|
د. زغلول النجار :
أبدأ بحمد الله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد فأحب أن أعبر عن شكري
لهذه الدعوة وسعادتي لوجودي بينكم وابتداءً أقول إن أزمة من أزمات الأمة
الازدواجية في التعليم ، بمعنى أننا نعلم بعض الناس تعليماً شرعياً ونعزلهم
عزلاً كاملاً عن أحداث العالم وحركة الدنيا ، وهذا في غاية الخطورة !
وفي نفس الوقت التعليم المدني عندنا أصبح خلواً تماماً من أي إشارة إلى
الدين سواء كان طب أو زراعة أو هندسة أوعلوم. والذين يدرسون في هذه المجالات
يتخيلون أن إدخال الدين قد يكون مفسدة لها فيتحرجون من أي محاولة بين
الجمع بين الفكر الدنيوي والأصول الدينية الثابتة وأعتقد أن هذا نتيجة مخطط
موضوع وليس أمراً عفوياً , ومن ضمن الإنجازات الكبرى في التعليم الأمريكي -
رغم كراهيتنا لأمريكا - أنهم منهجيون ، ومن منهجيتهم أنهم جعلوا الدرجة
الجامعية الأولى درجة عامة وليست درجة تخصص , ودرجة التخصص تبدأ من الماجستير
والدكتوراه وفي الدرجة العامة لم يعزلوا المعارف عن بعضها البعض ،
فتأتي لواحد يدرس كيمياء في كلية العلوم في جامعة من الجامعات ، يقول له أنت
تدرس كيمياء لكن لا بد أن تلم بمتطلبات الأقسام الأخرى ، فعنده متطلب القسم
الرئيسي لكن يجعل هذا المتطلب الرئيسي يشكل 50% من المتطلبات و 25% متطلبات
الكلية حتى لا ينعزل طالب الكيمياء عن باقي التخصصات في العلوم يعرف شيء عن
الفيزياء عن الفلك عن الجيولوجيا لأن الفصل هذا فصل صناعي فيسمي هذه متطلبات
الكلية بأن يلم بقدر من المعارف من تخصصات الكلية المغايرة لتخصصه هو ، ثم
عنده ربع المتطلبات متطلبات الجامعة فإذا كان داخل علوم يأخذ دراسات إنسانية
إذا كان داخل دراسات إنسانية يأخذ شيء من العلوم حتى لا ينعزل الإنسان عن
الحياة.
نحن مصيبتنا في الأزهر مثلاً , علماء الأزهر في مصر
يتخيلون أن أي كلام في العلم يدور في دائرة النظريات ، والنظريات قابلة
للتغير ، ويعتقد أن هذا التغير لا يليق أن نفسر القرآن الكريم به
، أو نتحدث عن الإعجاز العلمي به، وأصبح عندهم عداء شديد للناحية العلمية
بدون مبرر ، والحكمة ضالة المؤمن أن وجدها فهو أحق بها.
أيها الإخوة ! لأن الحق أياً كان مجاله لو بقي بأيدي أهل
الكفر والشرك والضلال ، فسيوظفونه ضدنا كما هو حاصل الآن ، فعلى دارسي العلوم
الشرعية أن يلموا ولوا بالمعطيات الكلية للعلوم ؛ لأنها أصبحت جزءاً من
الحكمة ، والمعرفة لا يجوز أن أكون جاهلا بها ، وفي نفس الوقت على دارسي
العلوم المدنية من طب وهندسة وعلوم وزراعة وصناعة ...الخ , أن يلموا بقدرٍ أو
بحد أدنى من الثقافة الدينية حتى يقوموا بعبادتهم على الوجه المرضي لله
سبحانه وتعالى.
الإزدواجية أضرت ضرراً بليغاً بنا ، أفرزت لنا كوادر قد
تكون متميزة في دراستها المدنية ، ولكن ثقافتها الدينية صفر, و أفرزت لنا
علماء شرعيين لا يعرفون شيئاً عن معطيات علوم الدنيا ، ويشككون في أبسط
الحقائق العلمية ، وهذا الوضع لا يرضي الله ولا يرضي رسوله – صلى الله عليه
وسلم ، وإيجاد جسر بين المجموعتين مهم جداً ، يجمع بين الثقافة الشرعية
والإلمام بالمعطيات الكلية للعلوم عملية ضرورية.
وأنا أُشبَّه المعرفةَ الإنسانية بشكل هرمي ، هذا الشكل
الهرمي قاعدته العلوم البحتة والتـطبيقية ، ليس احتقاراً لها ولا استهانة
بشأنها ، ولكنها وسيلة التمكين في الأرض ، ووسيلة تمكين الإنسان من حسن
القيام بـواجب الاستخلاف في الأرض ، فهي ضرورة وفرشة أساسية لا بد أن
يلم بها كلم مسلم.
يأتي فوق العلوم البحتة والتطبيقية , فلسفة العلوم . والفلسفة
عندنا هي حب الحكمة ، بمعنى أني لا بد أن أستخلص من الرؤية المادية
حقائق غيبية ، المنطق يحتمها يعني ، لا يجوز أن أكتفي بأن أقول للطالب
أن الكون الذي نحيا فيه شاسع الاتساع ، محكم الحركة منضبط في كل جزئياته
وأسكت !
لو لم يقدني ذلك إلى الإيمان أن هذا الكون العظيم ، الذي له
هذه الصفات ، لا يمكن أن يكون قد وجد بالصدفة ، ولا يمكن أن يكون قد أوجد
نفسه ، ولكن له موجداً عظيماً ! هذا الموجد العظيم لا بد أن له صفات
مغايرة لصفات خلقه ، لا يحده المكان لا يحده الزمان ، لا تصنعه المادة ، و لا
تشكله الطاقة ؛ لأنه سبحانه وتعالى خلق هذا كله ، فلا بد أن يكون مغايراً
لخلقه ، و لا نملك أن نقول في وصف هذه الذات العلية إلا ما قاله ربنا في حق
ذاته العلية :(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).
وأنا أسمي هذا فلسفة العلوم بمعنى ألا أتوقف بالمعرفة العلمية عند الحدود
المادية المحدودة ، و إلا أكون بذلك قد وقفت عند أقل أبعاده ، وإن لم يوصلني
إلى الله فليس له قيمة.
فوق ذلك تأتي الدراسات الإنسانية ؛ لأن الإنسان مخلوق
مكرم وكل ما يتعلق بهذا المخلوق المكرم فهو مكرم ، دراسة اللغات وآدابها ،
دراسة العلوم السلوكية ، الإدارة ، الاقتصاد ، الجغرافيا ، والتاريخ ،
كل هذه المعارف لا بد أن تدخل ضمن الدراسات الإنسانية ، وبما أنها
متعلقة بهذا المخلوق المكرم فهي مكرمة وتأتي فوق فلسفة المادة.
فوق ذلك تأتي الفلسفة على الإطلاق ، بمعنى توظيف كل نوع من
أنواع المعارف المتاحة سواء كانت نظرية أو تطبيقية بمعرفة الله سبحانه
وتعالى.
في قمة الهرم وحي السماء ؛ لأن وحي السماء بيانُ الله سبحانه
وتعالى للإنسان في القضايا التي لا يستطيع الإنسان أن يضع لنفسه بنفسه ضوابط
صحيحة ، مثل قضايا العقيدة ، وهي غير مطلق العبادة ،
وأوامر مطلقة كالأخلاق والمعاملات وهي ضوابط وسلوك والإنسان كان دائماً
عاجزاً عجزاً كاملاً عن وضع ضوابط في هذه القضايا. ومن هنا كانت ضرورة الدين.
هذا الهرم المعرفي لا بد للإنسان أن يتخصص في شريحة منه
، لكن لا يجوز له أن ينعزل عن بقية الشرائح ، دائماً يكون له إلمام ولو بحد
أدنى ، شيء في الاقتصاد ، وشيء في الآداب ، وشيء في المسائل الشرعية ،
شيء في العلوم المدنية ، أرى هذا ضرورياً , وأرى أن الفصل بين هذه المعارف
أضر بنا ضرراً بالغاً.
أما طريقتي في شرح الآيات الكونية
في القرآن الكريم ، فأقول
أن الآيات الكونية في كتاب الله وهي كثيرة تتعدى 1400 آية صريحة ،
بالإضافة إلى آيات كثيرة تقترب دلالاتها من الصراحة ، هذه الآيات لا
يمكن أن تفهم فهماً صحيحا في إطار اللغة وحدها أبداً , اللغة أساسية وضرورية
لكن اللغة وحدها لا تكفي ، والذي يراجع التفاسير الحديثة والقديمة التي كتبها
كبار المفسرين ، تجدهم عند الآية الكونية إما أن يقوموا بتفسيرها في حدود
اللفظ فقط ، أو يعبرونها ويتجاوزونها ، وكثير من التفاسير تَعْبُر الآية
الكونية , لأن علم المفسر لم يبلغها بعد ، لذلك نقول إن الآيات الكونية في
كتاب الله لا يمكن أن تفهم فهماً صحيحاً في إطار اللغة وحدها ، بل لابد من
توظيف الحقائق العلمية المتاحة لفهم دلالة هذه الآيات ، واستشعار السبق
القرآني لهذه الحقائق ، والذي نسميه
الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.
عندما أقوم بالكتابة عن آية من الآيات الكونية ، أبدأ
باستعراض مقاصد السورة , فألخص السورة في عمود , أو عمود و نصف من
المقال الأسبوعي الذي أكتبه في جريدة الأهرام ، وأعتبر هذا في حد ذاته دعوةً
للناس ، لا أقوم بتفسير السورة ، وإنما فقط ألخص الجو العام للسورة ,
إلى ماذا تدعو ؟ هل هي مكية أم مدنية ؟ هل تركز على العقيدة ، أم على
العبادات ، أم على السلوكيات ؟ هل تقص قصص الأمم السابقة ، أم تتحدث عن أمور
مستقبلية ؟ وهكذا. ثم بعد ذلك أتعرض للألفاظ اللغوية الغريبة في الآية التي
أتعرض لتفسيرها ؛ لأن معرفة وفهم دلالة الألفاظ أمر مهم ، ولا يمكن فهم
المعنى العلمي حتى يفهم المعنى اللغوي الصحيح. بعد ذلك أتعرض لكلام المفسرين
في هذه الآية ، فإذا كان قد ورد في الآية شيء مأثور عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، أو شي من أسباب النزول ، أو قضية ناسخ ومنسوخ ، فلا بد أن
نعرض لها.
ثم أتكلم عن الدلالة العلمية للآية ، والدلالة العلمية لا
نقول فيها إلا بحقائق علمية قاطعة لا رجعة فيها ، فلا نوظف الفروض ولا
النظريات أبداً إلا في حالة واحدة , وهي حالة الآيات التي تتحدث عن الخلق ,
خلق الكون, خلق الحياة , خلق الإنسان , لماذا ؟ لأن الخلق , قضية غيبية
لا يمكن إخضاعها لأحاسيس الناس ومشاعر الناس ، ولا رؤى الناس. والقرآن بنصه
يقول في ربنا تبارك وتعالى :( ما أشهدتهم خلق
السموات و الأرض و لا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا)
وهذه الآية كانت في معرض الرد على الجن , لكن الجن كانوا سابقين في
وجودهم على الأرض على الإنس , فالآية تشمل الإنس والجن في آن واحد , ليس هناك
أحد من الإنس ولا الجن شهد عملية الخلق ، ولكن القرآن الذي يخبرنا فيه ربنا
تبارك وتعالى بهذه الحقيقة هو هو الذي يقول فيه رب العالمين :
(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) ،
هو الذي يقول فيه رب العالمين :( لخلق السموات والأرض
أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون) آيات كثيرة تحض على
النظر في عملية الخلق ، عندما نجمع هذه الآيات ، ندرك أن عملية الخلق قضية
غيبية لا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلى حقيقةٍ كلية بجهده منفرداً
أبداً , ولذلك فقضية الخلق متاهة بأبعادها الثلاثة بين العلماء الغربيين ،
بالرغم من أنه قد توفر لديهم من الشواهد الحسية كم هائل ، لكن هو لا يملك إلا
أن يضع فيها نظرية ، والنظرية تتأثر بخلفية واضعها ، هل هو مؤمن
أم كافر ؟ موحد أم مشرك ؟ جاد أم هازل؟ سعيد أم شقي ؟ فلا بد أن هذا ينعكس
على صياغته للنظرية ، وكثير من النظريات التي يصوغها الغربيون أسسها العلمية
صحيحة 100% ، وهي هراء ، وكلام لا يليق بجلال العلم !
معنى هذا الكلام أن قضية الخلق بأبعادها الثلاثة ( خلق الكون-
خلق الحياة - خلق الإنسان) متاهة لا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلى تصور
صحيح بجهده منفرداً ، حتى لو توفر له كم هائل من الشواهد ، ومن رحمة ربنا
تبارك وتعالى بنا أنه أبقى لنا في صخور الأرض ، وفي صفحة السماء من الشواهد
الحسية ما يمكن أن يعين الإنسان على الوصول إلى تصور صحيح لقضية
الخلق , لكن لا بد أن ينطلق في هذا من الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى فلو
أنكر الخالق تاه وضل , أحد العلماء اسمه ستيفن روبن ، وهو واحد من علماء
زماننا ، ألف كتاباً عن خلق الكون ، وهذا المؤلف في كتابه يكاد ينطق
بالإيمان ، لكن قبل ما ينطق بكلمة لا إله إلا الله أو سبحان الله يقول
: أنا لا أريد أن يقال عني أنني إنسان رجعي , لكن الكون هذا لا بد من وجود
قوة كبرى وراءه وأنا لا أسمي هذه القوة ولا ندخل في هذا المجال ! فتأمل ! هذا
نمط من أنماط الحيرة.
ولذلك فللمسلمين فقط وليس لغيرهم القدرة على أن يرتقوا بإحدى
هذه النظريات إلى مقام الحقيقة ؛ لأن العلم الكسبي قد وصل فيها إلى حقيقة
، و لكن مجرد وجود إشارة لها في آية في كتاب الله ، أو حديث صحيح من سنة رسول
الله – صلى الله عليه وسلم - والنماذج على هذا كثيرة جداً.
فالذي أفعله ألخص السورة أتحدث عن الكلمات الغريبة في الآية
أعرض شرح عدد من المفسرين المتوفر عندي تفاسيرهم لهذه الآية الكريمة ولا أريد
أن أطيل على القارئ كثيراً ثم أشير إلى الدلالة العلمية للآية القرآنية
الكريمة في ضوء عدد من الحقائق الثابتة ، ولا أريد الإطالة عليكم لكن هناك
ضوابط كثيرة للتعامل مع قضية الإعجاز من أهمها ألا
يوظف في قضية الإعجاز إلا القطعي الثابت من الحقائق العلمية الراسخة التي
حسمها العلم والتي لا رجعة فيها ، بعد ذلك عندما نأتي لقضية
الخلق أنا أرجح نظرية على أساس نظرية لوجود إشارة لها في كتاب الله
وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
وأعتبر المقال الذي أكتبه في جريدة الأهرام أسبوعياً فتحاً من
الله سبحانه وتعالى ، وإعزازاً للإسلام ، الأهرام التي أسسها النصارى في مصر
، والتي لا يزال فيها إلى يومنا هذا جيوب كثيرة لأعداء
الإسلام من النصارى والعلمانيين واليساريين وأصحاب الشهوات ، فهذا نصر كبير
ولله الحمد ، فهو الذي وفق وأعان ، ولست أعرف كيف تيسر هذا الأمر ، فهو توفيق
محض من الله سبحانه وتعالى ، وبعض الناس يظنون أنني وصلت لرئيس
الجمهورية ، واستطعت الحصول عن طريقه على هذه الفرصة للكتابة في الأهرام،
وهذا لم يحدث وإنما هو توفيق من الله. كنا فيما مضى نتمنى أن يسمح لنا بعمود
في جريدة الأهرام نبلغ فيه شيئاً من الدعوة الإسلامية للناس ، فمنَّ الله
علينا بصفحة كاملة في هذه الجريدة السيارة !
والذي لا يفهم العلم على الأقل سيستفيد من تلخيص السورة ،
يستفيد من عرض تفسير الآية ، والذين يهتمون بالعلم قبل أن يهتموا بشرح
السورة أو تفسير الآية ينتقلون مباشرة إلى القضية العلمية ، فهذه
الصفحة الأسبوعية تخدم أغراضاً كثيرة. ولا أقول ذلك عن المسلمين ، بل تعدى
نفعها وتأثيرها إلى غير المسلمين ، فقد جاءني مهندس نصراني إلى بيتي ، وهو
يقول : والله عقلي معك 100% ، لكن قلبي لم يتحرك بعدُ ! فقلت : لعل الله
يحركه.
فتاة نصرانية تُعلِّقُ على المقال أسبوعياً ، المقال ينشر يوم
الأحد الساعة عشرة ليلاً ، وأنا أخرج الساعة الحادية عشرة لأشتري الجريدة من
أول طبعة حتى أقرأ المقال. وعند الساعة الثانية فجراً ، أجد هذه الفتاة قد
أرسلت رسالة الكترونية على بريدي ، تبدي إعجابها بما ورد فيها ،
وتستوضح بعض الأمور الغامضة التي لم تتضح لها ، وهكذا.
أستاذ في الأزهر يحضر رسالة دكتوراه في الإعجاز العلمي للقرآن
الكريم تحت إشرافي ، يكلمني مباشرة بعد نزول العدد مباشرة ، وهذا الأستاذ
حاصل على شهادتي دكتوراه ، إحداهما في (الجيولوجيا) ، والأخرى في (علوم
الأرض) ، ورجل يعتبر من القمم في مصر وهو من بيت أزهري من عائلة
الظواهري عنده مكتبة إسلامية كبيرة في بيته وهو مهتم بهذا العمل ، ويعلق على
المقال يوم بيوم ويناقشني فيه ، فأحدث المقال شيئاً من الصحوة في مصر من فضل
الله وله قبول عند الناس وأعتبره إعزازاً للإسلام ، ورفع لصوت القرآن في
مجتمع أريد له التغريب والإبعاد عن هذا الدين.
|