• Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • YouTube
  • RSS
  • فعالياتنا
  • مشاريعنا
  • إصداراتنا
  • من نحن

مقالات وبحوث مجلة كنوز الفرقان - تفسير سورة البقرة - محمد هاشم عطية

محمد هاشم عطية

عدد الزيارات: 1,185
QR Code
1 0

تفسير من قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات) إلى قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين).

يقول الله سبحانه: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). فالأيام المعدودات في الآية الكريمة هي أيام منى، وهي أيام التشريق الثلاثة؛ من الحادي عشر إلى الثالث عشر من ذي الحجة. نزلت الآية الكريمة لبيان حكم من أحكام فريضة الحج، فها هو ذا الحديث يقول: "إن أناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو واقف بعرفة فسألوه، فأمر مناديا ينادي " الحج عرفة" يعني أن أهم ركن من أركان الحج الوقوف بعرفة " من جاء ليلة جمع – أي المزدلفة -  قبل طلوع الفجر فقد أدرك – أي أدرك الحج – أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه" وأردف صلوات الله عليه رجلا ينادي بهن – أي أركب رجلا خلفه ينادي بهذه الكلمات، ليعرف الناس حكم الله في هذا القسم من فريضة الحج؛ وهو أن من أدرك عرفة ولو في الليلة التي ينفر فيها الحاج إلى المزدلفة للمبيت فيها، وهي الليلة العاشرة من ذي الحجة، ليلة عيد الأضحى- فقد أدرك الحج، وأن أيام منى ثلاثة، وهي التي يرمون فيها الجمار، وينحرون فيها ضحاياهم، فمن فعل ذلك في اليومين الأولين منها جاز له، ومن تأخر إلى الثالث جاز له. وذكر الله تعالى في هذه الأيام، هو التلبية والتكبير في أعقاب الصلاة، وعند ذبح القرابين يرمى الجمار، وما إلى ذلك من الأعمال. كتب الله لكم ولنا حجا مبرورا لبيته، وزورة مقبولة لرسوله، والله ذو الفضل العظيم.

        سادتي: أقبل الأخنس بن شريق الثقفى، إلى رسول الله عليه صلوات الله وهو بالمدينة، فأظهر له الإسلام، وقال إنما جئت أريد الإسلام والله يعلم أني صادق، فأعجب رسول الله منه ذلك، ولكنه في عوده إلى أهله مر بزرع وحمر لقوم من المسلمين، فأحرق الزرع وعقر الحمر، فأنزل المولى سبحانه فيه: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) أي  أشد الناس خصومة وعداوة " وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ "  " وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ". وقد يكون معنى الآية الكريمة: أن هناك صنفا من الناس يختدع الناس عما في نفسه بمعسول قوله، حتى إذا اطمأنوا إليه وولوه أمورهم، صار الحاكم الظالم، وسعى في الأرض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل.  

        قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجرا نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتبعه نفر من مشركي قريش، فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته: أي أخرج ما في جعبته من السهام، وأخذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني أرماكم رجلا، وأيم الله: أي أقسم بالله: لا تصلون إلي حتى أرمى بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقى في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم قالوا: دلنا على بيتك ومالك بمكة ونخلى عنك: وعاهدوه إن دلهم أن يدعوه، ففعل، فلما قدم على رسول الله صلى عليه وسلم قال "أبا يحيى ربح البيع، ربح البيع!" وأنزل الله سبحانه " ومن الناس يشري نفسه: أي يبيعها: ابتغاء مرضاة الله  والله رءوف بالعباد".

        وفي غزة الخندق أصاب المسلمين ما أصابهم، من الجهد والشدة، والحر والبرد، وسوء العيش وأنواع الأذى، حتى بلغت القلوب الحناجر وظنت بالله الظنون، فأنزل سبحانه " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم – أي سبقوكم – مستهم البأساء – وهي الشدة تصيب الإنسان في غير نفسه كأخذ الأموال والإخراج من الديار -  والضراء- وهي ما يصيب الإنسان في نفسه كالجرح والقتل -  وزلزلوا أي اضطروا – حتى يقول الرسول -  أي رسول ممن سبقوا – والذين آمنوا معه متى نصر الله – لهول ما لاقوا من أعدائهم الذين يصدونهم عن سبيل ربهم و يبغونها عوجا – ألا إن نصر الله قريب".

        حدث عروة بن الزبير أن رسول الله صلوات الله عليه بعث سرية (أي جماعة) من المسلمين وأمّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة (اسم مكان) ووجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش ( العير: الإبل) في آخر يوم من  رجب الحرام، فاختصم المسلمون فيما بينهم في أمر القتال، فقال بعضهم: لا نعلم هذا اليوم إلا من الشهر الحرام القتال في الشهر الحرام حرام، فلا نرى أن تستحلوا القتال لطمع أشفيتم عليه – أي أشرفتم عليه – ولكن الذين يريدون عرض الدنيا غلبوا على أمرهم، فشدوا على ابن الحضرمي وغنموا عيره، فبلغ كفار قريش ذلك، فركب وفد منهم حتى قدموا على رسول الله صلوات الله عليه فقالوا: أتحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله سبحانه " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير" أي أمر مستنكر "وصد عن سبيل الله، وكفر به: أي بالله: والمسجد الحرام: أي صد عن  المسجد الحرام يمنع المسلمين من الحج والاعتمار " وإخراج أهله منه" وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون – كل واحدة من هذه الجرائم التي يقترفها المشركون " أكبر عند الله" أي من القتال ي الشهر الحرام " والفتنة أكبر من القتل" فقد كان المشركون يفتنون  المؤمنين عن دينهم بإلقاء الشبهات وبألوان شتى من الإيذاء والتعذيب، كما فعلوا بعمار بن ياسر وعشيرته، وبلال وصهيب وغيرهم، فقد كان أمية بن خلف يعذب بلالا ليفتنه، فكان يجيعه ويعطشه ليلة ويوما، ثم يطرحه على ظهره في الرمضاء: وهي الحجارة المحماة تنضج اللحم: ويضع على ظهره صخرة عظيمة ويقول: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد وتعبد اللات و العزى ! فيأبى ذلك. وقد هانت عليه نفسه في الله عز وجل، وكانوا يعطلونه الوالدان فيربطونه بحل ويطوفون في شعاب مكة تنكيلا به وهو يقول: أحد، أحد، أحد، أحد. قال تعالى يخاطب المؤمنين " َلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ".

        وروى أحمد من حديث أبي هريرة قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوا رسول الله عنهما فأنزل سبحانه عليه (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) فقال  الناس ما حرم علينا. وظلوا يشربون الخمر، حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أم أصحابه في المغرب فخلط في قراءته لسكره، فأنزل تعالى آية أغلظ منها (َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) ثم حرمت بعد ذلك تحريما قاطعا بقوله سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

قال سبحانه ( ويسألونك ماذا ينفقون) أي في سبيل الله ( قل العفو) وهو الفضل الزائد عن الحاجة، ففي الحديث الشريف " خير الصدقة ما أبقت غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: أنفق علي أو طلقني،ويقول المملوك أنفق على أو بعني، ويقول ولدك إلى من تكلني؟".

وعن ابن عباس قال: لما نزل قوله سبحانه ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده) وقوله (ِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلوات الله عليه، فأنزل سبحانه (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ)  أي أوقعكم في العنت وهو المشقة بأن يكلفكم القيام بشئون اليتامى، ولا يأذن لكم بمخالطتهم ولا يأكل لقمة واحدة من طعامهم، ولكنه لسعة رحمته لا يكلف نفسا إلا وسعها ( إن الله عزيز حكيم).

        ولما حلف أبو بكر رضي الله عنه أن يقطع النفقة عن مسطح بعد إذ خاض في قصة الإفك، وشاطر من اتهم عائشة أم المؤمنين رأيه، أنزل المولى سبحانه " وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " وفي هذا المعنى قوله عليه صلوات الله " والله إن شاء لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت بالذي هو خير وكفرت عن يميني". على أن الخير ألا يكثر المرء الحلف بالله بدليل قوله سبحانه: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، خشية أن يصبح حلافا مهينا، فإن كثير الحلف حليف المهانة.

قال معقل بن يسار: كنت قد زوجت أختا لي رجلا فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها مع الخاطبين، فقلت له: زوّجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليها أبدا. قال وكان رجلا فيه ما يرغب فيه، وكانت المرأة راغبة أن ترجع إليه، فأنزل المولى عز شأنه " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن" أي تمنعوهن عن الزواج بمن يحببن ( أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف، ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر، ذلك أزكى لكم وأطهر، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) فلما سمعها معقل قال: سمعا لربي وطاعة. ثم دعا الرجل وقال له: أما الآن فأزوجك وأكرمك.

        سادتي: عني كتاب الله بالصلاة، والحث على أدائها حق الأداة في مواضع منه مختلفات، ذلك لأنها كما تعلمون عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، ولهذا قال الحديث الشريف " تارك الصلاة ملعون، وجاره إن رضى به ملعون" قال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) وقد اختلفت العلماء آراء ومذاهب في تعيين الصلاة الوسطى، وهي الصلاة التي اختصها القرآن يقوله ( والصلاة الوسطى) فكانت بذلك أفضل الصلوات، ولعل أرجح الآراء في ذلك رأى من يقول: إنها صلاة العصر، للحديث المرفوع الذي تحدث به رسول الله يوم الأحزاب " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" وقد روى هذا الحديث بلفظ آخر وهو " ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" ولم يذكر العصر (وقوموا لله قانتين) أي قفوا في صلاتكم خاشعين ملتزمين لخشية الله سبحانه، مستشعرين هيبته وعظمته؛ فإن روح الصلاة الخشوع؛ ولا خير في جسم بلا روح، قال زيد بن الأرقم: كنا نتكلم في الصلاة: يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ( وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

        وروى ابن مسعود قال:  كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد، فقلنا: اي بعد الصلاة- يا رسول الله: كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال " إن في الصلاة شغلا" ولما كان للصلاة هذا الجلال الجليل، فهي تسقط بحال عن المكلفين، حتى في ساعة الخوف على النفس أو العرض أو المال، أو في ساحة القتال، لأنها عمل قلبي، فهي ألزم للمصلي في مثل هذه المواطن، أما أعمالها الظاهرة كالركوع والسجود فبحسبه أن يؤديها بالإشارة، ماشيا أو راكبا، نائما أو قاعدا (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) أي أدوا الصلاة بعد ذهاب الخوف عنكم على هيئتها التي علمكموها الله.

        سادتي بعد أن ساق كتاب الله لعباد الله ما ساق من بيان طريق الخير لكل أحد، شاءت إرادته سبحانه أن يضرب للناس مثلا يعلمون به أن خير الجميع في العمل لخير الجميع، ويتبينون منه أن حياة الأمم موقوفة على استهانتها بالحياة، وبذلها رخيصة في سبيل الحياة والعيش الكريم، أما الخوف من الموت، والهرب من وجوه التضحية، فمجلبة للموت الأدبي، والذل الأبدي والناس من خوف الفقر في فقر، ومن خوف الذل في ذل (ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) فهؤلاء القوم الذين ضربهم الله لنا، خرجوا من ديارهم هاربين، يسوقهم الخوف القاتل، من عدو هاجم. والعجب أنهم ألوف لا يتشكون قلة في العدد، ولكنه الجبن قاتله الله يريهم أن الفرار من القتال هو الواقي من الموت، وما هو والله إلا الموت في أذل صوره، وأحقر ألوانه

                يرى الجبناء أن الجبن حزم               وتلك خديعة الطبع اللئيم

وأين هؤلاء الجبناء ومن لف لفهم من قول الشاعر الحكيم

تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد                 لنفسي حياة مثل أن أتقدما

(فقال لهم الله موتوا) بفتك العدو بهم، وتمكينه من إذلالهم، والقضاء على استقلالهم، وهل بعد هذا من موت يخشاه الأحياء، أو ذل يتحامل لأعزاء؟ " ثم أحياهم الله" بعد ذلك بما أذاقهم من مرارة الفضل والتخاذل أو الحذر  والجبن، فتعلموا كيف يجمعون كلمتهم، ويوثقون روابطهم، حتى عادت لهم وحدتهم وقوتهم، فخرجوا من ذل العبودية إلى عز الاستقلال " إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ " يأيها السادة أن نتدبر ذلكم لنحافظ على كياننا، ونستهين بالموت في سبيل حياتنا، " مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ".

        ثم اسمعوا بعد أيها السادة هذه القصة التي اقتصها كتاب الله، لتتلقوا منها دروسا عالية في فنون النضال، وأساليب الجهاد والقتال " ألم تر إلى الملإ – أي الأشراف من الناس – من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله" اسم هذا النبي شمويل وهو معرب صمويل، وقد سألوه ملكا يستعينون  بعزة ملكه وحسن سياسته على قتال أعدائهم العمالقة بفلسطين إذ أخرجوهم من ديارهم أبنائهم " قال – أي ذلك النبي – هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا" أي لعلكم لا تقاتلون إن كتب عليكم القتال " قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم، والله عليم بالظالمين. وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، قال أنى – يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال؟ قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم" لأن العقل السليم في الجسم السليم. وليس من الضروري لمن يتولى الملك أن يكون واسع الغنى، عريض الجاه " والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم. وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم  الطاغوت" صندوق كان فيه صور الأنبياء فغلبهم العمالقة عليه وأخذوه، كانوا يستفتحون به على عدوهم، ويقدمونه في القتال ويسكنون إليه. فذلك له سبحانه ( فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) في الألواح أو رضاضتها " تحمله الملائكة" أي تماثيل للملائكة حلى التابوت " إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين. فلما فصل طالوت جالوت- اي انفصل بهم من مقامهم – قال إن الله مبتليكم بنهر، فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده"....عنه. وإنما فعل ذلك لينحّى به عن جنده جماعة العصاة غير الصابرين،..... لقتال أعدائه في جماعة الطائعين الصابرين " فشربوا منه إلا قليلا منهم، فلما جاوزه هو والذي آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده – جالوت أشهر أبطال أعدائهم -  قال الذين يظنون – أي يوقنون -  أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ – أي النبوة والكتاب – وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ – فيدفع أهل الباطل والفساد بأهل الحق والصلاح " لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ. تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ " يعني الله سبحانه في خطابه هذا محمدا رسول الله، الذي نطق بلسانه كتاب الله، وأشرق من قلبه نور الله. والسلام عليكم ورحمة الله. 

المقالة السابقة
إعجاز القرآن (2)
المقالة التالية
إعجاز القرآن (3)
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.