءة واحدة ثم قرأه النبي – صلى الله عليه وسلم – بالقراءات ، أو أقّر للصحابة القراءة بالوجوه التي كانوا يقرؤونها ، بحسب ما تيسر لهم .
يمكن للدارس أن يجد قولين في هذه المسألة ، وإن كان معظم علماء السلف لم يتعرضوا لها بالنقاش ، وأقدم من أثار هذا التساؤل حول الموضوع ، في ما اطلعت عليه ، هو ابن خالويه ( ت 370هـ) ، فقال في كتابه ( إعراب القراءات السبع وعللها ) : " فإن سأل سائل فقال : أهذه الحروف نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بهذا الاختلاف والوجوه ، أم نزلت بحرف واحد ، وقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – باللغات ؟
فالجواب في ذلك ، وبالله التوفيق :
أن طائفة قالت : إنها نزلت على سبعة أحرف من سبعة أبواب في العرضات التي كان جبريل عليه السلام ينزل بكل سنة فيعرض عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم.
وقال آخرون : بل نزل القرآن بلغة قريش ، وبحرف واحد نحو ) مالك يوم الدين[ [ الفاتحة 4] بأسرها ، ثم أمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم – تسهيلاً على امته ، أن يقرأ كل قوم بلغتهم ، وهي سبع لغات متفرقة في القرآن"([93]).
وقال السيوطي : " وقد حكوا خلافاً غريباً في الآية إذا قُرئت بقراءتين ، فحكى أبو الليث السمرقندي ( ت 375هـ) في كتاب البستان قولين :
أحدهما : أن الله قال بهما جميعاً .
والثاني : أن الله قال بقراءة واحدة ، إلا أنه أذِنَ أن نقرأ بقراءتين ... قال : فإن قيل : إذا قلتم:إنه قال بإحداهما ، فأي القراءتين هي؟ قلنا : التي بلغة قريش ، انتهى"([94]).
وصرح عدد من علماء السلف أن القراءات كلها منزلة ، فقال أبو عمرو الداني ( ت 444هـ) : " ووجه هذا الاختلاف في القراءات أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يعرض القرآن على جبريل – عليه الصلاة والسلام – في كل عام عرضة ، فلما كان في العام الذي توفي فيه عرضه عليه عرضتين ، فكان جبريل – عليه الصلاة والسلام – يأخذ عليه في كل عرضة بوجه وقراءة من هذه الأوجه والقراءات المختلفة ، ولذلك قال – صلى الله عليه وسلم - : إن هذا القرآن أنزل عليها ، وأنها كلها شافٍ كافٍ ، وأباح لأمته القراءة بما شاءت منها ، مع الإيمان بجميعها ، والإقرار بكلها ، إذ كانت كلها من عند الله تعالى منزلة،ومنه – صلى الله عليه وسلم – مأخوذة"([95]).
وقال أيضا : " وهذه القراءات كلها والأوجه بأسرها من اللغات هي التي أنزل القرآن عليها ، وقرأها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأقرأ بها ، وأباح الله تعالى لنبيه القراءة بجميعها ، وصَّوب الرسول- صلى الله عليه وسلم–من قرأ ببعضها دون بعض"([96]).
وقال البغوي ( ت 510هـ) : " إذ ليس معنى هذه الحروف أن يقرأ كل فريق بما شاء مما يوافق لغته من غير توقيف ، بل كل هذه الحروف منصوصة وكلها كلام الله عز و جل – نزل بها الروح الأمين على النبي – صلى الله عليه وسلم- "([97])
وقال ابن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ) : " إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي , أي أن كل أحد يُغَيِّرُ الكلمة بمرادفها في لغته ، بل المراعى في ذلك السماع من النبي – صلى الله عليه وسلم – ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب : أقرأني النبي – صلى الله عليه وسلم – "([98])
وجاء في بعض الروايات وأقوال بعض العلماء ما يفهم منه صدور بعض القراءات من الصحابة من دون توقيف ، فقال ابن حجر : " لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ، ولم يكن مسموعاً له ، ومن ثم أنكر عمر على ابن مسعود قراءته ( عتى حين) أي : حتى حين ، وكتب إليه " أن القرآن لم ينزل بلغة هذيل ، فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل". وكان ذلك قبل أن يجمع عثمان الناس على قراءة واحدة"([99])
ونقل ابن جني في ( المحتسب) ثلاث قراءات عن أنس بن مالك استدل بها على جواز القراءة بالمرادف، وهي :
1. ومن ذلك ما رواه الأعمش ،قال : سمعت أنساً يقرأ : ( لَوَلّوْا إليه وهو يجمزون) قيل له : وما يجمزون ؟ إنما هي : يجمحون [ التوبة 57]، فقال : يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد .
قال أبو الفتح : ظاهر هذا أن السلف كانوا يقرؤون الحرف مكان نظيره من غير أن تتقدم القراءة بذلك، لكنه لموافقته صاحبه في المعنى. ([100]).
2. عن الأعمش عن أنس أنه قرأ :( وأقومُ قيلاً ) [ المزمل 6] : و أصوب ، فقيل له : يا أبا حمزة ، إنما هي : ( وأقوم قيلاً) ، فقال أنس : إن أقوم وأصوب وأهيأ واحد .
قال أبو الفتح : هذا يؤنس بأن القوم كانوا يعتبرون المعاني ، ويخلدون إليها ، فإذا حصلوها وحصنوها سامحوا أنفسهم في العبارات عنها([101])
3. وقرأ أنس في ما رواه أبان عنه ( وحططنا عنك وزرك) ، قال : قلت : يا أبا حمزة : ( ووضعنا)[ الشرح2] ، قال : وحللنا وحططنا عنك وزرك سواء . إن جبريل أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : اقرأ على سبعة أحرف ، ما لم تخلط مغفرة بعذاب ، أو عذاباً بمغفرة([102]).
ونقل أبو محمد بن بسطام عن شيخه محمد بن الهيصم قوله : " أما القراءات فإنها على ثلاثة أوجه :
منها : أن يغلط القارئ فيقرأ على خلاف ما هو الحق ، وذلك ما لا يجوز أن يعتدَّ به في قراءات القرآن ، وإنما يرجع لومه على الغالط به ...
والوجه الثاني : من القراءات أن يكون القرآن قد نزل على لغة ، ثم خرج بعض القراء فيه إلى لغة أخرى من لغات العرب ، مما لا يقع فيه خلاف المعنى ، فتُرِكَ النكير عليه تيسيراً وسعة ، وقرأ به بعض القراء وذلك بمنزلة ما ذكر عن أنس بن مالك أنه قرأ " وحللنا عنك وزرك " ، ولا ينكر أن يكون قد قرئ من هذا الضرب بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم ينكره ...
والوجه الثالث : من القراءات هو ما اختلف باختلاف النزول بما كان يَعْرِضُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – القرآن على جبريل في كل شهر رمضان وذلك بعد ما هاجر إلى المدينة ، فكان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يتلقون منه حروف كل عرض ، فمنهم من يقرأ على حرف ، ومنهم من يقرأ على آخر ، إلى أن لطف الله عز وجل بهم ، فجمعهم على آخر العرض .." ([103]).
وأنكر عدد من العلماء أن يكون الصحابة قد قرؤوا بالمعنى ، فقال أبو بكر بن الأنباري ( ت 327هـ) معلقاً على ما رواه الأعمش عن أنس من أنه قرأ ( وأصوب قيلاً) : " وقد ترامى ببعض هؤلاء الزائغين إلى أن قال : من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن فهو مصيب إذا لم يخالف معنى ، ولم يأت بغير ما أراد الله وقصد له ، واحتجوا بقول أنس هذا ، وهو قول لا يعرج عليه ولا يلتفت إلى قائله ، لأنه لو قرأ بألفاظ تخالف ألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها واشتملت على عامتها لجاز أن يقرأ في موضع ( الحمد لله رب العالمين ) : الشكر للباري ملك المخلوقين ، ويتسع الأمر في هذا حتى يبطل جميع القرآن ، ويكون التالي له مفترياً على الله عز وجل ، كاذباً على رسوله – صلى الله عليه وسلم - .
ولا حجة لهم في قول ابن مسعود نزل القرآن على سبعة أحرف ، إنما هو كقول أحدكم : هلم وتعال وأقبل ، لأن هذا الحديث يوجب أن القراءات المأثورة المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا اختلفت ألفاظها واتفقت معانيها كان ذلك بمنزلة الخلاف في هلم وتعال و أقبل ، فأما ما لم يقرأ النبي – صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وتابعوهم – رضي الله عنهم – فإنه من أورد حرفاً منه في القرآن فقد بهت ومال وخرج من مذهب الصواب .
قال أبو بكر : والحديث الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة حديث لا يصح عن أحد من أهل العلم ، لأنه مبني على رواية الأعمش عن أنس ، فهو مقطوع ليس بمتصل ، فيؤخذ به ، من قبل أن الأعمش رأى أنساً ولم يسمع منه([104]).
وأكد هذا المعنى أيضا أبو بكر الباقلاني ( ت 403هـ) وذلك حيث قال : " وكيف يجوز لقائل أن يقول : إن القراءة بالمعنى جائزة مع العلم بما كانوا عليه من المثابرة على نقل القرآن على ما سمعوا وشدة تحاميهم في ذلك وكثرة الروايات فيه ... ويدل على ذلك أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " رحم الله امرءاً سمع مقالتي فأداها كما سمعها ، فربُّ حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " فكيف يأخذ عليهم أن يؤدوا مقالته كما سمعوها منه ويبيح لهم مع ذلك نقل القرآن بالمعنى ؟ هذا ما لا يقول محصل (كذا)، وقد أجمع الكل ممن أجاز رواية الحديث [ بالمعنى] ومن لم يجز ذلك على منع قراءة القرآن بالمعنى ... ".([105])
ومن علماء السلف من حمل ما يروى من قراءات مخالفة لخط المصحف ، بزيادة كلمة أو تبديل كلمة بأخرى ، على التفسير ، قال أبو بكر الباقلاني : " وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل، نحو قوله : ( الصلاة الوسطى )[ البقرة 238] وهي صلاة العصر.."([106]).
وقال أيضا : " ويجوز أن يكون كل سامع منهم لهذه القراءات أو واجد لها في مصاحفهم إنما كان منهم على وجه التفسير و التذكرة لهم ، والإخبار لمن سمع القراءة أن هذا هو المراد ، نحو قوله ( والصلاة الوسطى ) وهي صلاة العصر"([107]).
وقال المهدوي ( ت 440هـ) : " وحملوا جميع ما جاء من الروايات مخالفاً لخط المصحف ، إذا تيقنت صحته ، على التفسير ، لا أنه من التلاوة "([108]).
ويؤيد ذلك ما رواه الترمذي عن مجاهد بن جبر المكي أنه قال :" لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج إلى أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت "([109]). قال شارحه المباركفوري : " أي لِمَا وقع في قراءته تفسير كثير من القرآن"([110]).
وللحديث عن القراءات المخالفة للخط موضع آخر من هذا البحث ، وإنما الذي يعنينا هنا هو توضيح موقف العلماء من أصل القراءات القرآنية ومدى ارتباطها بالوحي المنزل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولعل موقف أبي شامة المقدسي ( ت 665هـ) أقرب إلى تمثيل وجهة نظر أكثر علماء السلف في هذا الموضع ، ويصلح أن نختم به حديثنا عن هذه المسألة .
قال أبو شامة معقباً على قول زيد بن ثابت – رضي الله عنه - : " القراءة سنة " : " وقلت وهذه السنّة التي أشاروا إليها هي ما ثبت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نصاً أنه قرأه أو أَذِنَ فيه على ما صح عنه : ( إن هذا القرآن نزل على سبعة احرف ) ، فلأجل ذلك كثر الاختلاف في القراءة في زمانه - صلى الله عليه وسلم – وبعده إلى أن كتبت المصاحف"([111]).
وقد جاء في موضع آخر من كلام أبي شامة ما يوضح قوله هذا بما لا يدع في موقفه من هذه القضية أي غموض أو لبس ، فقال وهو يتحدث عن كتابة المصحف : " المجموع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به ، وهو ما كتب بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم – أو ثبت عنه أنه قرأ به أو أقرأ غيره به ... وأما ما لم يرسم فهو مما كان جوَّز به القراءة وأَذِنَ فيه ، ولما أُنزل ما يكن بذلك اللفظ خَيّرَ بين تلك الألفاظ ، توسعة على الناس وتسهيلاً عليهم ، فلما أفضى ذلك إلى ما نقل من الاختلاف والتكثير اختار الصحابة - رضي الله عنهم – الاقتصار على اللفظ المنزل المأذون في كتابته ، وترك الباقي للخوف من غائلته ، فالمهجور هو ما لم يثبت إنزاله ، بل هو من الضرب المأذون فيه بحسب ما خف وجرى على ألسنتهم"([112]).
وأود أن أذكّر القارئ في آخر هذا العرض بعدد من النقاط ، منها :
1. ثبت أن جبريل – عليه السلام – كان يدارس النبي – صلى الله عليه وسلم- القرآن
في شهر رمضان من كل عام ، وكان يعارضه بالقرآن ، وأنه عرض عليه القرآن في
العام الذي قُبِضَ فيه مرتين([113]). لكن القول إنه كان يعارضه في كل عام بحرف من الأحرف السبعة لم يثبت بنص عنه – صلى الله عليه وسلم- وإنما هو شيء استنتجه بعض العلماء ، واستشكله آخرون([114])
2. إن تعليم الصحابة القرآن كانت عملية مستمرة ، لتتابع نزول القرآن ، ولتتابع دخولهم في الإسلام ، وكانت تلك العملية كبيرة وشاقة ، ما كان يتأتى للنبي – صلى الله عليه وسلم – أن يتولاها بنفسه في جميع الأوقات ، ولهذا كان إذا دخل رجل في الإسلام دفعه إلى بعض الصحابة وقال لهم : فقِّهوا أخاكم في دينه وأقرئوه وعلموه القرآن.([115]) وحين تتابعت الوفود على المدينة في السنة التاسعة من الهجرة كان أبيُّ بن كعب يعلِّم تلك الوفود القرآن([116]).
وبناء على ذلك يصعب القول إن النبي – صلى الله عليه وسلم – علّم كل صحابي القراءة على لغته التي اعتاد عليها ، لأن ذلك يحتاج من الوقت والجهد ما لم يكن يسمح به وقت النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي كان مشغولاً بالدعوة والتعليم والتربية لأصحابه ، وبالجهاد والقتال لأعدائه ، والأقرب إلى التصور أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يعلِّم الصحابة ما ينزل عليه من القرآن ، ويأمرهم بكتابته ، ويقرؤه عليهم في صلواته ، ورخَّص لهم بقراءته بما يستطيعون من وجوه النطق ،وكان يتابع ذلك معهم بين الحين والآخر فيسمعه منهم فرادى أو جماعات ، على نحو ما مرّ ذكره .
3. إن عصر الرسالة له خصوصية في أمور كثيرة ، لأنه عصر بدء الدعوة لهذا الدين الجديد ، ونشره ، وتأسيس دولته ، فكانت السنوات الثلاث والعشرون التي عاشها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد بعثته مليئة بالحركة والتنقل والدعوة والتعليم والتربية ، وكان أصحابه يجارونه في تلك الحركة ، وكان حالهم من الأمية واختلاف اللغات وضيق الأوقات قد جلب لهم الرخصة في القراءة ، حتى لا يُحْرَمَ أحد من الصحابة من قراءة القرآن وتعلمه ونيل ثوابه والتفقه فيه . ولم تكن هناك مدارس ولا معاهد ، ولا كتب ولا وسائل للتعليم ، سوى التلقين والمشافهة ، فجاءت الرخصة لتسهِّل عليهم تلقي القرآن وحفظه على ما هم عليه من تباين اللغات وانعدام وسائل التعلم في أول ذلك العهد.
4. قد لا يكون البحث عن جواب للتساؤل عن مدى ارتباط القراءات القرآنية بالوحي الآن مهماً بقدر أهمية البحث في مدى انعكاس الرخصة في القراءة على كتابة القرآن وتدوينه . فالقراءات المنقولة كلها صحيحها وشاذها ترتبط بما قرأ به النبي – صلى الله عليه وسلم – وأقرأه أو أذن به ، وأخذه الصحابة عنه وقرؤوا به ، لكن كتابة القرآن كانت تعتمد على اللفظ المنزل المتلقى من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلم تنعكس الرخصة على الكتابة ، وهو ما سأبحثه في الفقرة الآتية من هذا البحث ،إن شاء الله .
5. في الختام أقول ما قاله أستاذي الدكتور عبد الصبور شاهين من قبل : " ليس من حقنا ، ولا في مقدورنا أن نعطي عن ذلك إجابة محددة ، ولكن الذي يُعين سياق الأحاديث على القول به ، أن بعضها كان إقراءً منه – صلى الله عليه وسلم – وبعضها الآخر كان إقراراً لمن أقرأه ، أو استمع إلى قراءته ، ولم يستطع أن يأتي بحروف النبي [ صلى الله عليه وسلم] على وجه الدقة ، لاختلاف اللهجة وتفاوت القدرة ... "([117]).
ثانياً : علاقة رخصة الأحرف السبعة بكتابة القرآن
(1) مراحل كتابة القرآن والأسس التي قامت عليها :
مرّت كتابة القرآن بثلاث مراحل ، يستند بعضها إلى بعض ،أولاها : كتابته على الرقاع في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم – وثانيتها : جمع الرّقاع في الصحف في خلافة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – وثالثتها نسخ الصحف في المصاحف في خلافة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – ولسنا بحاجة هنا للدخول في تفصيل تلك المراحل ، وإنما الذي يهمنا هو تتبع الأسس التي قامت عليها الكتابة ومدى انعكاس رخصة الأحرف السبعة عليها .
كان زيد بن ثابت أشهر كتبة الوحي في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وكان مختصاً بهذا العمل معنياً به ، وبيته قريب من بيت رسول الله ، فهو يقول : " كنت جار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فكان إذا نزل الوحي أرسل إليَّ فكتبت الوحي "([118]). وكان يحتفظ في بيته بأدوات الكتابة فإذا نزل الوحي قال رسول الله : " أدْعُ لي زيداً ، وَلْيَجِئْ باللوح والدواة "([119]).
وكانت كتابة القرآن في هذه المرحلة تخضع للمتابعة والمراجعة والتدقيق من لدن النبي – صلى الله عليه وسلم- فتدقق بعد الكتابة مباشرة ، يقول زيد : " كنت أكتب الوحي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وهو يُمْلِي عليَّ ، فإذا فرغتُ قال : اقرأهُ فأقرؤُهُ ، فإن كان فيه سقطٌ أقامه ، ثم اخْرُجُ به إلى الناس "([120]). وتُراجع الرقاع بعد ذلك من كتبة الوحي ، قال زيد : " بينما نحن حول ( وفي رواية عند ) رسول الله - صلى الله عليه وسلم – نؤلف القرآن من الرقاع ، إذ قال : طوبى للشام ! قيل : يا رسول الله ولم ذاك ؟ قال : إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها".([121])
وتوفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم - والقرآن في الرقاع لم يجمع في صحف ، قال محمد بن شهاب الزهري:" قُبِضَ النبي- صلى الله عليه وسلم- ولم يكن القرآن جُمع في شيء ، وإنما كان في الكرانيف والعسب "([122]). وكان القرآن كله كُتِبَ في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في الصحف والألواح والعسب ، لكن غير مجموع في موضع واحد.([123])
وليس هناك ما يشير إلى دخول شيء من وجوه القراءة التي جاءت بها رخصة الأحرف السبعة في كتابة القرآن في هذه المرحلة ، فالقرآن كان يُكتب بإملاء النبي - صلى الله عليه وسلم – ويقرؤه زيد بعد الفراغ من الكتابة للتأكد من صحة المكتوب ، ولم يكن صعباً على زيد بن ثابت تفهم نطق النبي - صلى الله عليه وسلم – للقرآن ، وكتابته ، فلم تكن الفوارق اللغوية كبيرة بين لغة قريش ولغة أهل المدينة ، وكلاهما ترجعان إلى مجموعة لغوية عربية واحدة هي اللغة الحجازية ، ومن المرجح أن قراءة زيد بن ثابت للقرآن كانت تماثل قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – لتلقيها منه ، وكتابتها بين يديه ، واعتياده لها لكثرة سماعها منه – صلى الله عليه وسلم - .
وصرّح الشيخ محمد أبو زهرة إن كتابة القرآن في هذه المرحلة لم يدخلها شيء من رخصة الأحرف السبعة ، وذلك في قوله : " إن الذي كتب في عصر النبي – صلى الله تعالى عليه وسلم – لم يعتره تغيير ، ولم تجر عليه الحروف السبعة ، وإن الحروف السبعة كانت في قراءة القرآن لا في كتابته ".([124])
وفي خلافة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – جُمِعَ القرآن في الصحف بعد أن كان مفرقاً في الرقاع ، وقام بالعبء الأكبر في ذلك العمل كاتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – زيد بن ثابت ، وقال له أبو بكر : " إنك رجل شابٌّ ،عاقلٌ ، لا نَتَّهِِمُك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – فتتبع القرآن فاجمعه " ، وكان ذلك بعد حروب الردة ، ومعركة اليمامة خاصة ، في قصة معروفة رواها البخاري وغيره.([125])
وكان هدف أبي بكر من ذلك جَمْعَ القرآن في صحف منظمة يُؤْمَنُ معها ضياع شيء من القرآن ، ولم يكن ما قام به زيد سوى نقل الرقاع المتفرقة إلى صحف متتابعة يضمها لوحان ، وليس هناك ما يشير إلى تتبع زيد للقراءات التي ترتبت على الرخصة ، لتثبيتها في الصحف ، فإذا كان الراجح أن ما كُتِبَ بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم – من القرآن كان بلسان قريش ، ولم تدخله آثار رخصة الأحرف السبعة فإن الصحف تابعة في ذلك للأصل الذي نُقلت منه .
وذهب عدد من العلماء إلى أن الصحف كانت محتوية جميع الأحرف السبعة ونسب ابن الجزري هذا المذهب إلى عدد من العلماء ، وذلك في قوله :" والحق ما تحرر من كلام الإمام محمد بن جرير الطبري وأبي عمر بن عبد البر ، وأبي العباس المهدوي ، ومكي بن أبي طالب ، وأبي القاسم الشاطبي ، وابن تيمية وغيرهم ، وذلك أن المصاحف ( كذا) التي كتبت في زمن أبي بكر–رضي الله عنه – كانت محتوية على جميع الأحرف السبعة([126])
ولم أجد في ما اطلعت عليه من كلام هؤلاء العلماء النص على ذلك سوى الشاطبي ( ت590هـ) الذي قال في قصيدته ( عقيلة أتراب القصائد ) التي نظم فيها كتاب ( المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار ) لأبي عمرو الداني([127]):
فأجْمَعُوا جَمْعَهُ في الصُّحْفِ واعتمدوا زَيد بن ثابتٍ العدلَ الرضى نظرا
فقامَ فيه بعونِ اللهِ يَجْمَعُهُ بالنُّصْحِ والجدِ والعزمِ الذي بهرا
من كلّ أوْجُهِهِ حتى اسْتَتَمَّ لـهُ بالأحرفِ السبعةِ العليا كما اشتهرا
وصرح الداني بذلك في (المقنع ص120) حيث قال : " إن أبا بكر – رضي الله عنه – كان قد جمعه أولاً على السبعة الأحرف التي أذن الله عز وجل للأمة في التلاوة بها ، ولم يخص حرفاً بعينه ، فلما كان زمان عثمان ووقع الاختلاف بين أهل العراق وأهل الشام في القراءة وأعلمه حذيفة بذلك رأى هو ومن بالحضرة من الصحابة أن يجمع الناس على حرف واحد من تلك الحرف وأن يسقط ما سواه " . وأشار الداني إلى ذلك أيضاً في كتابه الكبير ( جامع البيان في القراءات السبع المشهورة ) ([128])
وتابع شرَّاح العقيلة ناظمها في القول بذلك ، فقال علم الدين السخاوي : " فجمع زيد بن ثابت - رضي الله عنه – هذه الأحرف السبعة وكانت متفرقة في الصحابة، ومجموعة عند بعضهم"([129]) . وكذلك فعل ابن القاصح في شرحه (تلخيص الفوائد) [ ص 13] ، لكن الجعبري استشكل عبارة الشاطبي ، و حاول إيجاد دليل عليها ، فقال : " ودل قوله:(حتى استتم له بالسبعة الأحرف) على أن زيداً كتب القرآن كله بجميع وجوه قراءاته ، والمُعبَّّر عنها بـ ( السبعة الأحرف ) ، وليس في كلام أبي بكر وزيد - رضي الله عنهما – تصريح بذلك ، بل هو مفهوم سياق كلامهما ، لأن أبا بكر أمر بكتابة القرآن كله ، وكل حرف من الحروف السبعة بعض من أبعاض القرآن ، فلو أخلَّ ببعضها لم يكن قد كتب القرآن كله"([130])
والذي أرجحه هو خلو الصحف من أي أثر لرخصة الأحرف السبعة ، لكونها منقولة من الرقاع التي كَتَبَ عليها زيد بن ثابت القرآن في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم – والتي كُتِبَتْ على لغة قريش المنزَّل عليها القرآن ، والسياق التاريخي يدل على ذلك ، لأن جمع تلك الوجوه في الكتابة أمر بالغ الصعوبة والتعقيد ، وأنه لا ضرورة تدعو إلى تجشم عناء تلك المهمة ، ما دام اللفظ المنزل للقرآن محفوظاً .
وبَينَ السنةِ الثانية عشرة من الهجرة ، التي كُتِبَتْ فيها الصحف ، والسنة الخامسة والعشرين التي نُسِخَتْ فيها المصاحف ، اتسعت بلاد الإسلام ، وتضاعف عدد المسلمين ، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ، وتولى ذلك علماء القراءة من الصحابة ، واستغرق ذلك معظم خلافة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه –الذي أبدى اهتماماً عظيماً بتعليم الناس القرآن والفقه والعربية ، فأرسل المعلمين إلى الأمصار لتعليم القرآن ، فكان زيد بن ثابت وأبي بن كعب في المدينة ، وعبد الله بن مسعود في الكوفة ، وأبو موسى الأشعري في البصرة ، وأبو الدرداء في دمشق ، ومعاذ بن جبل في فلسطين ، وعبادة بن الصامت في حمص([131]). وتكونت حول هؤلاء الصحابة مدارس لإقراء القرآن والتفسير والفقه .
وكان من نتائج تلك الجهود في تعليم القرآن أمور منها :
(1) بروز الخلاف في القراءة ، وهو استمرار للوجوه التي كان يقرأ بها الصحابة القرآن ، في ظل رخصة الأحرف السبعة ، لكن الأجيال اللاحقة لم تكن تدرك ما أدركه الصحابة من حكمة تلك الرخصة ، فاشتد الجدل بين المعلمين والمتعلمين ، وجعل بعضهم يخطّئُ قراءة الآخر([132]).
(2) ظهرت في الأمصار مصاحف مكتوبة على قراءة الصحابة الذين أخذوا عنهم القرآن ، قال ابن عطية : " واشتهرت في خلال ذلك صحف في الآفاق كُتِبَتْ عن الصحابة ، كمصحف ابن مسعود ، وما كُتِبَ عن الصحابة في الشام ، ومصحف أبي بن كعب ، وغير ذلك . وكان في ذلك اختلاف حسب السبعة الأحرف التي أنزل القرآن عليها"([133]).
وجعل ذلك عثمان بن عفان يفكر في جمع الأمة على مصحف واحد ، بعد أن بلغه اختلاف الناس في القراءة ، وكان أول ما بدأ به هو استشارة الصحابة الذين في المدينة حول ذلك الأمر ، فقالوا : نعم ما رأيت([134]). واتخذ من الصحف التي جمع فيها زيد بن ثابت القرآن في خلافة أبي بكر أساساً لنسخ المصاحف الجديدة .
وانتدب الخليفة لهذا العمل أربعة من الصحابة ، من ذوي الحفظ والمعرفة بالكتابة ، وهم زيد بن ثابت الأنصاري ، وثلاثة من أبناء المهاجرين من قريش وهم : عبد الله بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، على ما جاء في رواية البخاري في صحيحة.([135])
وحدد الخليفة لهؤلاء الصحابة الأساس اللغوي الذي يستندون إليه في تثبيت نص القرآن ، والقراءة التي يرسمون نطقها في المصاحف ، فجاء في تلك الرواية : " وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل القرآن بلسانهم " ، وسبق تحقيق القول في مسألة نزول القرآن بلغة قريش بما يغني عن إعادة الكلام عليها هنا مرة أخرى .
والقضية التي ينبغي الوقوف عندها هي تحديد دلالة كتابة القرآن بلسان قريش ،وقد حمله الجعبري على ( مصطلحهم في الكتابة ) ([136]) ، لكن علم الدين السخاوي فسره بقوله : " يريد لحنهم ولسانهم ولغتهم "([137]) ، وهو الرأي الراجح ، لأن الخلاف كان في القراءة والنطق وليس في مصطلح الرسم ، وحين عرضوا المصاحف وتوقفوا عند بضعة كلمات ، منها : ( التابوت ) و ( لم يتسنه ) سألوا علماء القراءة عنها مثل أبي بن كعب وزيد بن ثابت ، لتحقيق كيفية النطق ، وليس لمعرفة شكل الكتابة([138]).
وجاء في كثير من المصادر تسمية القراءة التي كُتِبَ عليها المصحف المستندة إلى لغة قريش باسم قراءة العامة([139])، وقراءة الجماعة([140])، وقد تسمى قراءة زيد بن ثابت ، لأنه كتبها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – وقرأها عليه ، وشهد العرضة الأخيرة ، وكان يقرئ الناس بها حتى مات ، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه ،وولاه عثمان كتب المصاحف.([141])
وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي ( ت 74هـ) قوله : " كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة ، كانوا يقرؤون قراءة العامة ، وهي القراءة التي قرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – على جبريل مرتين في العام الذي قُبِضَ فيه ، وكان علي - رضي الله عنه – طول أيامه يقرأ مصحف عثمان ويتخذه إماماً ".([142])
وذهب عدد من العلماء إلى أن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة ، فقال القاضي أبو بكر الباقلاني : " الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وضبطتها عنه الأمة ، وأثبتها عثمان والجماعة في المصحف، وأخبروا بصحتها،وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواتراً".([143])
وقال الداني : " ... وأن أمير المؤمنين عثمان – رضي الله عنه – ومن بالحضرة من جميع الصحابة قد أثبتوا جميع تلك الأحرف في المصاحف وأخبروا بصحتها ،وأعلموا بصوابها ، وخيّروا الناس فيها ... وأن من هذه الأحرف حرف أبي بن كعب ، وحرف عبد الله بن مسعود، وحرف زيد بن ثابت ... "([144]) وقد يبدو رأي الداني هذا مناقضاً لما قاله في (المقنع ص 120) الذي مر من قريب.
ولا شك في أن جمهور العلماء يذهبون إلى أن مصحف عثمان كُتِبَ على حرف واحد ، وهو حرف زيد بن ثابت ، المستند إلى لغة قريش ، وأن الأحرف الستة الأخرى لم تدخل في الكتابة ، وقال الطبري : إن عثمان – ر ضي الله عنه – قد أسقطها وتُرِكَت القراءة بها([145]) . وهذا قول قد جمع فيه الطبري بين الصواب وغيره ، وهو محض اجتهاد منه ، وقد ناقشه العلماء وبينوا وجه الحق فيه.([146])
ويجب التفريق بين القول : إن مصحف عثمان كُتِبَ على حرف واحد وقراءة واحدة ، وهو أمر ثابت ، ويتناسب مع الغاية التي أرادها عثمان والصحابة من نسخ المصاحف ، وبين القول : إن رسم المصحف يحتمل أكثر من حرف أو قراءة ، بسبب تجرد الكتابة من النقط والشكل . قال مكي بن أبي طالب : " فالمصحف كُتِبَ على حرف واحد ، وخطه محتمل لأكثر من حرف ، إذ لم يكن منقوطاً ولا مضبوطاً
، فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية "([147]). وسأتحدث عن القضية في الفقرة الآتية .
(2) القراءات القرآنية بعد نسخ المصاحف العثمانية :
من الحقائق التي تمخض عنها البحث في أصول الكتابة العربية في عصر صدر الإسلام أنها كانت خالية من نِقاط الإعجام وعلامات الحركات ، وكان الداني قد قال قديماً : " إن العرب لم تكن أصحاب نقط وشكل "([148]). وكانت المصاحف العثمانية مجردة من تلك العلامات شأنها شأن ما كان يكتب بالعربية في ذلك الزمان .
وذهب بعض علماء السلف إلى أن الصحابة جرَّدوا المصاحف من النقط والشكل ليحتمل خطها أكثر من قراءة ، فالداني الذي قال : إن العرب لم تكن أهل نقط وشكل ، يقول : " وإنما أخلى الصدر منهم المصاحف من ذلك ومن الشكل من حيث أرادوا الدلالة على بقاء السعة في اللغات والفسحة في القراءات التي أذن الله تعالى لعباده في الأخذ بها والقراءة بما شاءت منها،فكان الأمر على ذلك إلى أن حدث في الناس ما أوجب نقطها وشكلها"([149]) . وأشار إلى ذلك ابن تيمية أيضا ،حين قال في إجابته المشهورة عن سؤال حول الأحرف السبعة : " فإنه إذا كان قد سَوَّغ لهم أن يقرؤوه على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ ، مع تنوع الأحرف في الرسم ، فَلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك في الرسم وتنوعه في اللفظ أولى وأحرى . وهذا من أسباب تركهم المصاحف أول ما كُتِبَتْ غير مشكولة ولا منقوطة ، لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين ، كالتاء والياء ، والفتح والضم ، وهم يضبطون باللفظ كلا الأمرين ، وتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهاً بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المفهومين "([150]). وأخذ ابن الجزري هذه الفكرة عن ابن تيمية([151])، وذكرها بعض المحدثين([152])، لكنها فكرة لا يؤيدها ما عُرِف من تاريخ الكتابة العربية ، فلم تَعْرِفِ الكتابة العربية نظاماً لنقاط الإعجام وللحركات إلا على يد أبي الأسود الؤلي ( ت 69هـ) ونصر بن عاصم الليثي ( ت 90هـ) والخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 170هـ) ([153]).
وإذا كانت القراءة تتوقف صحتها والأخذ بها على روايتها وتلقيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم – وصحابته ، فإن موافقتها لرسم المصاحف العثمانية صارت شرطاً ثانياً يميز بين القراءة الصحيحة المقبولة والقراءة الشاذة المتروكة ، وصار الرسم " هو الركن الأعظم في إثبات القرآنية للقرآن"([154]) ، وإنما حصَّل مصحف عثمان - رضي الله عنه – هذا المحل لإجماع الصحابة وسائر الأمة عليه([155]).
ومما يلفت النظر ، ويثير العجب قول ابن حزم : " فمن أين وجب أن يراعى خط المصحف ، وليس هو من تعليم رسول الله ، لأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، واتباع عمل من دون توقيف منه - عليه السلام - لا حجة فيه ولا يجب قوله"([156]). لكن رسم المصحف وإن لم يكن من تعليم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإنه كُتِبَ بين يديه ، وعلى لفظه ، وكان يستعيد ما كتبه الكاتب ليتأكد من صحته ، وهو من عمل الصحابة الذين تلقوا القرآن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ونحن لم نعرف القرآن إلا عن طريقهم ، وصارت المصاحف العثمانية أصح وثيقة لحفظ نص القرآن الكريم ، منذ أن كتبت المصاحف إلى زماننا هذا .
وبعد نسخ المصاحف في خلافة عثمان ، وتفريقها في الأمصار ، وتحريق ما سواها ، صارت هي الحجة في قراءة القرآن ، فما وافق رسم هذه المصاحف من القراءات المروية عن الصحابة كان مقبولاً وصحت القراءة به ، وما كان مخالفاً لرسمها تُرِكت القراءة به ، وإن كان مروياً ، لمخالفته خط المصحف الذي أجمع الصحابة على كتابته ، وتكفي في تأكيد هذه الحقيقة بضعة نصوص :
قال أبو عبيد ( ت 224هـ) في كتابه ( فضائل القرآن) بعد أن ذكر الروايات التي تخالف خط المصحف " ويُحْكَمُ بالكفر على الجاحد لهذا الذي بين اللوحين خاصة ، وهو ما ثبت في الإمام الذي نسخه عثمان بإجماع من المهاجرين والأنصار ، وإسقاط ما سواه ، ثم أطبقت الأمة .. فأما ما جاء من هذه الحروف التي لم يؤخذ علمها إلا بالإسناد والروايات التي يعرفها الخاصة من العلماء دون عوام الناس ، فإنما أراد أهل العلم منها أن يستشهدوا بها على تأويل ما بين اللوحين ، وتكون دلائل على معرفة معانيه وعلم وجوهه ... فهذه الحروف وأشباه لها كثيرة قد صارت مفسرة للقرآن"([157]).
وقال ابن قتيبة ( ت 276هـ) : " كل ما كان موافقاً لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه جاز لنا أن نقرأ به ، وليس لنا ذلك في ما خالفه"([158]).
وقال إسماعيل القاضي (ت282هـ):"فإذا اختار إنسان أن يقرأ ببعض القراءات التي رويت مما يخالف خط المصحف صار إلى أن يأخذ القراءة برواية واحد عن واحد،وترك ما تلقته الجماعة عن الجماعة،والذين هم حجة على الناس كلهم،يعني خط المصحف"([159]).
وقال أبو منصور الأزهري ( ت370هـ) : " من قرأ بحرف شاذ يخالف المصحف ، وخالف في ذلك جمهور القَرَأة المعروفين فهو غير مصيب ، وهذا مذهب الراسخين في علم القرآن قديماً وحديثاً ".([160])
ووضع علماء القراءة مقياساً لقبول القراءة أو ردها ، منذ أول عصر التأليف في علم القراءات ، فهذا أبو عبيد القاسم بن سلام ( ت 224هـ) ، صاحب أول كتاب جامع في القراءات ، يستند إلى ذلك المقياس في اختيار القراءة في ما كُتِبَت فيه هاء السكت ، فقال : " الاختيار عندي في هذا الباب كله الوقوف عليها بالهاء بالتعمد لذلك ، لأنها إن أدرجت في القراءة مع إثبات الهاء كان خروجاً من كلام العرب ، وإن حذفت في الوصل كان خلاف الكتاب ، فإذا صار قارئها إلى السكت عندها على ثبوت الهاءات اجتمعت له المعاني الثلاثة من أن يكون :
- مصيباً في العربية .
- وموافقاً للخط .
- وغير خارج من قراءة القراء ".([161])
وقال مكي بن أبي طالب القيسي ( ت 437هـ) وهو يتحدث عن أقسام القراءات : " قسم يُقْرَأ به اليوم ، وذلك ما اجتمعت فيه ثلاث خِلال ، وهي : أن يُنْقَلَ عن الثقات إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعاً ، ويكون موافقاً لخط المصحف"([162]).
وصارت القراءات المخالفة لخط المصحف في حكم المنسوخة ، قال مكي : " وسقط العمل بالقراءات التي تخالف خط المصحف ، فكأنها منسوخة بالإجماع على خط المصحف([163])". ومرَّ من قبل أن بعض العلماء لا يعد ما خالف الخط قراءة ، وإنما هي على التفسير .
وبعد هذا العرض لطبيعة العلاقة بين القراءات والرسم بعد نسخ المصاحف العثمانية تلزم الإجابة عن سؤالين :
الأول : هل المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة ؟
والآخر : هل القراءات التي يُقْرَأ بها القراء السبعة أوالعشرة هي جميع الأحرف السبعة أم بعضها ؟
والإجابة عن هذين السؤالين متداخلة وينبني بعضها على بعض .
أما السؤال الأول فقد أجاب عنه ابن الجزري بقوله :" إن هذه مسألة كبيرة اختلف العلماء فيها ، فذهب جماعات من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة التي نزل القرآن بها ، وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر وعمر ، وإرسال كل مصحف منها إلى مصر من أمصار المسلمين ، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك ، وقال هؤلاء : ولا يجوز أن ينهى عن القراءة ببعض الأحرف السبعة ، ولا أن يُجمعوا على ترك شيء من القرآن .
وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة ، جامعة العرضة الأخيرة التي عرضها النبي - صلى الله عليه وسلم – على جبريل – عليه السلام – متضمنة لها ، لم تترك حرفاً منها . قلت( ابن الجزري) : وهذا القول هو الذي يظهر صوابه ، لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له"([164]).
ولا شك في أن المذهب الثاني الذي رجحه ابن الجزري هو الصواب ، لكنه يحتاج أن نضيف إليه ملاحظة وهي أنه يجب أن نؤكد على أن المصاحف العثمانية كُتِبَت على حرف واحد وقراءة واحدة ، وسمح الخط بقراءتها بأكثر من حرف أو وجه . وهذا ينقلنا إلى الإجابة عن السؤال الثاني ، وهو هل القراءات التي يُقْرَأ بها مما وافق خط المصحف هي جميع الأحرف السبعة أم بعضها ؟
والإجابة عن هذا السؤال تحتمل أمرين : فمن قال إن ما خالف خط المصاحف العثمانية من الأحرف السبعة – وهو الراجح – فإنه يقول : إن ما وافق الخط من القراءات بعض الأحرف السبعة لا كلها . ومن قال : إن ما خالف الخط مما روي أن بعض الصحابة كان يقرأ به ، إنما هو تفسير لا قراءة فإنه يقول : إن القراءات الموافقة للخط هي جميع الأحرف السبعة .
ومما له صلة بهذه القضية ما ذهب إليه الطبري من أن قراءات القراء المشهورين لا علاقة لها بالأحرف السبعة ، بناء على مذهبه في أن مصحف عثمان كُتِبَ على حرف واحد وأن الستة الأحرف الأخرى قد اندثرت([165])، وذلك حيث قال :" فأما ما كان من اختلاف القراء في رفع حرف وجرِّه ونصبه ، وتسكين حرف وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر،مع اتفاق الصورة ،فمن معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم – بمعزل ... "([166]).
وكان سفيان بن عينية قد سبق الطبري إلى مثل هذا القول ، بناء على أن الأحرف السبعة في رأيه هي كقولهم : هلم ، وتعال ، وأقبل ، مما فيه إبدال لفظ بلفظ مرادف له([167]) على نحو ما أشرنا من قبل إلى مذهب سفيان والطبري في معنى الحرف السبعة .
وهذا المذهب يثير إشكالاً كبيراً ويتركه من غير إجابة ، وهو إذا لم تكن هذا القراءات من الأحرف السبعة فما هو مصدرها، وما مستندها ؟ وأشار القرطبي إلى أن بعض العلماء يقول : إن هذه القراءات السبع راجعة إلى حرف واحد من الأحرف السبعة ،وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف([168]). وهذا القول لا يبتعد كثيراً عن مذهب الطبري.
والخلاصة في العلاقة بين القراءات ، وهي الوجه العملي لرخصة الأحرف السبعة ، ورسم المصحف ، هي أن ما كان مخالفاً للرسم من القراءات التي كان يقرأ بها الصحابة قد تُرِكَتِ القراءة به ، وصار في حكم المنسوخ ، وقد يروى لبيان معنى أو للاحتجاج للغة ، وما كان موافقاً للخط مما ثبتت روايته هو الذي قرأت به القراء ، ولكننا لا يمكن أن نحدد الحرف الذي كَتَبَ عليه عثمان بن عفان - رضي الله عنه – المصاحف ، فكل وجه يحتمله خط المصحف ، يمكن أن يكون من ذلك الحرف ،وذلك بسبب التمازج الذي حصل بين القراءات بسبب ظاهرة الاختيار في القراءة التي سنتحدث عنها في الفقرة الآتية، إن شاء الله .
وكان مكي قد أحسن التعبير عن هذه القضية ، في رأيي ، وأنقل للقارئ ما قاله : " فالمصحف كُتِبَ على حرف واحد ، وخطه محتمل لأكثر من حرف ، إذ لم يكن منقوطاً ولا مضبوطاً ، فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية ، إذ لا يخلو أن يكون ما اخْتُلِف فيه من لفظ الحروف التي [ لا ] تخالف الخط : إما هي مما أراد عثمان ، أو مما لم يرده إذ كتب المصحف . فلا بد أن يكون إنما أراد لفظاً واحداً أو حرفاً واحداً ، لكنا لا نعلم ذلك بعينه ، فجاز لنا أن نقرأ بما صحَّت روايته مما يحتمله ذلك الخط ، لنتحرى مراد عثمان - رضي الله عنه – ومن تبعه من الصحابة وغيرهم . ولا شك في أن ما زاد على لفظ واحد في كل حرف اختلف فيه : ليس مما أراد عثمان , فالزيادة لا بد أن تكون من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ... "([169]).
وإذا قرأ القارئ برواية من الروايات فإنه يكون قد قرأ ببعض الأحرف السبعة لا بكلها ، وقد أوضح هذه الحقيقة أبو عمرو الداني بقوله : " وأما هذه السبعة الأحرف فإنها ليست متفرقة في القرآن كلها ، ولا موجودة في ختمه واحدة ، بل بعضها ، فإذا قرأ القارئ بقراءة من قراءات الأئمة وبرواية من وراياتهم فإنما قرأ ببعضها لا بكلها ، والدليل على ذلك إنا قد أوضحنا من قبل أن المراد بالسبعة الأحرف سبعة أوجه من اللغات ، كنحو اختلاف الإعراب ، والحركات والسكون ، والإظهار والإدغام ، والمد والقصر ، والفتح والإمالة ، والزيادة للحرف ونقصانه ، والتقديم والتأخير ، وغير ذلك مما شرحناه ممثلا قبل . وإذا كان هذا هكذا فمعلوم أن من قرأ بوجه من هذه الأوجه ، وقراءة من القراءات ، ورواية من الروايات ، أنه لا يمكنه أن يحرِّك الحرف ويسكنه في حالة واحدة ، أو يقدمه ويؤخره ، أو يظهره ويدغمه ، أو يمده ويقصره ، أو يفتحه ويميله ، إلى ما أشبه هذا من اختلاف تلك الأوجه والقراءات والروايات في حالة واحدة ، فدّل على صحة ما قلناه"([170]).
وقد لا يكون القارئ به حاجة إلى التذكير بأن رسم المصحف لم يكن سبباً لنشأة القراءات ، فالقراءات سابقة على الرسم ، ناتجة من رخصة الأحرف السبعة ، لكن الرسم ميَّز بين نوعين من القراءات فما خالف الرسم تُرِكَتِ القراءة به ، بعد الإجماع على مصحف عثمان ، واستمرت القراءة بما وافق الرسم من وجوه الأحرف السبعة ، مما رُخّصَ لهم بقراءته([171]).
3. الانتقال من الأحرف إلى القراءات :
كان يقال : حرف زيد بن ثابت، وحرف أبي بن كعب ، وحرف عبد الله بن مسعود([172])، ثم صار يقال : قراءة نافع ، وقراءة عاصم، وقراءة ابن كثير ... وهكذا ، وربما قيل : قراءة زيد ، لكن غلب على المتقدمين استخدام كلمة ( حرف) للإشارة إلى قراءات الصحابة ، وكلمة ( قراءة) للإشارات إلى اختيارات علماء القراءة من التابعين وتابعيهم .
وكانت مدارس القراءة بدأت تتشكل حول المصاحف التي أرسلها عثمان إلى كل مصر من الأمصار الخمسة ، فتلقى التابعون القراءة عن علماء القراءة من الصحابة ،وأدَّوْها إلى تابعي التابعين ، وهكذا تناقلت أجيال الأمة قراءات القرآن عبر العصور . لكن رواية القراءات في القرن الأول والثاني خضعت لظاهرة جديدة تركت آثارها على القراءات ، وهي " ظاهرة الاختيار " في القراءة .
وكلمة ( الاختيار) تدل على المفاضلة بين أمرين أو أكثر، واصطفاء أحدهما ، وصارت للكلمة في علم القراءات دلالة أكثر تحديداً ، وهي التعبير عن قيام قارئ للقرآن باعتماد وجه من وجوه القراءة المروية ، في كل حرف من حروف القرآن المختلف في قراءتها، في تعليمه القرآن وتلاوته له ، فيقال : اختيار فلان، أي قراءته التي اختارها . قال مكي : " وهؤلاء الذين اختاروا إنما قرؤوا لجماعة ، وبروايات ، فاختار كل واحد مما قرأ وروى قراءة تنسب إليه بلفظ الاختيار "([173]).
وليس معنى اختيار القارئ قراءة أنه يقوم باختراعها، قال أبو عمرو الداني : " وإن معنى إضافة كل حرف مما أنزل الله تعالى إلى من أضيف إليه من الصحابة ، كأُبيٍّ وعبد الله وزيد وغيرهم ، من قبل أنه كان أضبط له ، وأكثر قراءة وإقراء به ، وملازمة له، وميلاً إليه لا غير .
وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة بالأمصار المراد بها أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة ، وآثره على غيره، وداوم عليه ولزمه ، حتى اشتهر وعُرف به،وقُصِدَ فيه ، وأُخِذَ عنه ، فلذلك أُضيف إليه دون غيره من القراء،وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم ، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد"([174]).
وظاهرة الاختيار في القراءة قديمة ترجع إلى عصر التابعين ، أو أقدم من ذلك ، فقد روي أن عبد الله بن عباس قال : " قراءتي قراءة زيد ، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفاً من قراءة ابن مسعود"([175]). وذكر ابن الجزري أنها ثمانية عشر حرفاً([176]). والذي حملهم على الاختيار هو أنهم التقوا بعدد من الشيوخ وأخذوا منهم قراءتهم، وفيها من وجوه الاختلاف ما هو معروف ، فلما أرادوا تعليم القراءة لتلامذتهم ومن يقرأ عليهم لم يمكنهم تعليم تلك الوجوه كلها لتلامذتهم ، فاختار كل واحد منهم قراءة يتمسك بها ويعلمها ، فاشتهرت عنهم تلك الوجوه التي اختاروها ، وعرفت باختيار فلان أو قراءته .
ولا يتسع المقام لتتبع جميع اختيارات القراء ، ولذلك فإني سأكتفي بما يوضح الظاهرة ويبين أثرها على القراءات ورواياتها ، وسوف أتتبع الظاهرة في قراءات مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ومدينة الكوفة ، فهي أكثر بروزاً في هاتين المدينتين، في عصر التابعين وتابعي التابعين ، وأقف بعد ذلك على أثر هذه الظاهرة على القراءات القرآنية وروايتها .
أما المدينة فإن القراءة الغالبة فيها كانت قراءة زيد بن ثابت ، التي توافق قراءة جمهور الصحابة فيها ، وكانت تعرف بقراءة الجماعة ، أو العامة ، وهي التي كُتِبَت عليها المصاحف ، لكن المدينة لم تخلُ من القراءات الأخرى ، وقد تلقى التابعون تلك القراءات عن الصحابة ، ثم تجمعت عناصرها في قراءة نافع بن أبي نعيم ، الذي قرأ على سبعين من التابعين([177]). وكان أشهر شيوخه في القراءة خمسة ، هم : عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (ت 117هـ) ، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع (ت130هـ) ، وشيبة بن نصاح (ت130هـ) ، ومسلم بن جندب الهذلي ( ت 110هـ) ، ويزيد بن رومان ( ت120هـ).([178])
قال نافع : " أدركت هؤلاء الخمسة وغيرهم ... فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته وما شذَّ فيه واحد تركته ، حتى الّفتُ هذه القراءة".([179])
وكان نافع يُقرئ الناس بجميع القراءات إلا أن يقول له إنسان أريد قراءتك ، فيقرئه حينئذ باختياره.([180])
أما الكوفة فإنها كانت من أكثر المدن الإسلامية نشاطاً في القراءة بعد المدينة المنورة ، وذلك لنزول عدد من علماء الصحابة فيها ، واتخاذها عاصمة في خلافة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - . قال ابن مجاهد : " وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين منهم قراءة عبد الله بن مسعود ...فلم تزل قراءة عبد الله بالكوفة لا يعرف الناس غيرها ، وأول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان - رضي الله تعالى عنه – الناس عليها أبو عبد الرحمن السُّلَمي ، واسمه عبد الله بن حبيب ، فجلس في المسجد الأعظم ، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن ، ولم يزل يُقرئ بها أربعين سنة".([181])
وحين مات أبو عبد الرحمن السلمي سنة 74هـ([182]) خلفه في موضعه عاصم بن أبي النجود ( ت 127هـ) ([183])وقال عاصم : ما أقرأني أحدٌ حرفاً إلا أبو عبد الرحمن السلمي ، وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على علي - رضي الله تعالى عنه – وكنت أرجع من عند أبي عبد الرحمن فأعرض على زِرِّ بن حُبَيْشٍ ، وكان زِرٌّ قد قرأ على عبد الله"([184]).
ونقل ابن سوار البغدادي ( ت 496 هـ ) رواية عن أبي عمر الدوري ، سوف أوردها على ما فيها من طول ، لأنها تتعلق بقراءتنا التي نقرأها اليوم ، ولدلالتها على موضوع الاختيار ، وهي من الروايات العزيزة التي لم أقف عليها في ما اطلعت عليه من مصادر ، قال : " سألت أبا عمارة حمزة بن القاسم الأحول الكوفي ، وكان من أصحاب حمزة المعدودين في القراءة ، عن سبب الاختلاف بين حفص بن سليمان وأبي بكر شعبة بن عياش ، فقال : على الخبير سقطت ، سألت حفص بن سليمان عن ذلك ، وقلت له : إن أبا بكر بن عياش يخالفك عن عاصم في حروف كثيرة ؟! قال أبو عمارة : وكانت أم حفص تحت عاصم ، وعاصم ربَّاه مذ كان طفلاً ، فقال : قرأت هذه القراءة على عاصم حرفاً حرفاً ، ولم أخالف عاصماً في حرف من كتاب الله تعالى . وأخبرني عاصم أنه قرأ علي أبي عبد الرحمن السلمي ، وهي التي أخذها عن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- عثمان وعلي وزيد بن ثابت ، وعامتها عن علي بن أبي طالب – رضوان الله عليهم .
قال حفص : فصححت القراءة على عاصم حتى لم أشك في حرف منها .وكان يقرأ بهذه القراءة زماناً من الدهر ، وكان قد قرأ على زر بن حبيش صاحب عبد الله ، فاختار بعد أن قطعت القراءة عليه ، من حروف عبد الله وحروف زر هذه القراءة التي علمها أبا بكر بن عياش .
قال حفص : فلم أحب الرجوع عن قراءة أبي عبد الرحمن ، فثبتُّ عليها ، وهي قراءة عاصم التي لم يزل يقرأها "([185]).
وكان من قراء الكوفة علي بن حمزة الكسائي ( ت 189هـ) قبل انتقاله إلى بغداد ، قال ابن مجاهد : " وكان علي بن حمزة الكسائي قد قرأ على حمزة ونظر في وجوه القراءات ، وكانت العربية علمه وصناعته، واختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة ، غير خارجة عن آثار مَن تقدّم من الأئمة".([186])
وكان القراء يخضعون في اختيارهم القراءة إلى ضوابط أو شروط ، وهي التي سماها العلماء أركان القراءة الصحيحة، التي أشرنا إليها من قبل ، قال مكي : " وهؤلاء الذين اختاروا إنما قرأوا لجماعة ، وبروايات ، فاختار كل واحد مما قرأ وروى قراءةً تنسب إليه بلفظ الاختيار ... وأكثر اختياراتهم إنما هي في الحرف إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء : قوة وجهه في العربية ، وموافقته للمصحف ، واجتماع العامة عليه"([187]).
وكانت ظاهرة الاختيار في القراءة قد تركت آثاراً عميقة في تشكيل القراءات بالشكل الذي استقرت عليه منذ عصر ابن مجاهد ( ت 324هـ) ومن أهمها ما يأتي :
(1) امتزاج قراءات الأمصار :
كانت قراءات الأمصار متميزة بعضها عن بعض ، فكانت تغلب على أهل كل مصر قراءة من قراءات القراء المشهورين من الصحابة ، فكانت في المدينة قراءة زيد بن ثابت ، وفي الكوفة قراءة عبد الله بن مسعود ، وفي البصرة قراءة أبي موسى الأشعري ، وفي الشام قراءة أبي الدرداء ، وقد تداخلت هذه القراءات في عصر التابعين وتابعي التابعين ، واختفت بأسمائها المعروفة لتظهر في أسماء جديدة هي اختيارات القراء من التابعين وتابعيهم.
وتقدِّم مدينة الكوفة مثالاً واضحاً على ذلك التمازج ، فكانت القراءة الأولى فيها قراءة عبد الله بن مسعود ، ثم جاءها أبو عبد الرحمن السلمي مع المصحف الذي أرسله عثمان بن عفان - رضي الله عنه – وأقرأ بها أربعين سنة حتى توفي سنة 74هـ ، وانتشرت قراءة أهل المدينة في الكوفة عن طريقه .
وكان أهل الكوفة شديدي التمسك بقراءة عبد الله ،فكان صغيرهم وكبيرهم يقرأ قراءته([188])، لكن قراءة أهل المدينة ، وهي التي تعرف أحيانا قراءة زيد بن ثابت ، انتشرت حتى نافست قراءة عبد الله ، فكان سعيد بن جبير (ت 95هـ) يَؤُمُّ الناس في الكوفة في رمضان ، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود ، وليلة بقراءة زيد بن ثابت([189]). وبعد نصف قرن تقريباً كانت الغلبة لقراءة زيد بن ثابت ، فقد قال سليمان بن مهران الأعمش ( ت 148هـ) : " أدركت الكوفة وما قراءة زيد فيهم إلا كقراءة عبد الله فيكم اليوم ، ما يقرؤها إلا الرجل والرجلان "([190]).
وإذا كنا نلاحظ أن قراءة ابن مسعود قد أخذت تختفي معالمها في أوائل القرن الثاني ، فإن عناصر تلك القراءة قد دخلت في قراءة قراء الكوفة المشهورين عن طريق تلامذة ابن مسعود من التابعين ، فكان حمران بن أعين الكوفي ، شيخ حمزة بن حبيب الزيات ( ت 130هـ) : " يقرأ قراءة ابن مسعود ، ولا يخالف مصحف عثمان ، يعتبر حروف معاني عبد الله ، ولا يخرج من موافقة مصحف عثمان،وهذا كان اختيار حمزة"([191]). كما أن قراءة زيد بن ثابت لم تعد ظاهرة للعيان محددة المعالم ، فقد مزج علماء القراءة من تابعي التابعين بينها وبين قراءة ابن مسعود وغيرها ، بما يوافق خط المصحف ، وكذلك الحال في قراءة أهل البصرة والأمصار الإسلامية الأخرى .
ولم يكن أثر الاختيار يقف عند حد اختفاء اسم زيد وعبد الله من القراءات ، وظهور اسم نافع أو عاصم أو حمزة وغيرهم ، وإنما يتجاوز ذلك إلى انتقال وجوه القراءات من قراءة إلى أخرى، بما لا يقع تحت الحصر ، ولكن يمكن أن يكون ذلك واضحاً من خلال ظاهرتي الهمز والتسهيل ، والفتح والإمالة ، فالهمز والإمالة ظاهرتان تغلبان على قراءة أهل العراق الأولى ، والتسهيل والفتح يغلبان على قراءة أهل المدينة القديمة ، وأدَّت ظاهرة الاختيار إلى انتقال الهمز إلى قراءة أهل المدينة ، وظاهرة الفتح إلى قراءة أهل العراق .
(2) ازدياد عدد القراء :
كان عدد القراء من الصحابة الذين تصدَّروا للإقراء واشتهرت قراءتهم لا يتجاوز العشرة ، لكن عدد القراء أصحاب الاختيارات تضاعف في عصر التابعين وتابعي التابعين ، وبلغوا العشرات ، بسبب اتساع بلاد المسلمين ، وازدياد الحاجة إلى التعليم ، واستقر في عرفهم أن من يتصدى للإقراء له أن يختار قراءة يعلّمها من يقرأ عليه ، واكتفى بعضهم برواية قراءة شيخه، وكانت النتيجة ظهور عشرات الاختيارات في القراءات ، في القرون الثلاثة الأولى .
وانعكس ذلك على كتب القراءات القديمة، فكان كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام ( ت 224هـ) يضم خمسة وعشرين قارئاً، وكان كتاب إسماعيل القاضي ( ت 282هـ) فيه عشرين قراءة ، وجاء بعده محمد بن جرير الطبري ( ت 310هـ) وجمع في كتابه في القراءات نيفاً وعشرين قراءة([192]). ولا تضم هذه الكتب جميع أصحاب الاختيارات من تلك الفترة .
وأدرك ابن مجاهد البغدادي ( ت 324هـ) ما أدت إليه ظاهرة الاختيار من كثرة القراءات ، وامتنع عن اختيار قراءة تنسب إليه ، فقد نقل تلميذه أبو طاهر أبي هاشم أن رجلاً سأل ابن مجاهد : " لِمَ لا يختار الشيخ لنفسه حرفاً يحمل عنه ؟ فقال : نحن أحوج إلى أن نُعْملَ أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا ، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا"([193]).
(3) اختيار القراءات السبع :
توقفت ظاهرة الاختيار بعد رفض ابن مجاهد اختيار قراءة تسمى باسمه ، لكن أثر الظاهرة كان ماثلاً أمام نظر ابن مجاهد ، وما يمثله من ثقل على المتعلمين للقراءات ، فأقدم على دراسة الاختيارات وصنفها إلى صنفين ،الاختيارات الصحيحة المشهورة ، والاختيارات الشاذة المهجورة ، وألف كتابين : الأول ( كتاب السبعة ) الذي ضمنه اختيارات القراء السبعة المشهورين، وهم : نافع ، وابن كثير ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وابن عامر . والثاني : كتاب ( شواذ السبعة) الذي ضمنه بقية الاختيارات التي لم تشتهر شهرة السبعة([194]).
ووصف ابن الجزري ابن مجاهد بأنه ( أوَّلُ مَنْ سَبَّعَ السبعة) ([195])، ولم يكن يُعرف قبل ابن مجاهد مصطلح القراء السبعة ، ولا القراءات السبع ، لكنه اشتهر بعد ابن مجاهد، حتى عدَّ بعضهم ما عدا السبع شاذاً([196])، وكثرت المؤلفات في السبع ، ثم أضيفت إليها ثلاث قراءات هي قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف ، فصارت القراءات المتواترة عشراً ، ولهذا الموضوع تفصيل لا تدعو هنا حاجة للاسترسال فيه .
(4) تأصيل أركان القراءة الصحيحة :
احتاج علماء القراءة إلى ضوابط لتمييز القراءة المقبولة وغيرها ، بعد أن كثرت الاختيارات، " فوضع الأئمة لذلك ميزاناً يُرجع إليه ، وهو السند والرسم والعربية"([197]).
وكان اختيار ابن مجاهد للقراءات السبع قد ترك انطباعاً بأن ما عداها شاذ ، وتطور معنى الشذوذ في القراءة ، فبعد أن كانت القراءة الشاذة ما خالف خط المصحف ، صارت كل قراءة سوى القراءات السبع تعد شاذة ، وظن بعض من لا علم له أن هذه القراءات هي المقصودة بحديث الأحرف السبعة ، ومن ثم كره بعض العلماء اقتصار ابن مجاهد على هؤلاء السبعة ، وقالوا : هلا زاد عليهم أو نقص منهم ، حتى لا يقع الجهال في مثل ذلك الظن([198]).
ولم يمض وقت طويل على عصر ابن مجاهد حتى عادت الشروط الثلاثة هي التي تحدد صحة القراءة أو شذوذها ،فقال مكي بن أبي طالب ( ت 437هـ) : " وإنما الأصل الذي يعتمد عليه في هذا أن ما صح سنده ، واستقام وجهه في العربية ، ووافق خط المصحف فهو من الأحرف السبعة المنصوص عليها ، ولو رواه سبعون ألفا ، متفرقين أو مجتمعين"([199]).
وقال أبو شامة : " فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما قد ذكرناه مراراً من أن كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها وموافقتها خط المصحف ، ولم تنكر من جهة العربية فهي القراءة المعتمد عليها ، وما عدا ذلك فهو داخل في حيّز الشاذ والضعيف".([200])
ومع أن تلك الشروط ظلت هي المعتمدة في قبول القراءة وردها ، إلا أن بعض العلماء المتأخرين يذهب إلى تقسيم القراءات على ثلاثة أقسام ، بعد أن استقرت القراءات ، وتوقفت الاختيارات ، هي : قسم متفق على تواتره وهو السبع ، وقسم مختلف في تواتره وهو الثلاث بعدها ، وقسم متفق على شذوذه وهو ما عدا القراءات العشر([201]).
خلاصة
ويمكن - من خلال العرض السابق – تلخيص العلاقة بين القراءات القرآنية والرسم العثماني بما يأتي :
(1) نزل القرآن الكريم بلغة قريش خاصة ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم – كتّاب الوحي بكتابته على نطقه في الرقاع ، التي نُقِلَت في الصحف في خلافة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – ثم نقلت الصحف في المصاحف في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه .
(2) جاءت الرخصة في القراءة لتيسير القراءة على الصحابة الذين شق عليهم التحول من لغاتهم إلى لغة قريش ، مع غلبة الأمية وضعف وسائل التعليم ، وعبّر عن تلك الرخصة حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه ".
(3) كانت الرخصة في القراءة ، ولم يُثبت منها شيء في المصاحف العثمانية ، التي كتبت على لغة قريش التي نزل بها القرآن . وكانت مصاحف الصحابة تتضمن شيئاً من وجوه الأحرف السبعة ، لكن حرق تلك المصاحف جمع الأمة على المصاحف العثمانية المكتوبة على اللفظ المنزل الذي أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بكتابه .
(4) كُتِبَتِ المصاحف العثمانية على حرف واحد وقراءة واحدة ، لكن الخط يحتمل أكثر من قراءة لتجرده من النقاط والحركات ، وترك المسلمون القراءة بما يخالف الخط من القراءات التي تلقوها عن الصحابة ، مما فيه زيادة حرف أو كلمة ، أو تبديل كلمة بكلمة ، وثبتوا على القراءات التي يحتملها خط المصحف، وصارت القراءات المخالفة للخط كالمنسوخة .
(5) تلقى التابعون القراءة عن الصحابة ، وعلمّوها لتابعي التابعين الذين تخصص منهم بالقراءة عدد من العلماء الذين اختار كل واحد منهم من مجموع ما تعلمه من القراءات قراءة داوم عليها ، وعلّمها ، فنسبت إليه ، وتكاثرت اختيارات علماء القراءة ، وفيها القوي والضعيف والصحيح والشاذ ، مما جعل ابن مجاهد يدرس تلك الاختيارات ويميز بينها ، فألَّفَ كتابه ( السبعة في القراءات ) جمع فيه القراءات الصحيحة المشهورة . وألَّف كتابه ( شواذ السبعة ) ضمَّنه ما عد القراءات السبع، مما كان قد اشتهر من قراءات الصحابة والتابعين وتابعيهم إلا أنها لم تبلغ في قوة السند أو موافقة الخط أو القوة في العربية ما بلغته السبع .
(6) كان أثر اختيار ابن مجاهد هذا كبيراً على دراسة القراءات وروايتها ، فاقتدى علماء القراءة بعمله ، حتى استقر في أذهان كثير من الناس أن القراءات السبع هي المتواترة دون غيرها ، واستأثرت بأكبر عدد من المؤلفات ،لكن علماء القراءة بعد ابن مجاهد وجدوا ثلاث قراءات لا تقل عن السبعة في الصحة والقوة ، وهي قراءات أبي جعفر ويعقوب وخلف ، فأضافوها إلى السبع فصارت القراءات الصحيحة عشراً ، وما عداها يعد شاذاً .
(7) التقت في حفظ القرآن جهود علماء الرسم وعلماء القراءة ، ونحن نستطيع القول اليوم : إن هذا الرسم هو الرسم الذي كَتبَ فيه الصحابة القرآن في المصاحف ، بفضل جهود علماء الرسم الذين كتبوا المؤلفات في وصف رسم الكلمات في المصاحف العثمانية ، ونستطيع أن نقول أيضا : إن هذه القراءة هي قراءة الصحابة للقرآن التي تلقوها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا كنا لا نتمكن من القول إنها قراءة زيد بن ثابت وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ، فإننا يمكننا القول إنها قراءة هؤلاء جميعاً ، لا يخرج من قراءتنا شيء عما قرأ به الصحابة - رضوان الله عليهم-
(8) إن الدارس لتاريخ القرآن رسماً وقراءة تمتلئ نفسه طمأنينة ، وقلبه يقيناً أن هذا القرآن هو الذي نزل به جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – وقرأه على صحابته ، وعلّمه لهم ، وأمرهم بكتابته وتلاوته . والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ،القائل في محكم كتابه : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [ الحجر 9] .
مصادر البحث
1. الآلوسي ( أبو الثناء محمود بن عبد الله ) : روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني ، دار إحياء الكتب العربية ، بيروت .
2. إبراهيم أنيس ( دكتور ) : في اللهجات العربية ، ط4 ، مكتبة الأنجلو المصرية .
3. ابن الأثير ( المبارك بن محمد ) : النهاية في غريب الحديث والأثر ، تحقيق طاهر محمد الزاوي ومحمود الطناحي ، المكتبة العلمية ، بيروت .
4. الأزهري ( أبو منصور أحمد بن محمد ) : تهذيب اللغة ، القاهرة 1964-1967م .
5. أمير عبد العزيز ( دكتور ) : دراسات في علوم القرآن ، مؤسسة الرسالة ودار الفرقان ، بيروت / عمان 1403هـ = 1983م .
6. ابن الأنباري (محمد بن القاسم ) : إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل ، تحقيق محيي الدين رمضان ، دمشق 1971م .
7. الأندرابي (أحمد بن أبي عمر ) : الإيضاح في القراءات ، تحقيق منى عدنان غني ، أطروحة دكتوراه ، كلية التربية للبنات – جامعة تكريت 2002م .
8. الباقلاني (محمد بن الطيب) : نكت الانتصار لنقل القرآن ، اختصره محمد بن عبد الله الصيرفي ، تحقيق د. محمد زغلول سلام ، الإسكندرية 1971م.
9. البخاري ( محمد بن إسماعيل ) : الجامع الصحيح ، طبع محمد على صبيح ، القاهرة .
10. ابن بسطام ( أبو محمد حامد بن أحمد بن جعفر ) [ ترجيحاً ] : مقدمة كتاب ( المباني في نظم المعاني ) نشرها آرثر جفري ضمن : ( مقدمتان في علوم القرآن ) القاهرة 1954م.
11. البسوي (يعقوب بن يوسف ) : المعرفة والتاريخ، تحقيق د. أكرم ضياء العمري ، مطبعة الإرشاد ، بغداد 1394هـ = 1974م .
12. البنا الدمياطي ( أحمد بن محمد ) : إتحاف فضلاء البشر ( بقراءات ) الأئمة الأربعة عشر ، مطبعة عبد الحميد حنفي ، القاهرة 1359هـ .
13. الترمذي ( محمد بن عيسى ) : سنن الترمذي ، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرين ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
14. البيهقي ( أحمد بن الحسين ) : شعب الإيمان ، تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1410هـ .
15. ابن تيمية ( أحمد بن عبد الحليم ) : مجموع الفتاوى .
16. ابن الجزري (أبو الخير محمد بن محمد ) :
أ. غاية النهاية في طبقات القراء ، تحقيق برجستراسر ، مكتبة الخانجي ، القاهرة 1932.
ب. منجد المقرئين ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1400هـ = 1980م.
ج. النشر في القراءات العشر ، مطبعة مصطفى محمد بمصر .
17. الجعبري ( إبراهيم بن عمر ) : جميلة أرباب المراصد في شرح عقيلة أتراب القصائد ، تحقيق محمد خضير مضحي الزوبعي ، أطروحة دكتوراه ، كلية الآداب – الجامعة المستنصرية ، بغداد 1425هـ = 2004 م.
18. ابن جني ( أبو الفتح عثمان ) : المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءة ، تحقيق علي النجدي ناصف وآخرين ، القاهرة 1966م .
19. الحاكم ( محمد بن عبد الله ) : المستدرك على الصحيحين ، دائرة المعارف العثمانية في الهند 1334هـ .
20. ابن حجر ( أحمد بن علي ) : فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، المطبعة السلفية ، القاهرة 1380هـ .
21. ابن حزم ( علي بن أحمد ) :الإحكام في أصول الإحكام ، دار الحديث ، القاهرة 1404 هـ .
22. أبو حيان الأندلسي (محمد بن يوسف ) : البحر المحيط ، مكتبة النصر الحديثة ، الرياض .
23. ابن خالويه (الحين بن أحمد ) : إعراب القراءات السبع وعللها ، تحقيق د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين ، مكتبة الخانجي ، القاهرة 1413هـ = 1992م .
24. الخطيب البغدادي( أحمد بن علي ): تاريخ بغداد ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
25. الخليل بن أحمد : العين ، تحقيق د. إبراهيم السامرائي ، ود. مهدي المخزومي ، بغداد 1980 م .
26. الداني ( أبو عمرو عثمان بن سعيد الأندلسي ):
أ. الأحرف السبعة ( وهو باب من كتابه : جامع البيان في القراءات السبع المشهورة ) تحقيق د. عبد المهيمن طحان ، مكتبة المنارة 1408هـ = 1988م .
ب. المحكم في نقط المصاحف ، تحقيق د. عزة حسن ، دمشق 1960م.
ج. المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار ، تحقيق محمد أحمد دهمان ، دمشق 1940م.
27. ابن أبي داود ( عبد الله بن سليمان ) : كتاب المصاحف ، تحقيق آرثر جفري ، المطبعة الرحمانية بمصر 1255هـ = 1936م.
28. الذهبي ( محمد بن أحمد ) : معرفة القراء الكبار ، تحقيق د. بشار عواد معروف وآخرين ، مؤسسة الرسالة ، بيروت 1404هـ =1984م.
29. الزركشي ( محمد بن عبد الله ) :البرهان في علوم القرآن ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط2 ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة 1391هـ = 1972م.
30. الساعاتي (أحمد عبد الرحمن البنا ) : الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ، مصر 1374هـ .
السخاوي (علم الدين علي بن محمد ) :
أ. جمال القراء وكمال الإقراء ، تحقيق د. علي حسين البواب ، مكتبة التراث ، مكة المكرمة 1408هـ .
ب. الوسيلة إلى كشف العقيلة ، تحقيق صالح مهدي عباس ، رسالة ماجستير ، كلية الآداب – الجامعة المستنصرية ، بغداد 1407هـ = 1987م.
32. ابن سعد (محمد ) : الطبقات الكبرى ، دار صادر – دار بيروت 1957م.
33. السيوطي ( جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر ) :
أ. الإتقان في علوم القرآن ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم،القاهرة 1976م.
ب. تنوير الحوالك على موطأ الإمام مالك ، المكتبة التجارية الكبرى بمصر 1389هـ = 1969م.
ج. الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، بيروت 1403هـ = 1983م.
د. الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ، دار ابن عفان ، الخبر 1416هـ =1996م.
34. الشافعي ( محمد بن إدريس ) : الرسالة ، تحقيق محمد سيد كيلاني ، مصطفى البابي الحلبي ، القاهرة 1388هـ = 1969م.
35. أبو شامة المقدسي ( عبد الرحمن بن إسماعيل ) :
أ. إبراز المعاني من حرز الأماني ، تحقيق إبراهيم عطوة عوض ، البابي الحلبي بمصر 1349هـ.
ب. المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز ، تحقيق طيار آلتي قولاج ، دار صادر ، بيروت 1975م.
36. الشوكاني (محمد بن علي ) : إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول ، تحقيق محمد سعيد البدري ، دار الفكر ، بيروت 1412هـ = 1992م.
37. ابن أبي شيبة (عبد الله بن محمد ) : المصنف ، تحقيق كمال يوسف الحوت ، مكتبة الرشد ، الرياض 1409هـ .
38. صبحي الصالح ( دكتور ) : مباحث في علوم القرآن ، بيروت 1964م.
39. الطبراني ( سليمان بن أحمد ) : المعجم الكبير ، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي ، ط2 ، مطبعة الزهراء ، الموصل 1984م.
40. الطبري ( محمد بن جرير ) :
أ. تاريخ الرسل والملوك ، دار المعارف بمصر .
ب. جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، ط3 ، مصطفى البابي الحلبي بمصر ، 1388هـ = 1968م.
41. ابن عبد البر ( أبو عمر يوسف بن عبد الله ) :
أ. الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، تحقيق علي محمد البجاوي ، القاهرة 1960م.
ب. التمهيد لما في الموطأ من المعاني الأسانيد ، المغرب 1387هـ.
42. عبد الصبور شاهين ( دكتور ) : تاريخ القرآن ، دار القلم ، القاهرة 1966م.
43. أبو عبيد ( القاسم ين سلام ) :
أ. غريب الحديث ، حيدر آباد ، الهند 1964-1967م.
ب. فضائل القرآن ، تحقيق مروان عطية وآخرين ، دار ابن كثير ، دمشق 1420هـ = 1999م.
44. ابن عطية ( عبد الحق بن أبي بكر ) : مقدمة تفسيره ، نشرها آرثر جفري ضمن ( مقدمتان في علوم القرآن ) مكتبة الخانجي ، القاهرة 1954م.
45. علي محمد الضباع ( الشيخ ): إتحاف البررة بالمتون العشرة ، مصطفى البابي الحلبي بمصر 1354هـ = 1935م.
46. غانم قدوري الحمد :
أ. أصل القراءات القرآنية ، بحث منشور في مجلة الحكمة ، العدد 20 ، المدينة المنورة 1420هـ .
ب. تكوُّن العربية الفصحى ، بحث منشور في مجلة مجمع اللغة العربية الأردني ، العدد48 ، السنة 1995م.
ج. رسم المصحف دراسة لغوية تاريخية ، بيروت 1982م.
د. محاضرات في علوم القرآن ، دار عمار ، عمان 1423هـ = 2003م.
47. ابن القاصح (علي بن عثمان ) : تلخيص الفوائد وتقريب المتباعد في شرح عقيلة أتراب القصائد، مصطفى البابي الحلبي بمصر 1949م.
48. ابن قتيبة (عبد الله بن مسلم ) : تأويل مشكل القرآن ، تحقيق السيد أحمد صقر ، القاهرة 1973م.
49. القرطبي (محمد بن أحمد ) : الجامع لأحكام القرآن ، طبعة دار الشعب ، القاهرة 1372هـ.
50. القسطلاني (أحمد بن محمد ) : لطائف الإشارات لفنون القراءات ، تحقيق الشيخ عامر السيد عثمان ود. عبد الصبور شاهين ، القاهرة 1392هـ = 1972م.
51. المباركفوري ( محمد بن عبد الرحمن ) : تحفة الأحوذي ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
52. ابن مجاهد ( أحمد بن موسى ) : كتاب السبعة ، تحقيق د. شوقي ضيف، دار المعارف بمصر 1972م.
53. محمد أبو زهرة ( الشيخ ) : المعجزة الكبرى : القرآن ، دار الفكر العربي ، القاهرة 1970م.
54. محمد خازر المجالي ( دكتور) : الوجيز في علوم القرآن ، جمعية المحافظة على القرآن ، عمان 2004م.
55. مكي بن أبي طالب القيسي : الإبانة عن معاني القراءات ، تحقيق د. عبد الفتاح شلبي ، مكتبة نهضة مصر 1960م.
56. مناع القطان : مباحث في علوم القرآن ، ط3 ، منشورات العصر الحديث 1973م .
57. ابن منظور ( محمد بن مكرم ) : لسان العرب ، طبعة بولاق .
58. المهدوي (أبو العباس أحمد بن عمار ) :
أ. بيان السبب الموجب لاختلاف القراءات ، تحقيق د. حاتم الضامن ، مجلة معهد المخطوطات العربية ، مج 29 ج 1، السنة 1405هـ =1985م.
ب. الموضح في تعليل وجوه القراءات السبع ، تحقيق سالم قدوري الحمد ، رسالة ماجستير ، كلية الآداب – جامعة بغداد 1408هـ = 1988م.
59. النحاس ( أحمد بن محمد ) : القطع والائتناف ، تحقيق د. أحمد خطاب العمر ، مطبعة العاني ، بغداد 1398هـ =1978م.
60. ابن النديم ( محمد بن إسحاق ) : الفهرست ، تحقيق رضا – تجدد ، طهران 1971م.
61. النووي (يحيى بن شرف الدين ) : صحيح مسلم بشرح النووي ، المطبعة المصرية ومكتبتها ، القاهرة .
62. ابن هشام ( عبد الملك ) : السيرة النبوية ، تحقيق مصطفى السقا وآخرين ، مصطفى البابي الحلبي 1955م.
63. الهيثمي ( علي بن أبي بكر ) : مجمع الزوائد ، دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي ، القاهرة – بيروت ، 1407هـ .
الحواشي :
([4]) ينظر : أبو شامة : المرشد الوجيز ص 101، وابن حجر : فتح الباري 9/9 ، وذكرا أن أبا داود أخرجه في سننه ، وهو غير موجود في الطبعة المتداولة ، وأخرجه الأندرابي في الإيضاح ص 55 عن كعب بن مالك.
([5]) البخاري : الجامع الصحيح 6/226 ، وابن أبي داود : المصاحف ص 18 ، والداني : المقنع ص 5
([6]) ابن أبي شبيبة : المصنف 6/121 ، والسيوطي : الدر المنثور 5/5
([7]) ابن أبي شبيبة : المصنف 6/121
([8]) الطبري : جامع البيان 1/29 ، والخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 9/313
([9]) نكت الانتصار ص385
([10]) التمهيد 8/279
([11]) الأحرف السبعة ص 61
([12]) إيضاح الوقف 1/392
([13]) المحكم ص 151
([14]) ينظر عن تلك الألفاظ : السيوطي : الإتقان 2/89-120 ، وابن بسطام : مقدمة كتاب المباني ص 214 – 215
([15]) نقلاً عن أبي شامة: المرشد الوجيز ص 94
([16]) يمكن الاطلاع على مناقشة مفصلة للموضوع في بحثي ( تكَوُّن العربية الفصحى ) المنشور في مجلة مجمع اللغة العربية الأردني ، العدد 48 ، السنة 1995
([17]) ينظر : ابن هشام : السيرة النبوية 2/559
([18]) ينظر : الطبري : تاريخ الرسل والملوك 2/474
([19]) قال الساعاتي في الفتح الرباني (18/9) : أخرجه أبو داود في سننه ، وابن ماجه ، والحاكم في المستدرك ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي
([20]) صحيح البخاري ( فتح الباري9/46) ، وسنن الترمذي 5/632
([21]) ينظر : كتابي : محاضرات في علوم القرآن ص 114 – 115
([22]) المرشد الوجيز ص 95
([23]) الرسالة ص 124
([24]) تأويل مشكل القرآن ص 39-40
([25]) نقلاً عن أبي شامة في المرشد الوجيز ص 128
([26]) ينظر : ابن عبد البر : التمهيد 8/294 ، والقرطبي : الجامع لأحكام القرآن 1/42 ، وأبو شامة : المرشد الوجيز ص 106
([27]) ينظر : مكي الإبانة ص 44 ، والداني : الأحرف السبعة ص 31 ، وابن بسام : مقدمة كتاب المباني ص 218 ، والأندرابي : الإيضاح ص 66 ، وابن الجزري : النشر 1/22 . وقد خالف ابن حزم الأندلسي جميع علماء السلف في قولهم : إن من أسباب الرخصة اختلاف اللغات ، ونسَبًهَم إلى الكذب على الله تعالى والكذب على الناس ، في كلام طويل لا أجد فائدة من نقله لخروجه عن النقاش العلمي المعقول . ينظر : الأحكام 4/556 – 557
([28]) سنن الترمذي 5/178 ، وينظر : أبو شامة : المرشد الوجيز ص 126 – 127
([29]) المرشد الوجيز ص 126- 127
([30]) ينظر: الطبري جامع البيان 1/16 و 17 ، وأبو شامة : المرشد الوجيز ص 79 و 86
([31]) ينظر : المصدران السابقان 1/17 و ص 81
([32]) ينظر : ابن الأثير : النهاية 1/53 ، وابن حجر : فتح الباري 9/28
([33]) ينظر الطبري : جامع البيان 1/16 ، وأبو شامة المرشد الوجيز ص 83
([34]) ينظر : ابن الأثير : النهاية 1/343
([35]) ينظر : ابن عبد البر : الاستيعاب 1/362 و 4/1538 ، وابن حجر : فتح الباري 9/25
([36]) فتح الباري 9/28
([37]) ينظر : الزركشي : البرهان 1/213
([38]) المرشد الوجيز ص 102 ، وينظر : ابن حجر : فتح الباري 9/27
([39]) وردت روايات الحديث في معظم كتب الحديث ، واهتم المؤلفون في علوم القرآن بجمع روايات الحديث ، ومنهم : أبو عبيد في كتابه فضائل القرآن ( ص 334 – 439) ، والطبري في جامع البيان ( 1/11- 20) ومكي في الإبانة ( ص 62 – 69) ، والداني في الأحرف السبعة ( ص 11- 23) ، والأندرابي في الإيضاح ( ص 51- 55) ، وأبو شامة في المرشد الوجيز ( ص 77- 90) . وخصّ عدد من علماء السلف هذا الحديث برسائل مستقلة ، من أشهرها كتاب المرشد الوجيز لأبي شامة . ودرس بعض المحدثين روايات الحديث ، كما فعل الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه ( تاريخ القرآن ص 229 – 245) بالاستناد إلى التعليقات التي كتبها أحمد شاكر ومحمود شاكر في الطبعة التي توليا تحقيقها من تفسير الطبري
([40]) السيوطي : الإتقان 1/131 ، وينظر : ابن الجزري : النشر 1/21
([41]) فضائل القرآن ص 339 ، وينظر : ابن الجزري : النشر 1/21
([42]) يمكن الاطلاع على روايات الحديث في المصادر المذكورة في الهامش رقم (40) المتقدم
([43]) ينظر : أبو شامة : المرشد الوجيز ص 97 ، والرزكشي : البرهان 1/212
([44]) المهدوي : بيان السبب ص 144
([45]) أبو عبيد : فضائل القرآن ص 335 ، وصحيح مسلم بشرح النووي 6/101 ،والطبري : جامع البيان 1/14
([46]) جامع البيان 1/19 ، ونقله أبو شامة في المرشد الوجيز ( ص13)
([47]) وردت رواية عن أبي مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم – أنه قال : " كان الكِتَاب الأول نزل من باب واحد ،ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف : زاجر وآمر ، وحلال وحرام ، ومحكم ومتشابه ، وأمثال " ( ينظر الطبري : جامع البيان 1/30 ، والداني : الأحرف السبعة ص 57 ، وأبو شامة : المرشد الوجيز ص 107) وقال ابن عبد البر ( التمهيد 8/275) : " هذا حديث عند أهل العلم لم يثبت ... وهذا الحديث مجتمع على ضعفه من جهة إسناده ، وقد رده قوم من أهل النظر " . وبيَّن عدد من العلماء أن هذا الحديث لا علاقة له بالرخصة في قراءة القرآن المذكورة في حديث الأحرف السبعة ( ينظر : الأندرابي : الإيضاح ص 61 – 62 ، وأبو شامة : المرشد الوجيز ص 108 , وابن الجزري : النشر 1/25 ، والسيوطي : الإتقان 1/136)
([48]) مكي : الإبانة ص 34 . ابن عبد البر : التمهيد 8/274 ، وابن عطية : مقدمة تفسيره ص 264
([49]) مجموع الفتاوى 13/389
([50]) الجامع لأحكام القرآن 1/42
([51]) 1/138- 141
([52]) الإتقان 1/131
([53]) الإتقان 1/141
([54]) تنظر تلك الأقوال في الإتقان 1/138-141
([55]) البرهان 1/213
([56]) الديباج 2/409
([57]) لسان العرب 10/385 – 386 – حرف
([58]) الأحرف السبعة ص 27- 28
([59]) ابن عبد البر : التمهيد 8/274
([60]) البرهان 1/214
([61]) أمير عبد العزيز : دراسات في علوم القرآن ص 86
([62]) مجموع الفتاوى 13/390 ، وينظر : مكي : الإبانة ص 5
([63]) 3/210
([64]) ص 34- 38
([65]) ينظر : أبو شامة : المرشد الوجيز ص 113- 125 ، وابن الجزري : النشر 1/26- 28 ، ومحمد عبد العظيم الزر قاني : مناهل العرفان 1/128- 160
([66]) المرشد الوجيز ص 127
([67]) غريب الحديث 3/159- 161
([68]) فضائل القرآن ص 339
([69]) فضائل القرآن ص 339- 340
([70]) الإتقان 1/135 ، وينظر : الأزهري : تهذيب اللغة 5/13 ، وابن عطية : مقدمة تفسيره 267 ، البيهقي : شعب الإيمان 2/42 ، وأبو شامة : المرشد الوجيز ص 134
([71]) التمهيد 8/280- 281 ، وينظر : أبو شامة : المرشد الوجيز ص 102 – 103
([72]) جامع البيان 1/24- 25
([73]) جامع البيان 1/29
([74]) ينظر : أمير عبد العزيز : دراسات في علوم القرآن ص 88- 90
([75]) ينظر : محمد عبد العظيم الزرقاني : مناهل العرفان 1/173، ومحمد خازر المجالي : الوجيز في علوم القرآن ص 114- 115
([76])جامع البيان 1/25
([77]) جامع البيان 1/28
([78]) جامع البيان 1/25
([79]) جامع البيان 1/29
([80]) التمهيد 8/280- 281
([81]) التمهيد 8/293 ،وينظر : أبو شامة : المرشد الوجيز ص 105
([82])ينظر : مناع القطان : مباحث في علوم القرآن ص 162
([83]) ينظر : ابن حجر : فتح الباري 9/26
([84]) ينظر : صبحي الصالح : مباحث في علوم القرآن ص 107 ، وعبد الصبور شاهين : تاريخ القرآن ص 77- 97
([85]) في اللهجات العربية ص 18
([86]) الديباج 2/409
([87]) نقلاً عن أبي شامة : المرشد الوجيز ص99
([88]) الإيضاح ص57
([89]) شرح النووي على صحيح مسلم 6/99
([90]) المرشد الوجيز ص 99
([91]) النشر 1/25- 26
([92]) الإتقان 1/131- 132
([93]) إعراب القراءات السبع وعللها 1/18 – 20
([94]) الإتقان 1/226- 227
([95]) الأحرف السبعة ص 46
([96]) الأحرف السبعة ص 53
([97]) نقلاً عن أبي شامة : المرشد الوجيز ص 134
([98]) فتح الباري 9/27
([99]) فتح الباري 9/27
([100]) المحتسب 1/296
([101]) المحتسب 2/336
([102]) المحتسب 2/367
([103]) مقدمة كتاب المباني ص 170- 171 ، وينظر : ص 218- 22
([104]) نقلاً عن : القرطبي : الجامع أحكام القرآن 19/41-42
([105]) نكت الانتصار ص 328- 329
([106]) نقلاً عن أبي شامة : المرشد الوجيز ص241
([107]) نكت الانتصار ص 102
([108]) الموضح ص 96 ، وينظر : النحاس : القطع والائتناف ص 212 و 258 و 474 و 511 ، والقرطبي : الجامع لأحكام القرآن 1/47 ، وأبو حيان : البحر المحيط 7/65
([109]) سنن الترمذي 5/184
([110]) تحفة الأحوذي 8/282
([111]) المرشد الوجيز ص 171 ، وأثبت أبو شامة النص في كتابه إبراز المعاني بحذافيره ( ص4)، وهو في المرشد ( أنه قرأه وأذن فيه ) وصححته من إبراز المعاني
([112]) المرشد الوجيز 138-139
([113]) رواه البخاري : فتح الباري 9/43
([114]) ينظر : السيوطي : الإتقان 1/136
([115]) ينظر : الطبري : تاريخ الرسل والملوك 2/474
([116]) ينظر : ابن سعد : الطبقات الكبرى 1/336 و 345
([117]) تاريخ القرآن ص 44
([118]) ابن أبي داود : المصاحف ص 3
([119]) البخاري : الجامع الصحيح 6/227
([120]) البسوي : المعرفة والتاريخ 1/377 ، والطبراني : المعجم الكبير 5/142 ، والهيثمي : مجمع الزوائد 8/257
([121]) مصنف ابن أبي شيبة 4/218 و 6/409 ، وسنن الترمذي 5/690 ، والحاكم : المستدرك 2/229، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
([122]) الطبري : جامع البيان 1/28 ، وينظر : ابن حجر: فتح الباري 9/12
([123]) القسطلاني : لطائف الإشارات 1/51
([124]) المعجزة الكبرى ص 36
([125]) البخاري : الجامع الصحيح 6/89 و 225 و 9/92 ،والترمذي : السنن 5/624، وابن أبي داود : كتاب المصاحف ص 6-8
([126]) منجد المقرئين ص 21- 22
([127]) ينظر : علي محمد الضباع : إتحاف البررة ص 318
([128]) ينظر : الأحرف السبعة ص 60 – 63
([129]) الوسيلة إلى كشف العقيلة ص 148 – 149
([130]) جميلة أرباب المراصد ص 186
([131]) ينظر : ابن سعد : الطبقات الكبرى 6/7 و 2/345 و 2/357
([132]) ينظر : ابن أبي داود : كتاب المصاحف ص 13 -14 و ص 21
([133]) مقدمة تفسير ابن عطية ص 274
([134]) ينظر : ابن أبي داود : كتاب المصاحف ص 22
([135]) صحيح البخاري 6/226
([136]) جميلة أرباب المراصد ص 198
([137]) الوسيلة إلى كشف العقيلة ص 152
([138]) ينظر : أبو عبيد : فضائل القرآن ص 286 ، والطبري : جامع البيان 3/38
([139]) الزركشي : البرهان 1/237
([140]) الباقلاني : نكت الانتصار ص 147
([141]) أبو شامة : المرشد الوجيز ص 69
([142]) ينظر: أبو شامة : المرشد الوجيز ص 69
([143]) نقلاً عن النووي : شرح صحيح مسلم 6/100
([144]) الأحرف السبعة ص 60- 61
([145]) جامع البيان 1/28
([146]) ينظر : مكي : الإبانة ص 10-12 ، وكان ابن حزم نسب قائل هذا القول إلى الكفر والردة [ الأحكام 4/551] والعياذ بالله .
([147]) الإبانة ص 176
([148]) المحكم ص 176
([149]) المحكم ص3
([150]) مجموع الفتاوى 13/402
([151]) ينظر : النشر 1/33، ومنجد المقرئين ص 22
([152]) أبو زهرة : المعجزة الكبرى ص 40 و 50
([153]) ينظر تفصيل هذه القضية في كتابي : رسم المصحف ص 469- 474
([154]) الشوكاني : إرشاد الفحول 1/64
([155]) ابن عبد البر : التمهيد 4/279
([156]) الإحكام 4/556
([157]) فضائل القرآن ص 325- 326
([158])تأويل مشكل القرآن ص 42
([159]) نقلاً عن مكي : الإبانة ص 21
([160]) تهذيب اللغة 5/14
([161]) نقلاً عن ابن الأنباري : إيضاح الوقف 1/311
([162]) الإبانة ص 10 ، وينظر : الباقلاني : نكت الانتصار ص 102 ، وأبو شامة : المرشد الوجيز ص 144
([163]) الإبانة ص 10 ، وينظر : الباقلاني : نكت الانتصار ص 102 ، وأبو شامة : المرشد الوجيز ص 144
([164]) النشر 1/31 ، وينظر : السيوطي : الإتقان 1/141 ، القسطلاني : لطائف الإشارات 1/65
([165]) ينظر : جامع البيان 1/28
([166]) جامع البيان 1/29
([167]) ينظر : ابن عبد البر : التمهيد 8/293 ، وأبو شامة : المرشد الوجيز ص 105
([168]) الجامع لإحكام القرآن 1/46
([169]) الإبانة ص 4
([170]) الأحرف السبعة ص 52
([171]) ادعى بعض المستشرقين وبعض من قلَّدهم في رأيهم أن القراءات ناتجة من طبيعة الرسم المجرد من النقاط والحركات ، وهذا مذهب غير صحيح . وكنت قد بحثت هذه القضية في كتابي : رسم المصحف ص 717- 728 ، ومحاضرات في علوم القرآن ( ص 139- 140) وبحثي : أصل القراءات القرآنية ، مجلة الحكمة العدد 20 ص 133- 156 . وبحثه غيري أيضا بما يغني عن إعادة القول فيه
([172]) الداني : الأحرف السبعة ص 61 , ومكي : الإبانة ص 9
([173]) الإبانة ص 49
([174]) الأحرف السبعة ص 61 ، وينظر : ابن الجزري : النشر 1/52
([175]) ابن أبي داود : كتاب المصاحف ص 55
([176]) غاية النهاية 1/426
([177]) ينظر : ابن مجاهد : كتاب السبعة ص 62
([178]) ينظر : ابن الجزري : غاية النهاية 2/330
([179]) ابن مجاهد : كتاب السعة ص 62
([180]) ينظر : السخاوي : جمال القراء 2/447 ، وابن الجزري : النشر 2/304
([181]) كتاب السبعة ص 66- 68
([182]) تنظر ترجمته عند : ابن الجزري : غاية النهاية 1/413
([183]) ينظر : ابن مجاهد : كتاب السبعة ص 69
([184]) كتاب السبعة ص67
([185]) المستنير ص 105
([186]) المصدر نفسه ص 78 ، وينظر : ابن النديم : الفهرست ص 32
([187]) الإبانة ص 49
([188]) ينظر : ابن عبد البر : التمهيد 8/298
([189]) ينظر: الذهبي : معرفة القراء 1/57 ، وابن الجزري : غاية النهاية 1/305
([190]) ابن مجاهد : كتاب السبعة ص 67
([191]) ابن الجزري : غاية النهاية 1/262
([192]) ينظر : ابن الجزري : النشر 1/34
([193]) الذهبي : معرفة القراء 1/217
([194]) ينظر : ابن جني : المحتسب 1/32 و 35
([195]) غاية النهاية 1/139
([196]) ينظر : ابن النديم : الفهرست ص 33
([197]) البنا الدمياطي : إتحاف فضلاء البشر ص 4
([198]) ينظر : ابن الجزري : النشر 1/37
([199]) الإبانة ص 51
([200]) المرشد الوجيز ص 178
([201]) ينظر : السيوطي : الإتقان 1/210 ، القسطلاني : لطائف الإشارات 1/170
الرسم العثماني : أُصوله وخصائصه
تعني كلمة ( الرسم العثماني ) طريقة كتابة كلمات القرآن في المصاحف التي كتبها الصحابة في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وأُرسلت إلى الأمصار الإسلامية واتخذها المسلمون أساساً لكتابة المصاحف وقراءة القرآن ، وجاءت تسميته بالرسم العثماني نسبة إلى سيدنا عثمان بن عفان الذي أمر بنسخ المصاحف في خلافته وقام بتوزيعها على الأمصار الإسلامية .
وترجع أصول المصاحف العثمانية إلى الصحف التي جُمِعَ فيها القرآن في خلافة أبي بكر الصديق - - رضي الله عنه – من الرقاع التي كُتِبَ فيها في زمن النبي – صلى الله عليه وسلم – فالمصاحف العثمانية هي عَيْنُ ما كُتِبَ في زمنه - صلى الله عليه وسلم- مُفرّقاً في الرقاع ، وجُمِعَ في الصحف في خلافة الصديق . وإنما نُسِبَتِ المصاحف إلى سيدنا عثمان بن عفان لأن ذلك تم في خلافته وبأمر منه ، على نحو ما هو مشهور ومعروف من كتب الحديث والتاريخ .
وقد حافظ المسلمون على رسم الكلمات في المصاحف على نحو ما رُسِمَت في المصاحف العثمانية ، وشَكّلَ ذلك الرسم ظاهرة اعتنى بها علماء القرآن ، وكُتّاب المصاحف ، وعلماء اللغة ، واختص بدراستها ( علم رسم المصحف ) الذي كُتِبَت فيه عشرات المؤلفات منذ بدء تدوين العلوم الإسلامية إلى عصرنا الحاضر .
ولم يحظ الرسم العثماني بتلك العناية والاهتمام لأنه أثر تاريخي يرجع إلى عصر النبوة والخلافة الراشدة فحسب ، ولكنْ لأنه صار أحد أركان القراءة الصحيحة ، بل " هو الركن الأعظم في إثبات القرآنية للقرآن "([1]) ، حتى قال الأصوليون في تعريف القرآن بأنه " كلام الله تعالى المُعْجِزُ، المُنَزَّلُ على النبي - صلى الله عليه وسلم- المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر ، المتعبد بتلاوته"([2]).
وكان رسم المصحف موضع عناية العلماء منذ أن كُتِبَت المصاحف وأُرسلت إلى الأمصار ، وأخذت تلك العناية الشكل العلمي المنظم منذ بدء عصر تدوين العلوم الإسلامية ، فظهرت عشرات المؤلفات في وصف رسم المصاحف ، وبيان علله ، وأُلّفَت كُتُب أخُرى في موضوع النَّقْطِ والشَّكْلِ الذي استأثر باسم علم الضبط ، ولا أجد ضرورة هنا لتتبع أسماء تلك الكتب ، فقد سبق لي أن عملت قائمة بها.([3])
وهناك موضوعات تتعلق برسم المصحف هي موضع عناية مستمرة ونظر دائم من الدارسين ، وموضوعات أُخرى تحتاج إلى توضيح وتبيين ، وسبق لي أن تتبعت المصادر ، ودرست الظواهر ، في كتابي ( رسم المصحف : دراسة لغوية تاريخية ) ولا يتسع المقام لعرض ملخص لتلك المباحث ، ولكني سوف أقف عند بعض الموضوعات التي يتجدد الاهتمام بها والسؤال عنها ، وهي :
1. سبب اختلاف الرسوم .
2. وجوه المخالفة الجائزة بين الرسم والقراءة .
3. علامات الضبط : اختراعها وتطورها .
4. المصاحف القديمة وأهمية دراستها .
(1) أسباب اختلاف الرسوم :
أول ما يلفت نظر الباحث في رسم المصاحف أن كثيراً من الخط المثبت فيها يخالف النطق ويخرج عن المعهود عند الناس في الكتابة([4]). فمن الكلمات ما زيد في رسمه ، ومنها ما نقص منه ، ومنهـا ما جاء مرسوماً بغير رمز ، وصار مدار مباحث الرسم على خمسة فصول([5]):
الأول : ما وقع فيه من الحذف .
الثاني : ما وقع فيه من الزيادة .
الثالث : ما وقع فيه من قلب حرف إلى حرف .
الرابع : أحكام الهمزات .
الخامس : ما وقع فيه من القطع والوصل .
وينبغي التنبيه على خطأ منهجي وقع فيه كثير من الدارسين للرسم المصحفي ، وهو النظر إلى ظواهره من خلال ما استقر من قواعد الإملاء العربي في عصور لاحقة لزمن كتابة المصاحف ، ومن ثم جعلوا نُظُم الكتابة العربية ثلاثة هي([6]) :
رسم المصحف الذي قالوا فيه : لا يُقاس هجاؤه ولا يخالف خطه .
1. خط العروض الذي جرى على ما أثبته اللفظ،وإسقاط ما حذفه.
2. وخطٌّ جرى على العادة المعروفة ، وهو ما اصطلح عليه الكُتَّاب في غير رسم المصحف والعروض .
إن دراسة تاريخ الكتابة العربية يُبَيِّنُ بوضوح أن الرسم العثماني يمثل مرحلة في تاريخ تلك الكتابة ، وأن الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم – كانوا قد كتبوا المصاحف بالإملاء الذي كان مستخدماً في زمانهم ، ولم يكن هناك فرق بين ما كتبوه في المصاحف ، وما كانوا يكتبونه في غيرها([7]).
وتثبيت هذه الحقيقة،وهي أن المصاحف كُتِبَت بالإملاء الذي كان يكتب به الناس في ذلك الزمان،يجعل من مناقشة موضوع كون الرسم توقيفياً لا يقوم على أساس([8])، فالرسم يستند إلى ما اصطلح عليه الناس في ذلك الزمان وما اعتاده الكُتَّاب في ما كانوا يكتبون في غير القرآن([9]).
يجب التفريق بين القول : إن رسم المصحف اصطلاح لا توقيف ، وموضوع وجوب الالتزام به في كتابة المصاحف ، فليس هناك ترابط بين القضيتين،فالقول بوجوب الالتزام بالرسم العثماني في كتابة المصحف مما اجتمع عليه العلماء في القديم وفي الحديث([10])، أما القول بالتوقيف فقد لجأ إليه بعض العلماء بعد أن عجزوا عن إدراك علل اختلاف الرسوم([11]).
وللعلماء مذاهب في تعليل اختلاف الرسوم ، سبق لي عرضها في كتاب رسم المصحف . وبعض تلك المذاهب لا يستند إلى أسس متينة ، ويحسن بالدارس تجاوزه ، ومنها حمل الظواهر على خطأ الكاتب ، أو تعليل اختلاف الرسوم بحسب اختلاف أحوال معاني كلماتها ، تلك النظرية التي اشتهر بوضعها أبو العباس أحمد بن محمد الشهير بابن البناء المراكشي ( ت 721هـ) وضمَّنها في كتابه ( عنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل ) ([12]) ، ومن تلك المذاهب القول بأن الرسم بُنَيَ على حكمة ذهبت بذهاب كتبته([13]).
ويظل الاستناد إلى العلل اللغوية أكثر ملائمة لتعليل اختلاف الرسوم من المذاهب الأخرى ، وهو ما قامت عليه دراستي السابقة للرسم ، وقد وجدت عدة عوامل أثرت أكثر من غيرها في تعدد الرسوم ، ومن المفيد الإشارة إليها هنا تعزيزاً لما كتبته سابقاً حول الموضوع ، ومنها :
1. ثبات الرسوم وتغير النطق :
تتعرض اللغات للتغير والتطور بشكل مستمر ، ويصيب التطور أصوات اللغة كما يصيب دلالة الألفاظ على المعاني ، وتختلف اللغات في ذلك ، بحسب العوامل التي تحيط باللغات والناطقين بها ، ويمكن القول إن اللغة العربية كانت تستجيب لعوامل التطور قبل الإسلام أكثر من استجابتها لذلك بعد نزول القرآن الكريم الذي صار مثالاً لغوياً يتطلع الناطقون بها إليه ، ويحرصون على الارتقاء بأدائهم اللغوي نحوه([14]).
وتأخذ صور الكلمات المكتوبة شكلاً أكثر ثباتاً في أذهان الناس ، فقد يتغير نطق الكلمة لكن صورتها المكتوبة تظل كما هي ، لأن الكاتب يرسم الصورة المنطبعة في ذهنه للكلمة ولا يترجم نطقها إلى رموز مكتوبة ، في كثير من الأحيان ، فنحن نكتب مثلاً ( أولئك) و ( هذه) بهذا الشكل من غير أن نفكر في مخالفة هذا الرسم لنطق الكلمتين ، والسبب في ذلك أننا نرسم الكلمتين بما انطبع في أذهاننا لصورتهما منذ فترة تعلمنا الأولى للكتابة . ومن ثم فإن " السبب الأساسي لأزمات الرسم ينحصر في استحالة مسايرة الرسم لحركة اللغة"([15]).
وهذه الظاهرة تحتم على الدارس لظواهر رسم المصحف أن يكون على بَيِّنَة من أن بعض ما يجده من الظواهر المخالفة للنطق يمثل حالات نطقية منقرضة ، تَغَيَّرَ فيها النطق وبَقِيَ الرسم ، ومن هنا يُشَبّهُ الرسم بالمتحف لظواهر اللغة ، يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي – رحمه الله تعالى - : " إن جمود الرسم على حالته القديمة يفيد الباحث في اللغات أكبر فائدة ، فهو يعرض له صورة صحيحة لأصول الكلمات ، ويَقِفُهُ على ما كانت عليه أصواتها في أقدم عصور اللغة ، فالرسم للألفاظ أشبه شيء من هذه الناحية بالمتحف للآثار "([16]).
ويمكن تفسير ظاهرتين من ظواهر الرسم العربي في الأقل بالاستناد إلى هذه الحقيقة، واحدة في رسم المصحف ، والثانية في غيره . ففي رسم المصحف تكتب : ( الصلاة والزكاة والحياة ومناة ومشكاة ) بالواو بدل الألف([17]) ، وعَلَّلَ كثير من علماء العربية والرسم هذه الظاهرة بمجيء الرسم على لفظ التفخيم للألف في نطق بعض العرب([18]) ، لكن تفسير هذا الرسم بالاستناد إلى ظاهرة احتفاظ الكتابة بصور نطقية قديمة يبدو أكثر قبولاً ، فقد جاءت كلمة ( مناة ) مكتوبة في أكثر من نقش من النقوش النبطية ، التي يُرَجَّحُ أن الكتابة العربية انحدرت عنها ، مكتوبة بالواو هكذا ( م ن و ت و ) ، وورثت الكتابة العربية ذلك عنها([19]). وهكذا يمكن تفسير رسم الألف واواً في الأمثلة الأخرى ، بعد أن يتعزز هذا التفسير بشواهد كتابية أُخرى .
ويمكن تفسير زيادة الواو في رسم كلمة ( عَمْرو) بالاستناد إلى نفس الظاهرة ، ويبدو تعليل زيادة الواو للفرق بينه وبين ( عمر) مجرد ظن ، فقد لاحظ الدارسون للنقوش النبطية وجود واو في آخر أسماء الأعلام ومن بينها ( عَمْرو) ، ويترجح بناء على ذلك أن الواو في رسم هذا الاسم انحدرت إلى كتابتنا من الكتابة النبطية([20]).
وعلى الرغم من قلة الأمثلة التي عرضتها للتدليل على أثر خاصية ثبات الرسم وتغير النطق على اختلاف الرسوم فإنني أحسب أن كثيراً من الظواهر في رسم المصحف يمكن أن تجد تفسيرها من خلال هذه الخاصية ، لكن ذلك يتوقف على تقـدم الدراسة في مجال النقوش والكتابات العربية القديمة ، وكشف المؤثرات التي أثرت على الكتابة العربية في الحقبة التي سبقت تدوين القرآن .
2. بناء الرسم على الوصل دون الوقف :
استند علماء العربية إلى عدة ضوابط في تدوين قواعد الإملاء العربي ، ومنها : تصوير اللفظ بحروف هجائه مبدوءاً به وموقوفاً عليه ، قال ابن السراج : " والأصل أيضاً في كل كلمة أن تكتب على اللفظ بها ، مُبْتَدَأةً وموقوفاً عليها ، ولا يُلتفت إلى ما تصير إليه الكلمة إذا كان قبلها كلام أو وُصِلَت بما بعدها"([21]).
ولم تكن تلك الضوابط معتمدة لدى كُتّاب المصاحف في عصر النبوة ، لعدم تدوين قواعد الإملاء حينئذ ، فكانت أقلامهم في هذه المرحلة تستجيب لعاملين([22]):
الأول : صور الكلمات الموروثة عن الاستخدام السابق للكتابة العربية ، التي استقرت في الاستعمال ، مع ما قد يكون فيها من مظاهر القصور عن تمثيل النطق.
الثاني : الاستجابة لمتطلبات النطق ، وكتابة الكلمة على اللفظ ، لكن الكتّاب ، وهم يكتبون الكلمات على ما يقتضيه النطق ، لم يلتزموا دائماً بقاعدة بناء رسم الكلمة مبدوءاً بها وموقوفاً عليها ، فكانوا يستجيبون أحياناً لنطق الكلمة موصولة بغيرها .
وقد انعكس عدم الالتزام بقاعدة موحدة في هذه القضية على رسم الكلمات في المصاحف ، فتعددت صور رسم الكلمات بسبب ذلك ، وكان علماء الرسم قد أدركوا ذلك وعللوا به بعض الظواهر ، فقال أبو عمرو الداني مُعَلِّلاً رسم قوله تعالى:( فَلَمّا ترءَا الجمعان ) [الشعراء 61] بألف واحدة في كلمة (تراءى) بعدة وجوه ، منها : " الثاني : سقوطها من اللفظ في حال الوصل لسكونها وسكون أول ما توصل به ، وهو اللام من ( الجمعان) ، فكما لزمها السقوط من اللفظ في حال الوصل ، كذلك أسقطت من الرسم ، وذلك من حيث عاملوا في كثير من الكتابة اللفظ والوصل دون الأصل والقطع ، ألا ترى أنهم حذفوا الألف والياء والواو في نحو قوله : ( أيُّهَ المؤمنون ) [النور 31 ] و ( سوف يُؤتِ الله ) [النساء 146] و ( يَدْعُ الإنسان ) [الإسراء 11] وشبهه ، لمّا سَقَطْنَ من اللفظ لسكونهن وسكون ما بعدهن،وبنوا الخط على ذلك فأسقطوهن ، فكما عُومِلَ اللفظ في هذه الحروف وبُنيَ الخط عليه فيهن ، كذلك عُومِلَ أيضاً فيما تقّدم وبُنِيَ عليه "([23]).
وكذلك علّل الداني رسم النون الخفيفة ألفاً ورسم التنوين نوناً ، وذلك في قوله : " واجتمع أيضاً كُتّاب المصاحف على رسم النون الخفيفة ألفاً ، وجملة ذلك موضعان : في يوسف : ( وليَكوناً من الصاغرين ) [ 32 ] ، وفي العلق : ( لنسفعاً بالناصية ) [15] وذلك على مراد الوقف ... وكذلك رسموا التنوين نوناً في قوله : ( وكَأيّنْ) حيث وقع ، وذلك على مراد الوصل ، والمذهبان قد يستعملان في الرسم دلالة على جوازهما فيه"([24]).
ويمكن من خلال هذا الأصل تفسير كثير من ظواهر الرسم ، خاصة باب رسم تاء التأنيث تاء حيناً ، وهاء حيناً آخر ، في مثل : " نعمت الله ، ورحمت الله ، وسُنّت الله " . وباب الهمز في مثل : " العلمؤا ، والبلؤا ، أو من وَرَائِ حجاب ، ونَبَؤُا الخصم ، ومِن نَبَأي المرسلين " ، وباب الوصل والقطع في مثل : " أنْ لا و ألا " و " عن ما و عَمّا " و " فإن لم و فإلّم " ، ونحو ذلك .
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك رسم ( يا ابن أُمَّ ) في المصحف ، ففي سورة الأعراف جاءت مفصولة : ( قال ابنَ أُمَّ) [ 150] بناء على قاعدة رسم الكلمةمبدوءاً بها وموقوفاً عليها ، وفي سورة طه جاءت موصولة (( يَبْنَؤُمَّ)) [ 94] بناء على اللفظ والوصل([25])، فحُذِفَت ألف (يا) وهمزة الوصل ، ورسمت الهمزة واواً ، على اللفظ بها موصولة .
إن تعدد صورة رسم الكلمة الواحدة في الرسم العثماني ، واختلاف صور كثير من الكلمات عن النطق ، ما هو إلا تعبير عن طبيعة التقاليد الكتابية في عصر نزول القرآن ، فكانت الكتابة أقرب إلى الذاتية منها إلى الموضوعية والتقعيد ، فالكاتب بإمكانه أن يضفي على طريقته في الكتابة كثيراً من مظاهر الاجتهاد الشخصي للتعبير عن صورة النطق ، لعدم وجود قواعد مدّونة يُرجع إليها ، فالكاتب بعد تدوين القواعد الإملائية يكتب كما يكتبُ الآخرون ، وقبل ذلك كان يكتب في كثير من الأحيان كما يمليه عليه اجتهاده ، لعدم وجود قواعد مدونة ، وعدم وجود مثال يحتذي به في أحيان كثيرة ، فكان يحرص على تمثيل اللفظ ، كما يحرص على الحفاظ على صور الكلمات الكتابية الموروثة .
إن تدوين علل رسم الكلمات في المصحف موضوع واسع وضارب في أعماق التاريخ ،ولا يتأتى تدوينه كاملاً لشخص واحد ، أو عصر واحد ، فكل صورة كتابية متميزة لها قصة في التاريخ ، وقد يتمكن الدارس من معرفة تلك القصة وقد لا يتمكن. ومن ثم فإن من الخطأ النظر إلى رسم المصحف نظرة مستعجلة تقيس الماضي على الحاضر أو من خلاله . إن رسم المصحف ظاهرة حضارية وثروة لغوية يجب التعامل معها بكثير من الجدية والصبر والأناة ، فهي متحف لغوي رائع للغة العربية .
ولا يخفى على القارئ أنّ هناك فرقاً جوهرياً بين رسم المصحف والنقوش العربية القديمة ، ويتمثل ذلك الفرق في انقطاع الصلة بين كُتّاب تلك النقوش وبين دارسيها اليوم ، واتصال الإسناد والرواية الشفهية بين كتّاب المصاحف وقراء القرآن منذ عصر تدوينها إلى عصرنا الحاضر ، وسوف ندرس مدى موافقة القراءات القرآنية لرسوم المصاحف العثمانية ، ووجوه المخالفة الجائزة بينهما ، في الفقرة الآتية .
(2) وجوه المخالفة الجائزة بين الرسم والقراءة :
صارت موافقة القراءة لرسم المصحف أحد أركان القراءة الصحيحة ، منذ نَسْخِ المصاحف في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه – وبناء على ذلك تُرِكت القراءة بالوجوه المخالفة للخط ، وعُدّت شاذة ، على نحو ما أشرنا إلى ذلك في البحث الأول ، وناقشتُ هناك العلاقة بين الرسم العثماني والأحرف السبعة ، وهي جزء من العلاقة بين الرسم والقراءة ، لكن الحديث هنا يأخذ منحى تطبيقياً أكثر منه نظرياً.
والمقصود برسم المصحف هو طريقة رسم الكلمات ، والحروف التي رسمت بها كل كلمة، من حيث النوع لا من حيث الشكل ، فإن رسم الحروف بخط الثلث أو النسخ أو الكوفي لا يغير من طبيعة العلاقة بين المرسوم والمنطوق .
وقد أدرك علماء الرسم أن بعض الرسوم لا تمثل نطقاً أو وجهاً من وجوه القراءة ، من الصور الكتابية التي أشرت إليها ، مما كان يمثل نطقاً في عهود سابقة ، وتَغَيَّرَ ذلك النطق إلى صورة أخرى ، وبقي الرسم كما هو ، ويلخص ذلك قول ابن المنادي ( أحمد بن جعفر ت 336هـ):"إن من المكتوب ما لا تجوز به القراءة من وجه الإعراب،وإن حكمه أن يترك على ما خُطَّ،ويطلق للقارئين أن يقرؤوا بغير الذي يرونه مرسوماً"([26]).
وقال أبو شامة المقدسي : " ولعل مرادهم بموافقة خط المصحف ما يرجع إلى زيادة الكلم ونقصانها ، فإن في ما يروى من ذلك عن أبي بن كعب وابن مسعود - رضي الله عنهما – من هذا النوع شيئاً كثيراً ، فكتبت المصاحف على اللفظ الذي استقر عليه في العرضة الأخيرة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما سبق تفسيره . وأما ما يرجع إلى الهجاء وتصوير الحروف فلا اعتبار بذلك في الرسم ، فإنه مظنة الاختلاف ، وأكثره اصطلاح ، وقد خولف الرسم بالإجماع في مواضع من ذلك ، كالصلوة والزكوة والحيوة ،فهي مرسومات بالواو ولم يقرأ أحد على لفظ الواو "([27])
وقال الزركشي : " اتفقت في خط المصاحف أشياء خارجة عن القياسات التي يبنى عليها علم الخط والهجاء ، ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان ، لاستقامة اللفظ وبقاء الخط ، وكان اتباع المصحف سُنَّة لا تخالف"([28]).
وقد أتاحت طبيعة رسم المصحف موافقة أكثر من قراءة له ، فالمصحف مكتوب على قراءة واحدة ، لكن خطه يسمح بأكثر من قراءة ، وذلك بسبب :
أ - تجرده من علامات الحركات ونقاط الإعجام .
ب – عدم رسم بعض الحروف أحياناً ، مثل المشدد ، وحروف المد واللين .
ج – رسم بعض الكلمات بأكثر من صورة .
وقال الجعبري وهو يتحدث عن موافقة القراءة لخط المصحف : " وهذه الموافقة تكون تحقيقاً وتقديراً ، لأن الاختلاف يكون اختلاف تغاير ، وهو في حكم الموافق ... وتحقيقه أن الخط تارة يحصر جهة اللفظ ، فمخالفه مناقض ، وتارة لا يحصرها ، بل يُرْسَمُ على أحد التقادير ، فاللافظ به موافق تحقيقاً ، وبغيره تقديراً لتعدد الجهة ، إذ البدل في حكم المبدل ، وما زيد في حكم العدم ، وما حذف في حكم الثابت ، وما وُصِلَ في حكم الفصل ، وما فُصِلَ في حكم الوصل"([29]).
ووضَّح ابن الجزري موافقة القراءة لرسم المصحف تحقيقاً وتقديراً ، فقال : " إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقاً ، وهو الموافقة الصريحة ، وقد تكون تقديراً ، وهو الموافقة احتمالاً ، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعاً ، نحو ( السموات والصلحت واليل والصلوة والزكوة والربوا ) ونحو ( لنظر كيف تعملون ) و ( جايء ) في الموضعين ، حيث كُتِبَ بنون واحدة ، وبألف بعد الجيم في بعض المصاحف ، وقد توافق بعض القراءات الرسم تحقيقاً ، ويوافقه بعضها تقديراً ، نحو : ( ملك يوم الدين ) فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف ، فقراءة الحذف تحتمله تحقيقاً ، كما كُتِبَ ( ملك الناس) وقراءة الألف محتملة تقديراً ، كما كُتِبَ ( مالك الملك) ... على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم ، أو مبدل ، أو ثابت ، أو محذوف ، أو نحو ذلك لا يعدّ مخالفاً ، إذا ثبتت القراءة به ، ووردت مشهورة مستفاضة ، ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء ( تسئلني) في الكهف ، وقراءة ( وأكون من الصالحين ) ، والظاء من ( بضنين ) ونحو ذلك ، من مخالفة الرسم المردود ، فإن الخلاف في ذلك يغتفر ، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد ، وتُمَشِّيهِ صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول ، وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها ، وتقديمها وتأخيرها ، حتى ولو كانت حرفاً واحداً من حروف المعاني ، فإن حكمه حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه . وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته"([30]).
وإذا كان المصحف العثماني قد كُتِبَ على قراءة واحدة ، فإن خلو الرسم من الحركات ونقاط الإعجام ، قد أتاح قراءته على أكثر من وجه ، لكن القراءة التي كُتِبَ عليها المصحف لم تعد متميزة عن غيرها بسبب ظاهرة الاختيار التي أشرت إليها من قبل ، فصارت كل قراءة يحتملها خط المصحف ، وثبتت في النقل ، مظنة لتلك القراءة ، قال مكي : " فالمصحف كُتِبَ على حرف واحد ، وخطه محتمل لأكثر من حرف إذ لم يكن منقوطاً ولا مضبوطاً ... إذ لا يخلو أن يكون ما أُخْتُلِفَ فيه من لفظ الحروف التي [ لا ] تخالف الخط : إما هي مما أراد عثمان ، أو مما لم يرده إذ كَتَبَ المصحف ، فلا بد أن يكون إنما أراد لفظاً واحداً أو حرفاً واحداً ، لكنا لا نعلم ذلك بعينه ، فجاز لنا أن نقرأ بما صحّت روايته مما يحتمله ذلك الخط , لنتحرى مراد عثمان - رضي الله عنه - ومن تبعه من الصحابة وغيرهم([31]).
ومعلوم " أنّ مَن قرأ بوجهٍ من هذه الأوجه ، وقراءة من القراءات ، ورواية من الروايات أنه لا يمكنه أن يُحَرّك الحرف ويُسَكّنُهُ في حالة واحدة ، أو يقدّمه ويؤخره ، أو يظهره ويدغمه ، أو يمده ويقصره ، أو يفتحه ويميله ، إلى ما أشبه هذا من اختلاف تلك الأوجه والقراءات والروايات في حالة واحدة"([32]) ، ومن ثم فإن استيعاب وجوه القراءة الثابتة لا يتأتى إلا من خلال القراءات التي رواها أئمة القراءة ، ومقياس الصحة لها هو موافقتها لخط المصحف ، على نحو ما بينا .
وهذا الترابط بين القراءة والرسم هو الذي جعل علماء السلف يوجبون المحافظة على رسم المصاحف بالرسوم الثابتة في المصاحف العثمانية ، فهذه الرسوم تؤدي مهمتين :
الأولى : حفظ نص القرآن الكريم على ما خَطّهُ الصحابة – رضوان الله عليهم .
الثانية : استيعاب القراءات الصحيحة الموافقة للخط.
ولا شك في أن المهمة الأولى أعظم أهمية وأوسع مدى ، على جلالة قدر المهمة الثانية وأهميتها ، ويمكن أن نلمس ذلك بالنظر في ما جاء في سورة الفاتحة من قراءات صحيحة عن القراء العشرة([33]):
1. قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف ( مالك ) والباقون ( ملك ) .
2. قرأ معظم القراء ( صراط والصراط ) بالصاد . وقرأ قنبل عن ابن كثير ورويس عن يعقوب بالسين ، وقرأ حمزة بإشمام الصاد الزاي .
3. قرأ حمزة ويعقوب ( عليهم) بضم الهاء ، والباقون بكسرها .
4. قرأ ابن كثير وأبو جعفر ( عليهم) بضم ميم الجمع ووصلها بواو ، وقرأ الباقون بإسكان الميم .
فهذه أربع كلمات اختلف القراء في حرف واحد أو حركة واحدة فيها ، وذلك بإثبات حرف أو حذفه في ( مالك وملك ) و ( عليهمْ وعليهمو ) ، وإبدال حرف بحرف في ( الصراط والسراط ) ، وإبدال حركة بأخرى في ( عليهِمْ وعليهُم ) . وإذا وازنا بين ما اتفق القراء على قراءته من حروف سورة الفاتحة وحركاتها ، وما اختلفوا فيه وجدنا ضآلة ما اختلفوا فيه بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه ، فقد عَدَدْتُ حروف سورة الفاتحة المرسومة فكانت ( 139) حرفاً ، وعَدَدْتُ حركاتها وسكناتها فكانت ( 103) ، من غير احتساب حروف المد حروفاً ساكنة ، فيكون المجموع (242) حرفاً وحركة ، اخْتُلِفَ في أربعة منها ، وهي نسبة ضئيلة جداً لا تصل إلى 2% ، وإذا أضفنا قراءة أبي عمرو بن العلاء بإسكان ميم ( الرحيم ) وإدغامها بالميم بعدها لم تتغير النسبة كثيراً .
ولا أحسب أن هذه النتيجة ستتغيّرُ كثيراً إذا ما طبّقنا هذه الفكرة على المصحف كله وما رُوِيَ فيه من قراءات ، وهي تشير على مقدار دلالة الرسم على ثبات نص القرآن وتواتره منذ كتابته إلى زماننا ، ولا يعني ذلك التشكيك في تواتر القراءات ، فإنها صحت رواية ، واحتملها رسم المصحف تحقيقاً وتقديراً على نحو ما أشرنا .
(3) علامات الضبط : اختراعها وتطورها :
كُتِبَت المصاحف مجرَّدة من علامات الحركات ، ونِقاط الإعجام ، فلم يكن في الكتابة العربية في عصر تدوين القرآن علامات من أي نوع ، وليس هناك دليل على أن المصاحف جُرِّدت من الحركات ونِقاط الإعجام ليحتمل رسمها أكثر من قراءة ، فلم تكن تلك العلامات قد اخترعت أو استخدمت في الكتابة العربية في ذلك الوقت .
ولم تكن الحياة العلمية عند العرب قبل الإسلام تستدعي استخداماً واسعاً للكتابة ، لكن الإسلام أحدث حركة علمية هائلة في الحياة العربية ، وانقلاباً حضارياً شاملاً ، فدخلت الكتابة العربية مرحلة الاستخدام الواسع للتعبير عن حاجات الأفراد والمجتمع والدولة ، وكان بدء تلك الحركة تدوين المصحف ، الكتاب الأول الذي عرفته المكتبة العربية ، ثم تنوعت صور الاستخدام بعد ذلك لتشمل العلوم العربية والإسلامية كافة.
ولم تكن الكتابة العربية – وهي خالية من العلامات - قادرة على الاستجابة لتلك الحاجات التي استجدت في الحياة العلمية والثقافية للمجتمع الإسلامي ، ومن ثم سارع علماء القرآن واللغة العربية إلى اختراع نظم جديدة للعلامات التي تمثل الحركات ، أو تُمَيِّزُ بين الحروف المتشابهة في الشكل ، حتى أخذت الكتابة العربية شكلها المكتمل في القرنين الأول والثاني .
وتكاد آراء الباحثين تتفق على أن أول مَن ابتكر طريقة لتمثيل الحركات في الكتابة العربية هو أبو الأسود الدؤلي ( ظالم بن عمرو ت 69هـ) ، الذي اخترع نظام النِّقاط الحُمْر للدلالة على الحركات ، فالفتحة نقطة فوق الحرف ، والكسرة نقطة تحت الحرف ، والضمة نقطة أمام الحرف ، وإذا كان مع الحركة تنوين جعل النقطة نقطتين ، وأول ما استخدم ذلك في ضبط كلمات المصحف ، إذ تربط الروايات القديمة ذلك العمل بظهور اللحن ووقوع الخطأ في تلاوة القرآن ، فابتكر أبو الأسود الدؤلي هذه الطريقة لضبط الكتابة ، وتيسير القراءة([34]).
وأخذ تلامذة أبي الأسود الدؤلي في البصرة طريقته في نقط المصحف ، واستخدموها على نطاق واسع ، لكنهم واجهوا مشكلة تشابه صور عدد من الحروف في الكتابة العربية ، وتصدى نصر بن عاصم الليثي ( ت 90هـ) تلميذ أبي الأسود في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي لحل هذه المشكلة ، وذلك باستخدام النِّقاط لتمييز الحروف المتشابهة في الرسم ، بنفس لون الكتابة([35]).
وتحقق للكتابة العربية قبل انتهاء القرن الهجري الأول نظام كامل من العلامات الدالة على الحركات ، والنِّقاط المميزة للحروف المتشابهة ، لكن الكُتّاب وجدوا صعوبة في استخدام نظامين من النِّقاط بلونين من الحبر ، فتصدى الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 170هـ) لحل هذه الصعوبة ، وذلك بابتكار طريقة جديدة للحركات باستخدام الحروف الصغيرة المأخوذة من حروف المد ، وهي الضمة والفتحة والكسرة التي لا تزال مستخدمة إلى زماننا ، وأبقى نظام النِّقاط المميزة للحروف المتشابهة على ما كان عليه ، واخترع إلى جانب ذلك علامات للهمزة والتشديد والروم والإشمام.([36])
وتجدر الإشارة إلى عدة أمور تتعلق بهذا الإنجاز اللغوي الهام ، منها :
1. كان أمامَ علماء العربية والقراءة ثلاث طرق لوضع علامات للحركات أو تمييز الحروف المتشابهة ، الأولى : وضع رموز جديدة ، والثانية تغيير شكل الحرف تبعاً للحركة التي تتبعه بإضافة زائدة تتصل به ، والثالثة : استخدام العلامات الخارجية لتمثيل الحركات أو تمييز الحروف المتشابهة . واختاروا الطريقة الثالثة لأنها تحقق الغرض وتحافظ على رسم الكلمات في المصحف .
2. حاول بعض الباحثين المحدثين نسبة وضع علامات الحركات ونقاط الإعجام إلى التأثر بالثقافات الأجنبية ، فجعلوا أبا الأسود الدؤلي يعرف السريانية ، والخليل بن أحمد يعرف اليونانية ، وما ذلك إلا أوهام لا تقوم على بينة ولا تستند إلى حجة ، ولكنها محاولة لسلب أي فضيلة لهذه الأمة ونسبتها إلى غيرهم ، وبدأت هذه القضية على شكل ظنون أطلقها بعض المستشرقين وتلامذتهم ، ثم تلقفها بعض الدارسين وبنى عليها وكأنها حقيقة ثابتة ، وليس هناك أدنى شك في أصالة ذلك العمل الذي تحقق على يدي عالمين عربيين عُرِفَا بالذكاء والفطنة والابتكار([37]).
3. لقيت طريقة أبي الأسود في النَّقْط معارضة من علماء التابعين في بدء استعمالها ، ودعوا إلى تجريد المصحف وعدم خلط شيء به مما لم يكن فيه وقت نسخ المصاحف ، لكن الحاجة إلى ضبط القراءة وتيسير تعلمها جعلت علماء التابعين وتابعيهم يقولون : لا بأس بنقط المصاحف([38]). ولم تستخدم طريقة الخليل في المصاحف إلا بعد عدة قرون ، فنجد الداني ( ت 444هـ) يقول : " وتَرْكُ استعمال شكل الشعر ، وهو الشكل الذي في الكتب الذي اخترعه الخليل ، في المصاحف الجامعة من الأمهات وغيرها ، أولى وأحق اقتداء بمن ابتدأ النقط من التابعين ، واتباعاً للأئمة السالفين([39]). لكن تلك النزعة لم تدم طويلاً ، فنجد ابن وثيق ( ت 654هـ) لا يتحدث إلا عن علامات الخليل([40]). وانقرضت طريقة أبي الأسود من الاستخدام ، ولم يبق لها أثر إلا في المصاحف التي ضُبِطت بها ، والكتب التي تتحدث عنها وتبيّن كيفية استخدامها .