الثناء المنسوب للنوويِّ على تفسير الطبريِّ
‏عرض وتحرير

الكاتب: أحمد بن سليمان المنيفي

تبحث المقالة في صحة الثناء المنسوب إلى النووي على (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، للإمام محمد بن جرير الطبري، وتذهب إلى عدم صحته.

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

أمّا بعد:

فمنزلة تفسير ابن جرير بين كتب التفسير غير خافية على كلّ مشتغِل بالعِلْم، كيف لا ومصنِّفه شيخ المفسِّرين، وقد أثنى على كتابِه جمعٌ من أهل العلم، منهم: الخطيب البغدادي، إذ قال عنه: «كتاب في (التفسير) ‌لم ‌يصنِّف ‌أحدٌ ‌مثلَه»، وهذا الثناء أورده السيوطي في كتابه (الإتقان)، نقلًا عن النووي، إلا أنه ومن خلال النظر في مصدر هذا النقل وقفتُ على إشكال حول نسبته إلى النووي، ومِن ثَم تأتي هذه المقالة لتبحث ذلك وتحرِّرُه، فتعرض في قِسْمِها الأولِ المصدر الأصلي لهذا الثناء، ثم تُبَيِّن في قِسْمِها الآخر الخَلل الواقع في نقل هذا الثناءِ.

القسم الأول: إيراد ثناء الخطيب البغدادي على تفسير ابن جرير:

قال الخطيب البغدادي في ترجمة الإمام ابن جرير الطبري: «استوطَن ‌الطبري بغداد... وكان قد جمعَ من العلوم ما لم يشاركه فيه أحدٌ من أهل عصره؛ وكان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسُّنن وطرقها صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من الخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في (تاريخ الأُمَم والملوك)، وكتاب في (التفسير) ‌لم ‌يصنِّف ‌أحدٌ ‌مثلَه، وكتاب سمّاه: (تهذيب الآثار) لم أَرَ سواه في معناه إلا أنه لم يتمّه، وله في أصول الفقه وفروعه كتبٌ كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء. وتفرّد بمسائل حُفظت عنه».

وقد نقل النوويُّ هذه الجملةَ كاملةً عن الخطيبِ، فقال: «قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد): (استوطن ‌الطبري بغداد... وكتاب في التفسير ‌لم ‌يصنِّف ‌أحدٌ ‌مثلَه)...».

القسم الآخر: بيان موطن الخَلَل عند نقل هذا الثناء:

تَبَيَّن مِن خلال ما سبق أنّ الثناء الذي أورَده النووي على تفسير ابن جرير الطبري إنما هو من كلام الخطيب البغدادي، لا مِن مقول النوويِّ. وعليه، فقول السيوطي: «قال النوويُّ في (تهذيب الأسماء واللغات): "كتابُ ابنِ جريرٍ في التفسيرِ ‌لم يُصَنِّفْ ‌أحدٌ مِثلَهُ"»، يوهم خلاف الواقع؛ إِذْ يتبادر للقارئ أنّ القائل هو النوويّ نفسه، مع أنه ناقل لهذه العبارة لا قائل.

وقد تابعَ السيوطيَّ جماعةٌ -ممَّن جاء بعده- في هذه النِّسبة، منهم:

1- ابن عقيلة، حيث نقل كلام السيوطي، دون أن يعلّق عليه.

2- مصطفى القسطنطيني -المعروف شهرة بـ: كاتب جلبي وحاجي خليفة-، حيث عزا القول إلى النووي.

3- صدّيق حسن خان القنوجي، حيث عزا القول إلى النووي.

4- محمد حسين الذهبي، حيث عزا القول إلى النووي.

5- الزرقاني، حيث عزا القول إلى النووي.

وتابع هؤلاء الأعلامَ كثيرٌ من المعاصرين، بل وقع بعضهم في خَلل آخر في النقل، حيث عزا النقل إلى النوويّ وإلى أبي عبد الله الذهبي، مع أنّهما كليهما قد نقَلَا ذات العبارة عن الخطيب البغدادي.

خاتمة:

بُحِثَ في هذه المقالة عن مصدر الثناء المنسوب للنووي على (جامع البيان) للطبري، وبُيِّن أنّ أصل الكلام هو للخطيب البغدادي، نقلَه عنه النووي.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلى اللهُ وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 


  1. ^ 

    تاريخ مدينة السلام (2/ 550).

  2. ^ 

    وأشير هنا إلى أنّي بعدما بحثتُ هذه المسألة بمدّة وقفتُ على منشور نشره د. عبد الرحمن المشدّ في قناته النافعة على التيليجرام، أشار فيه إلى الخَلل الواقع في هذه النسبة، شكر اللهُ له جهوده ونفع به. فأحببتُ نَشْر هذه الفائدة وعرضها في هذه المقالة.

  3. ^ 

    تاريخ مدينة السلام (2/ 549-550) باختصار.

  4. ^ 

    تهذيب الأسماء واللغات (1/ 227) باختصار.

  5. ^ 

    الحاوي للفتاوي (1/ 391). ومثله في: الإتقان في علوم القرآن (6/ 2346).

  6.  

    انظر: الزيادة والإحسان (9/ 403).

  7. ^ 

    انظر: كشف الظنون (2/ 548). تنبيه: ذكر حاجي خليفة كلام السيوطي قبل إيراد قول النووي، ثم قال في آخره: «انتهى»، ثم أورَد كلام النووي. ولذلك ذكرت أنه عزا القول إلى النووي وليس إلى نقل السيوطي.

  8. ^ 

    انظر: فتح البيان في مقاصد القرآن (1/ 19). وقد أشار إلى حاجي خليفة قبل ذلك؛ لذلك جاءت عبارته كعبارته.

  9. ^ 

    انظر: التفسير والمفسِّرون (1/ 149).

  10. ^ 

    انظر: مناهل العرفان (2/ 25).

  11. ^ 

    انظر: دراسات في علوم القرآن للأستاذ الدكتور فهد الرومي ص171، وقارنه بـ: تهذيب الأسماء واللغات (1/ 227)، وسير أعلام النبلاء (14/ 279-270).

  12.  

كلمات مفتاحية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))


Source URL: https://www.tafsir.net/articles/24786