الإيقاع الصوتي في القرآن الكريم

الإيقاع الصوتي في القرآن الكريم

%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%AA%D9%8A.png - الإيقاع الصوتي في القرآن الكريم | Tafsir Center for Quranic Studies | مركز تفسير للدراسات القرآنية

تتناول هذه المقالة الإيقاع الصوتي في القرآن الكريم، وتُبْرِز مظاهر انسجام أصوات الكلمات والعبارات وفواصل الآيات، وبيان صِلَته بالمعنى وأثره في إبراز جمال النَّظْم القرآني وإعجازه البياني.

الإيقاع الصوتي في القرآن الكريم

  لا يجد أيُّ باحث عناءً في الاستدلال على أنّ القرآن كتاب هداية وأدب؛ لما يحسّ به المتلقِّي عند قراءته من تأثير في النفس بهَدْيه وجرس ألفاظه وعُمق معانيه، لا سيما إذا كانت القراءة بوسيلة السِّماع. والانجذاب إلى المعاني القرآنية بالتدبّر يحتاج إلى تهيؤ الذهن، وذلك يستدعي لفت انتباه المتلقي للجمال الصوتي بإيقاع الكلمات والجُمَل، من أجل ذلك كان انسجام أصوات الحروف والكلمات القرآنية من مظاهر إعجازه البياني، ضمن بقية الوجوه المعنوية والأسلوبية المعجزة، يقول عبد الخالق عضيمة: «أما إعجاز ألفاظ القرآن وأصوات كلماته، فيحسّ به من له أُذُن موسيقية، ولو كان أعجميًّا لا يعرف اللغة العربية».

فهو وجه إعجازي يناسب عالمية الخطاب القرآني، ومن دلائل التحدّي للناس كافة، وليس للناطقين بالعربية دون غيرهم.

وقد أدرك ذلك دارسو الإعجاز البياني منذ القرون الأولى، منهم عليّ الرماني الذي رأى أنّ التلاؤم بين الأصوات، إذا انضاف إليه حُسْن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات، ظهر الإعجاز للجيد الطباع، البصير بجواهر الكلام.

ولكن اهتمامهم بالمعاني والصّور البيانية شغلهم عن مباحث الانسجام الصوتي، قال محمد مندور: «ينكر عبد القاهر كلّ مزية للّفظ، وهو في ذلك يناقض آراء الجاحظ في الفصاحة، ولكن هذا في الحقّ إنكار مسرِف لا نُقرّه، وممّا لا شكّ فيه أن لجرس الألفاظ قيمة ووقعًا إيجابيًّا كثيرًا ما يعين الأديب على استنقاذ إحساسه»، وكان الرافعي أكثر من اهتم بهذا النوع الإعجازي من المحدَثِين، وقد قال في دلالة الإيقاع الصوتي على إعجاز القرآن: «فلما قُرئ عليهم القرآن رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جُمَله، ألحانًا لغوية رائعة، كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها، فلم يفتهم هذا المعنى، وإنه أمر لا قِبَل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم، حتى إنّ مَن عارضه كمسيلمة جنح في خرافاته إلى حسبه نظمًا موسيقيًّا أو بابًا منه، وطوى عمّا وراء ذلك من التصرّف في اللغة وأساليبها ومحاسنها».

وبنمو الدراسات الأدبية التي أظهرت امتزاج المعاني بالإيقاع، برز اتجاه دراسة الموسيقا الداخلية والخارجية في القرآن، من أجل تأصيله مَعْلَمًا من مَعالم إعجازه، انطلاقًا من الإحساس بتلك الموسيقا المناسبة في مقاطع الكلمات والجُمَل القرآنية، يقرّر محمد المبارك هذا المنحى فيقول: «وقد بلغتْ هذه الخاصة الموسيقية ذروتها في التركيب القرآني الرائع، حيث تناسق المعاني والنغمات والفكرة والجرس أحسن تناسق».

ويُبرز العقاد أهمية الإيقاع في التشجيع على حِفْظ ألفاظ القرآن، مع ما في ذلك من جذب العقل إلى معانيه، والقلب إلى هدايته، فيقول: «يظهر أنّ قوالب الجُمَل، وأوزان الكلمات أثبت انتقاشًا في الذِّهن من حروفها، فربما نسي الإنسان معنى الكلمة أو حروفها ثم ذكرها بوزنها».

ولم يَسَعْ بعض المستشرقين المتأمّلين في القرآن إلا التسليم بأثره الصوتي في النفوس، يقول المستشرق هاملتون جب H. Gibb: «إنّ الجَمَال الفني هو رأس ما جذب العرب إلى الإسلام».

ويقول بيير كرابون Pierre Cropon بعد استقراء صوتي لمجموعة من السور المكية: «إنّ هذه الملاحظات توضح لنا في الوقت ذاته التفسير الممكن لكلمة سورة التي لم يوجد لها تفسير مُرْضٍ، ونقترح أنْ تكون هي المعادل العربي للكلمة العبرية (شيرة) أي نشيد، وإذا كان المعنى الديني غير واضح، فإنّ السورة تبدو على الأقل كأنها نشيد... نشيد مقدّس تعد الخصوبة الإيقاعية التي توجد فيها أثرًا لازدهار حساسية موسيقية عجيبة، تتمثّل على مستوى الأشكال في تعدّد التفاعيل، والتقطيع الفقري، والائتلاف والتفرّغ الإيقاعي؛ تنتهي إلى توازن عام».

وعلى الرغم مما في هذه الكلمات من نظر، فإنها تصرّح بالإعجاز الصوتي للقرآن الكريم، إقرارًا من المستشرقين المعتدِلين بسموّ هذا الكتاب وخلوده. وقد ساعدت اللغة العربية أبناءها على تربية التذوّق الموسيقي للكلمات والجُمَل، فدفع بهم ذلك إلى معانقة الآيات القرآنية عند سماعها، يقول إبراهيم أنيس في الاعتداد بخصيصة الموسيقا الصوتية في اللغة العربية: «فاللغة العربية من اللغات التي عُنيت بموسيقا ألفاظها وعباراتها في كلّ العصور»، ويعلّل ثراءها الموسيقي بقوله: «وفي رأيي أن ظاهرة الموسيقية في اللغة العربية تُعزى في أغلب عناصرها إلى تلك الأُمّية، حين كان الأدب أدب الأُذُن، لا أدب العين».

ويمكن أن نجمل القول في هذا الضرب الإعجازي حول ثلاثة محاور على حسب تقسيم الكلام من مقاطع الكلمة الواحدة إلى مجموع الكلمات في العبارة إلى الانسجام بالتوافق بين نسق اللفظ ونظام المعنى ومقاصده:

1- التناغم في الكلمة: 

إنّ اختيار القرآن كلمات دون غيرها، ليس من قبيل التصرّف التلقائي، ولكنه مع مراعاة دقّة مدلولها، يقع الاختيار عليها لتناسب حروفها وانسجام إيقاعها؛ مما لا ترقى إليه أداءات كلمة أخرى، فنغمة النُّطق ملحظ من ملاحظ الاختيار في القرآن في توظيف يتّسق مع جمال المعنى ودقّته. ولا شك في أنّ المتلقي للأدب بنثره وشِعْره، ينجذب إلى بعض التعبيرات الشِّعْرية أو النثرية لحُسْن إيقاع حروفها في كلماتها، وإن تقاربت مع تعبيرات أخرى في التصوير والتأثير، فكان أسلوب القرآن متّسمًا بحُسْن إيقاع حروف كلماته، لكي ينسجم الإيقاع في جُمَله وآياته، وفي النَّغَم الشامل لكلّ سورة من سوره، يقول مصطفى الرافعي في هذا المقصد الجمالي المشوق: «وأصوات الحروف إنما تتنزل منزلة النبرات الموسيقية المرسلة في جُمْلتها كيف اتفقت، فلا بد لها من نوع من التركيب وجهة من التأليف يمازج بعضها بعضًا».

وقد كان التلاؤم بين حروف الكلمة الواحدة من أبرز مظاهر الإيقاع الموسيقي للّفظة الواحدة الذي يتضاعف جماله عند اقترانها بغيرها، وكان الرماني من الملتفِتِين إلى هذا الملحظ، فقد قسم الحروف إلى ثلاثة أوجه: متنافر ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا، ورأى أنّ القرآن يمثّل الوجه الثالث، وأبرز فائدته فقال: «حسن الكلام في السمع وسهولته في اللّفظ، وتقبل المعنى له في النفس، لما يَرِد عليها من حُسْن الصورة، وطريق الدلالة»، وليس جمال الإيقاع في الكلمة من ترك الحروف المتنافرة عندما تتقارب مخارجها فحسب، ولكن خفّتها في مسارها بين الكلمات قد يحقّق الانسجام، ولو كانت من مخارج متحدة أو متقاربة، فإذا كان أكثر اللغويين والأسلوبيين يرى أنّ الاعتدال بين مخارج الحروف قربًا وبعدًا هو علّة تناسبها، والتباعد الشديد، أو المبالغة في التقارب، فإنّ القرآن يؤكّد أن العلّة الجامعة هي انسجام الصوت المسموع في الأذن، بغضّ النظر عن تقارب الحروف أو تباعدها أو الاعتدال بين ذلك، يقول عمر السلامي مؤيّدًا هذا الرأي: «إنّ الحروف لتحدث إيقاعًا، لا تلمسه في الكلام العربي عند تكاثفها، وإنّ هذا الإيقاع؛ ليتناغم في حُسْن التوزيع والدقة في النطق والإخراج، ونلمس هذا في قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾... إننا نشعر عند النطق بتكاثف حرف الميم بخفّة في بعضها، كما في قوله تعالى: ﴿بِسَلَامٍ مِّنَّا﴾، ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وبثقل وسط يكاد يعسر عنده النطق ويتعثّر من أجله اللسان في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ إلا أن النطق الهادئ البطيء يجنبنا التعثر».

فعلى الرغم من توالي الميمات ستّ مرّات في المقطع الكلامي: «أمم ممن معك»، الميمات المنطوقة أصالة، والمنقلبة عن النون بالإدغام، فإنّ الانسجام الإيقاعي لم يزدد إلا قوة في التأثير والتناسب.

وقد تكرّرت حروف متماثلة في كلمة واحدة، ولا يؤدِّي ذلك إلا إلى مزيد من الانسجام، لأنّ تكرار حرف فيها يقابل تكرار حرف آخر من جنسه يخالف المكرّر الأول ويبتعد منه في المخرج، كما في قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ فتكرار الكاف والباء كليهما مرّتين صار مستحسنًا في جرس الكلمة؛ لتباعد المخرج بين الكاف والباء، فالكاف تخرج من أقصى الحنك فهي طبقية، والباء تخرج مما بين الشفتين، فهي شفهية، وهناك تباعد بيّن بينهما، ساعد على سعة الذبذبة التي فرضت التباطؤ في نطق الكلمة، فأخذت الكلمة تستقر في توازن يحفظ لها الانسجام على الرغم من تكرار حرفيها، وبمثل ذلك نحسّ في نطق كلمة «عسعس» من قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ فالعين حرف حلقي، والسين حرف لثوي، ومثل ذلك يُقال في الكلمة القرآنية «حصحص»: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾.

واستعمل القرآنُ الكريم كلمات دون غيرها مع التقارب في المعنى الذي قد يحافظ على دقّته بتغيير سياقه، ولكنّ حِرْص القرآن على الجمع بين عذوبة جرس الكلمة وإيحائها، جعل الله تعالى كلماته في هيئات ألطف في الإيقاع، فقد اختار اللهُ كلمة «فاستعصم» بدلًا من «امتنع»؛ لأنها أعذب وأوفق بالجمال الحِسّي والمعنوي في قصة مَن منحه الله شطر الحسن، فقال على لسان امرأة العزيز، وهي تتحدّث عن يوسف الكريم الجميل: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ فقال: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ في هذه الآية، وقال في آية أخرى: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ فاستعمل فعل الكسب في آية فاطر، حتى لا يثقل على السمع بتكرار النظائر بين الفعل وكلمة ظهرها، واستخدم فعل الظُّلْم عندما عبر بالإضمار في قوله عليها، فأمن ذلك الإثقال.

كما دفع الثقل فيما بين الحروف المقطّعة في أوائل السور، ويتّضح ذلك في صدر كلّ سورة بدأت بتلك الحروف، فلا يتكرّر حرف مع ما يجانسه إلا مشفوعين بحرف أو حروف أخرى كما في قوله تعالى: ﴿حم * عسق﴾، فقد اجتمع حرفَا حلق وهما الحاء والعين، ولكن فصل بينهما بحرف شفوي وهو الميم، وإذا وقع النطق بحرفين متماثلين على التوالي لا يكون أحدهما ساكنًا والآخر متحركًا، كما في النطق بلام مخفّفة وبالميم بعده في قوله تعالى: ﴿الم﴾.

ولهذه الحروف خصوصية إيقاعية تهيئ المتلقي، وتستحثّه على استقبال النصّ المركب من هذه الحروف وغيرها، ولكن ما تركبت منه هذه الحروف أكثر من نسبته، فيستأنس السامع به في صدر السورة حتى يألف تكراره في غضونها، لا سيما إذا كانت السورة طويلة كما في البقرة وآل عمران وسور المئين؛ لذلك لم يرد الاستهلال بالحروف المقطعة في قصار السور، على الرغم من أنّ بعضها احتوى على حرف واحد أكثر من حروف أخرى، كما في سورة الكوثر التي تكرّرت فيها الراء أكثر من الحروف الأخرى، وكما في تكرّر القاف في سورة الفلق، وتكرّر الباء في سورة المسد، وتكرّر السين في سورة الناس، وتكرّر الفاء في سورة قريش، وتكرّر اللام في سورة الفيل، والهاء في الهُمَزة، والدال في سورة الإخلاص.

ولعلنا نلاحظ أنّ مقطع الحروف المقطّعة يتناسب مع طول الآيات في السورة المصدرة بتلك الحروف وقصرها، كما أنه يدلّ في كثير منها على طبيعة إيقاع فواصل الآيات، فسورة (ق) تبدأ بهذا الحرف المفرد وهو من حروف القلقلة؛ لتناسب قصر آياتها، وكونها في أكثرها مختومة بحروف القلقلة من دال أو باء أو جيم، وسورة القصص مبدوءة بـ﴿طسم﴾ فهي ثلاثة حروف، والثاني والثالث ممدودان؛ ليُناسب طول نغمات الآيات، وحرف اللّين الياء الذي انضم إلى النون في فواصل آياتها إلا الآية 16 التي خُتمت بالرحيم، والآية 22 التي خُتمت بالسبيل، والآية 23 التي خُتمت بكبير، والآية 24 التي خُتمت بفقير، والآية 28 التي خُتمت بوكيل، والآية 79 التي خُتمت بعظيم، وجميع الآيات كانت خواتمها مسبوقة بحرف مد وهو الياء، ونلاحظ في سورة (ص) التوافق النغمي بينها وبين حرف الصاد الذي تصدّرها، فجاءت آياتها قصيرة مقفلة المقاطع، وعلى الرغم من أنّ سورة (طه) بدأت بحرفين فإنهما ناسبَا قِصَر آيات السورة، لقصر الإيقاع في مدهما، ونتحسّس في سورة مريم طول نغمات الآيات في اختتام كثير منها بالمد في الياء والألف معًا في كلمة واحدة مثل: «زكريّا» «بغيّا» «شقيّا» وغيرها؛ ليتوافق ذلك مع طول النَّغَم في الحروف المعجمة التي تصدّرت السورة وهي ﴿كهيعص﴾، وبمثل ذلك يمكن أن ننظر إلى توسّط طول النَّغم فيما بين آيات السورة وحروفها المقطّعة، كما في سورة البقرة وآل عمران ويونس وهود وغيرها، مع ملاحظة أن طُول نَغم الآية لا يقاس فقط بمقدار عدد الكلمات، بل بطبيعة المد والقصر في حروفها، فقد تكون الآية متوسطة في عدد كلماتها، طويلة في إيقاعها لكثرة المد في حروفها كما في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، ولعلّ زيادة الميم في مفتتح سورة الرعد ﴿المر﴾ مع أنّ نظيراتها في ترتيب المصحف «الر»، يرجع في أحد أسبابه إلى طول نَفَس هذه السورة في سعة نغمات آياتها، كما ينكشف ذلك بالمقارنة بينها وبين سورة إبراهيم والحِجْر وحتى سورة يوسف التي قبلها.

2- الانسجام في العبارة:

يسود انسجام في النَّغَم بين مجموع الكلمات القرآنية في الآية الواحدة، وكذلك بين مجموع الآيات، فإذا كانت الآيات مقفلة المقاطع، قصيرة الوقع، تعانقتْ كلماتها في جرس موسيقي متّسق لا نشاز فيه، وإن تحوّل الإيقاع من القِصَر إلى الطُّول في بعض المقاطع، فإنه انتقال مؤقّت للتنويع، وسرعان ما يرجع النغم إلى طبيعته السائدة في السورة، وكذلك الأمر إذا كانت الآيات طويلة النّغم، فإنها قد تقصر في بعض مقاطعها، ثم تأوي إلى أصل انطلاقها في الطُّول.

ففي سورة النجم نلاحظ قصر البناء الإيقاعي في الآيات، وانتهاء أكثرها بالألف المقصورة، ولكن قد يتغيّر النَّظْم الصوتي إلى الطول ثم يعود إلى تقارب الذبذبات كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، ثم يرجع النغم إلى أصله، فيقصر في الآية التالية للآية الطويلة السابقة: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾، ويستمر النسق النغمي في انسجام ﴿وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ * أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ويطول نفس النغم في سورة النحل كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾، ثم يعقب طول الآية، وطول عباراتها المكوّنة لها، آية قصيرة تتكون من عبارتين قصيرتين ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ثم يستأنف طول النّغم في الآية اللاحقة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

وتلحظ تناسب المقاطع الصوتية في الآيات، في الانسجام بين الحروف الساكنة والمتحركة، والمد والقصر، فترتيب المقاطع ينساب في عُذوبة وسلاسة تجعل السامع يطلب الاستزادة من السماع للقرآن، كلّما انتقل من مقطع إلى مقطع، ومن عبارة إلى عبارة، ومن آية إلى أخرى مساوقة لها، وقد يرد ذلك التناسب بين المقاطع في جزء من آية على نسق، ويتحوّل في جزء من تلك الآية إلى نسق آخر؛ ليخالف الشِّعْر، ويتفوّق عليه في التنوع الإيقاعي، كما يتفوّق عليه في الجمع بين جمال الصورة، وصِدْق الفكرة صدقًا يطابق الحقّ والواقع، الشِّعر تخييلات وتفعيلات مكرّرة لا سيما شِعر بحور الخليل، فالقرآن تنتقل فيه العبارات من نسق موسيقي إلى نسق آخر، ومما يدلّ على انسجام مقاطعه أنّ عبارات موزونة على أوزان الشِّعْر تخلّلت بعض الآيات، وقد تشمل آية بتمامها، ولكنها لا تعدّ شعرًا، لأنها تتحوّل بعد ذلك إلى وزن آخر لا يكرّر التفعيلات تكرارها في البحر الشِّعْري، وقد اقتطف بعض الشعراء عبارات قرآنية وضمّنوها بعض أشعارهم، كما فعل ابن الرومي عندما قال:

لئن أخطأت في مدحك * ما أخطأت في منعي
لقد أنزلتُ حاجاتي * (بواد غير ذي زرع)

حيث كان الشطر الآخر من البيت الثاني مضمنًا قوله تعالى: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾، ويمكن أن تضمن عبارة قرآنية شطرًا كاملًا لبيت على وزن من البحور مما يدلّ على نوع من أنواع التوافق الإيقاعي في القرآن من ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ فهي توافق البحر البسيط، وكما في قوله تعالى: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾، فهي توافق في نغمها بحر الرجز، ومما وافق مجزوء الرمل قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وهي آية كاملة، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ومما وافق الوافر بعَروضه وضربه وهو جزء آية قوله تعالى: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾، ومما جاء على ما يوافق وزن الكامل وهو جزء آية، قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، ومما جاء وفق الخفيف قوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، ولكن القرآن مع انسجام إيقاعه خلال عباراته ينوّعها بزيادات، أو بحذف حروف في مجموع الآيات، حتى لا تكون على وزن شِعْري مكررة في نسق واحد، فلا تكون مشابهة لتكرار الوزن بين الأبيات في القصيدة الواحدة، لينأى القرآن عن الشِّعْر في الشّكل كما سما عنه في المضمون، ففي سورة المسد كلمات لو حُذفت لجاءت السورة كلّها على مجزوء الرّجز، ولكن اللهَ تعالى أنزلها بتلك الصِّيغة الكريمة لتخالف الشِّعْر في وزنه إذا تعدّدت الآيات، ولتكون أدقّ وأبلغ في المعنى في تلك الزيادة أو ذلك الحذف أو التقديم والتأخير، وورد الوزن موحدًا بين آيتين، ثم خالف وزنهما في الآية الثالثة، كما في صدر الماعون: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾، ومعلوم أن الكلام لا يكون شِعْرًا إلا إذا جاء في مجموعة من الأبيات، وليس في مقدار بيت واحد، وقد وافقت الآيتان السابقتان وزن الخفيف، وفي قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ جاءت الآيات الثلاث على مجزوء الرّجز، ولكن الآية الرابعة خالفت بحركة حرفين متجاورين في قوله تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾، ولو سكنت القاف، وحرّكت السين لجاءت على وزن الآيات الثلاث، وانظر في ذلك ملاحِظًا صدر سورة العاديات، ولاحِظ توافق الوزن بين الآيات الخمس الأولى من سورة المرسلات بحيث إنّ كلّ آية في هيئة شطر، فهي لا تتعدى وزن بيتين ونصف من الشِّعْر، مما لا يُلحق القرآن أيضًا بشكل الشِّعْر.

ويسود التوازن بالتكرار لبعض العبارات بين الآيات في بدايتها ونهايتها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِه﴾ التي تكرّرت في بدايات ست آيات متتالية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ حيث خُتمت بها الآية الثانية، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ التي خُتمت بها الآية الثالثة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ في ختام الآية الرابعة، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ في آخر الآية الخامسة، وتأمل الإيقاع الموحّد لنغمات مجموع آيات سورة الشعراء في الآية المكرّرة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وقوله في الآية المكررة بعدها: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، وقد تكرّرت الآيتان في ثمانية مواضع، وفي السورة نفسها تكرّر قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ في ثمانية مواضع أخرى، وبمثل ذلك توحّد الإيقاع العام بتكرار: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرّة، وكذلك قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ حيث تكرّرت عشر مرات.

وقد يكون التكرار في الآية الواحدة، كقوله تعالى: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾، وكقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، وذلك التكرار مع كونه يقصد إلى أغراض معنوية، فهو أثر صوتي يجذب الأُذُن والقلب إلى الرغبة في إتمام قراءة السورة، أو مجموع الآيات التي التحمت فيها الوحدة المعنوية مع الوحدة الإيقاعية، وختمتْ أكثر فواصل الآيات بالياء والنون، أو الياء والميم، والياء مدّ لزيادة التطريب. يقول سيبويه في الترنم في لغة العرب بحروف المد: «أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والياء والواو وما ينوّن وما لا ينوّن؛ لأنهم أرادوا مدّ الصوت»، ومن دلائل توكيد اتصاف السور القرآنية بوحدة الإيقاع كون النون والميم أكثر الحروف التي خُتمت بها آيات القرآن مع سبقهما بالواو أو الياء، وذانك الحرفان «هما الحرفان الطبيعيان في الموسيقا نفسها، وكذلك المد فهو الطبيعي في قرار الصوت».

3- التوافق مع المعنى:

إنّ للإيقاع الصوتي القرآني أثرًا في المعنى الذي يدلّ عليه النصّ بمنطوقه، أو بمفهومه، أو بإيحائه وإشاراته، ففي الآيات الدالة على الوعيد تسمع الكلمات تقرع السمع قرعًا، وفي الوعد تستظلّ بأنس الكلمات وسلامها، وفي وصف حزن في قصة أو وصف مشهد فرح، وإيقاع الكلمات والجُمَل والسور في وحداتها المعنوية يوافق المعنى الجزئي في الكلمة، أو المعنى الكلي في المعاني الجامعة التي تقصد إليها السورة القرآنية.

فظاهر في القرآن تأثير الكلمات المختزنة بالإيقاع المناسب للمعنى، ذلك من تمام أسلوبه في تحقيق إظهار البرهان، وتفعيل الإرادة، وتحفيز الوجدان، ويختار القرآن كلمات دون غيرها، ففي حديث القرآن عن القيامة يصوّر المعنى بأداة من أدوات التصوير للمعنى المخفي عن العيان والأذهان وهو الإيقاع، فيقول تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، فاختيار كلمة تحوي القاف والعين، وهما حرفان قويان، وتكرار الكلمة ثلاث مرات فيه دلالة تضاف إلى المدلول المعنوي المستفاد من الوظيفة اللغوية للكلمة. وقد يتوهّم المتعجّل في نظرته أنّ القرآن خالف الفصاحة في اختيار كلمات تكرّرت فيها بعض الحروف، وهو يغفل عن أهمية ذلك في التوافق بين الإيقاع والمعنى، ومع ذلك فهي غير مستثقلة في النطق والسمع، فكلمة (النفاثات) يتقارب فيها مخرجَا الفاء والثاء ومع ذلك فهي أفضل ما يعبر عن حركة السّاحرات من كلمة النافخات؛ لما في الثاء من احتكاك الهواء بحافات اللسان والأسنان احتكاكًا مسموعًا.

وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وفي سورة الناس تتكرّر السين في كلّ آية، لتوافق المعنى مع ما في التكرار من توهم الإثقال على السمع، ففي آية التِّين لم يقل أسفل الهالكين، ليدلّ تكرار السين على الهبوط والانحدار، وفي سورة الشرح لم يقل إنّ بعد العسر فَرَجًا أو بعد الضِّيق ليدلّ باجتماع العين مع السين على حركة الخروج من الشدّة إلى الفَرَج، وتكرّرت السين في سورة الناس في كلّ آية حتى إنها تكرّرت في الآيتين الرابعة والخامسة مرّتين، لتدلّ على حركة الإيحاء الشيطاني، وعلى الرغم من تكرار القاف في سياق واحد مرّات متتابعة، فإنها أفضل ما يصوّر المعنى المعبر عن الحركة القتالية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ فتكرار الفعل الدالّ على القتل وصياغته بحروف يتكرّر فيها حرف القاف تصوّر قعقعة السلاح وحركة الحرب.

يقول عمر السلامي في سرّ تكرار الضمير المتصل «كم» في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ * ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: «وإن الإيقاع الذي تُحدثه «كم» بجرسها الذي يغلق الشفتين، يوحي بصدّ النفس ومباغتتها بأسلوب هادئ... وإنّ «كم» تحمل في إيقاعها نغمة مشوبة بالدمدمة والزمجرة، وهذه النغمة تعكس على النفس، فتهزها هزًّا؛ لتسكتها وتطرحها أرضًا مغشيًّا عليها».

وتتناسب حروف فواصل الآيات في إيقاعها وزنًا أو جرسًا، لتوحي بالمعنى العام للسورة التي انتظمت في سلكها، كما هو ملحوظ في فواصل سورة طه، المختومة بالألف المقصورة في نغمات قصيرة أو متوسطة بين الآيات؛ لتدلّ على معنى التذكرة والاعتبار، وكذلك الشأن في سورة النجم، وختمت فواصل سورة القمر بالراء المفخمة في نفس نغمي طويل ولكنه مقفول في آخره لا يحوي حرف مد، بل هو ساكن، ليدلّ على المعنى العام للسورة، وهو المصرّح به في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ هذه الآية التي تكرّرت أربع مرات، ثم جاءت مرّتين في صورة أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. وهناك توافق عجيب بين تعقيب الآيات المتحدّثة عن الجِنّ، وموضوع تلك السورة التي اشتقّ اسمها من دلالة الجِنّ، وقد ختمت كلّ آية منها بألف الإطلاق لتدلّ على خصيصة مميزة للجِنّ عن الإنس وهي سرعة الحركة، وقدرة أكثرهم على التحليق في آفاق بعيدة.

وذلك التناسب حاصل بين الوحدات المعنوية داخل السورة الواحدة، مع عدم الإخلال بالتوافق مع المقصد العام للسورة، فإنّ الإيقاع في سورة مريم يستمر طويلًا مختومًا بالياء والألف حتى ينتقل القرآن إلى طَرْق قضية أخرى بعد الآية (33)، وهي مناقشة دعوى النصارى بألوهية عيسى، حيث يتحوّل الإيقاع إلى ختم الآيات بالواو والنون، ثم يعود القرآن في الآية (36) إلى ختم الآية بالياء والميم، ويعود بعد آيتين إلى الياء والنون، وبعد الآية (41) تختم الآيات بالياء والألف عودًا إلى أصل بناء الآيات الأولى، ثم ينتقل بعد الآية (75) إلى ختم الآيات بالدال والألف، جاء ذلك تلاؤمًا مع تنوّع موضوعات السورة، التي يجتمع نغمها في نفس طويل ممدود غير مقفل، كما يتوحد موضوعها في البرهان على قضايا، والتصوير لمشاهد وقصص كلّها تدور في فلك التوحيد. وفي سورة الفرقان نلاحظ أنّ القرآن تحولت فواصله إلى نغمات أكثر هدوءًا وتؤدة وخِفّة؛ لأن الحديث أصبح في صفات المؤمنين، وهكذا الشأن في جميع سُوَر القرآن، فإن كلّ سورة منها تحمل إيقاعًا عامًّا يضم في وحداته المعنوية إيقاعات مختلفة تتسق مع الإيقاع العام لكلّ سورة «إنّ وحدة التناسق التي تسود آي القرآن وسوره، نلمسها في إيقاعه؛ لأنّ الإيقاع يوحي بجوّ السورة والمعنى العام لها، ويصحّ أن نقول العكس أيضًا في أنّ محتوى السورة وجوّها يوحي بتنوع الإيقاع أيضًا».

وبعد، فإنّ من الإعجاز البياني القرآني وَقْع حروف كلماته، ونَسَق جُمَلِه وآياته الذي ينسجم مع دلالة المعنى، ولعلّ المتخصّصين في الدراسات الصوتية ستكون لهم اكتشافات في هذا السبيل.

 


  1. ^

     نُشرت هذه المقالة في مجلة (كلية الدعوة الإسلامية) بالجماهيرية الليبية، العدد العشرون، سنة 2003م، ص99 وما بعدها. (موقع ‏تفسير).

  2. ^

     دراسة لأسلوب القرآن الكريم، القسم الثالث، القاهرة، مطبعة حسان، (1/ 7).‏

  3. ^

     ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام، مصر، دار المعارف، ‏ص89.‏

  4. ^

     في الميزان الجديد، مطبعة نهضة مصر، ط. ثالثة، ص194.‏

  5. ^

     تاريخ آداب العرب، مصطفى صادق الرافعي، ضبط: محمد سعيد العريان، القاهرة، مطبعة ‏الاستقامة، 1953ف، (2/ 227).‏

  6. ^

     خصائص العربية، مطبعة نهضة مصر، 1960ف، ص39.‏

  7. ^

     خلاصة اليومية والشذور، بيروت، دار الكتاب العربي، 1970ف، ص34.‏

  8. ^

     التناسب البياني في القرآن، أحمد أبو زيد، الرباط، كلية الآداب، مطابع النجاح، 1992ف، ‏ص245.‏

  9. ^

     التناسب البياني في القرآن، أحمد أبو زيد، ‏ص246.‏

  10. ^

     دلالة الألفاظ، الأنجلو المصرية، ط. رابعة، 1980ف، ص172.‏

  11. ^

     دلالة الألفاظ، ص195.‏

  12. ^

     إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، القاهرة، مطبعة الاستقامة، 1965ف - ص213.‏

  13. ^

     ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ص87.‏

  14. ^

     سر صناعة الإعراب، ابن جني، مصر، مطبعة البابي الحلبي، 1954ف، ص99.‏

  15. ^

     المثل السائر، تحقيق: أحمد الحوفي وبدوي طبانة، مصر، مطبعة نهضة مصر، 1962، ص322.‏

  16. ^

     الإعجاز الفني في القرآن، تونس، مؤسسة عبد الكريم بن عبد الله، 1980ف، ص243.‏

  17. ^

     كتاب سيبويه، مصر، ط. بولاق الأميرية، 1317هـ، (2/ 298).‏

  18. ^

     الرافعي، تاريخ آداب العرب، (2/ 227). 

  19. ^

     حرف القاف من حروف القلقلة ومخرجه لهوي ينتج من عملية عضوية معقدة، والعين حرف حلق، ‏ونطقه يجعل الأوتار الصوتية في حالة تذبذب.‏

  20. ^

     الدراسات الصوتية عند علماء العربية، عبد الحميد الهادي، طرابلس، كلية الدعوة، 1992، ص‏‏37.‏

  21. ^

     الإعجاز الفني في القرآن، ص231.‏

  22. ^

     الإعجاز الفني في القرآن، ص257.‏

الكاتب:

سعيد سالم الفاندي

سعيد سالم الفاندي

الأستاذ بكلية المحاسبة - عزبان، بالجماهيرية الليبية.

مواضيع ذات صلة

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))