الاستشراق الألماني؛ إسهامات كارل بروكلمان وماري شيمل
- Log in to post comments
س1: هل يمكن عدّ بروكلمان من المؤسّسين الأوائل لحصر و"أرشفة" التراث التفسيري والقرآني من خلال موسوعته (تاريخ الأدب العربي)؟
د/ عبد الملك هيباوي:
يمكن القول إنّ موقع (كارل بروكلمان) (Carl Brockelmann) (1868- 1956) في تاريخ الدرس الاستشراقي لا يرتبط مباشرة بوضع نظريات تفسيرية حول القرآن بقدر ما يرتبط بإنجاز آخر لا يقلّ تأثيرًا، وهو التحوّل من القراءة الجزئية للتراث الإسلامي إلى مشروع أرشفة شاملة ومنهجية له. فمن خلال عمله الضخم (تاريخ الأدب العربي)، أسّس (بروكلمان)، بصورة شبه فريدة في مطلع القرن العشرين، ما يمكن اعتباره أوّل محاولة علمية منظمة لـحصر مجموعة التراث العربي الإسلامي بجميع فروعه، بما في ذلك التفاسير والقراءات وعلوم القرآن. فقد وصف رضوان السيد هذا العمل بأنه أكثر من فهرس للمخطوطات؛ فقد تضمّن تحقيبًا تاريخيًّا للثقافة العربية، كما تضمّن آلاف التراجم للمؤلِّفين.
لا يقدّم (بروكلمان) في موسوعته بأجزائها الستة قراءة تفسيرية، ولا يخوض في تحليل النصوص نفسها، لكنه يقوم بعمل أشبه بالهندسة التحتية للمعرفة؛ إِذْ يجعل الدراسات القرآنية جزءًا من بنية مكتملة من الفهارس والببليوغرافيا والوصف المخطوطاتي. هذا الجهد لم يكن ترفًا تقنيًّا، بل كان خطوة تأسيسية أعادت تعريف شروط البحث الغربي في القرآن؛ إِذْ أصبح الباحث، للمرة الأولى، يمتلك خريطة شبه كاملة للنصوص التفسيرية، وتواريخها، ونُسخها، وسلاسل انتقالها، وطبعاتها الحديثة، وأماكن حفظها. بهذا المعنى، نعم، يمكن اعتبار (بروكلمان) أحد المؤسّسين الأوائل لعملية (أرشفة) التراث القرآني والتفسيري، لا عبر إنتاج نظرية أو تحليل، بل عبر وضع البنية المرجعية التي لا يمكن للدرس الأكاديمي الاستشراقي، ولا حتى للمشاريع البحثية المعاصرة في العالم الإسلامي، أن يعمل دونها. فقد أعاد عمله الضخم ترتيب المجال برمّته، وحدّد للباحثين المناهج الأساسية: من أين يبدأون، وأيّ النصوص ممثّلة للموروث، وما هي طبقاته الزمنية، وكيف يمكن تتبّع تحوّل علم التفسير عبر القرون؟
إضافة إلى ذلك، فقد أدى الجهد البروكلماني إلى تثبيت تقسيم داخلي للتفسير ضمن السياق البيبلوغرافي: التفاسير الكبرى، الشروح المختصرة، تفاسير اللغة، تفاسير الأحكام، كتب القراءات، كتب المشكل، وغيرها. هذا التقسيم، الذي جاء في الأساس خدمة لوظيفة الفهرسة، أصبح لاحقًا جزءًا من جهاز المفاهيم الذي تعتمد عليه الجامعات الغربية حين تدرس تاريخ التفسير. وبذلك تحوّلت موسوعة (بروكلمان) إلى أداة إبستمولوجية صامتة تُعيد تشكيل طريقة معرفة النصّ القرآني بوصفه (أدبًا) له تاريخ ونُسَخ ومسارات تداول، لا بوصفه نصًّا متعاليًا فحسب. كما أنّ الحصر المنهجي الذي أنجزه (بروكلمان) ساعَد الاستشراق الألماني والأنجلوساكسوني لاحقًا على بناء مشاريع تحليلية كبرى؛ إِذْ لم يكن بإمكان (نولدكه) أو (جولدتسيهر) أو (وانسبرو) أو (بلاشير)، ولا حتى الباحثين المعاصرين، مثل: (نويفرت) و(سيناي)، العمل على تاريخ التفسير أو تطوّر علوم القرآن لولا توفّر هذه الخريطة المرجعية. لهذا السبب يكاد يتّفق الباحثون الغربيون على أن (بروكلمان) لم يكتب (تاريخ الأدب العربي) بالمعنى الوصفي فقط، بل كتب تاريخ أدوات البحث العلمي في التراث الإسلامي كلّه.
من هنا يظهر أن أهمية (بروكلمان) في الدراسات القرآنية لا تكمن في تأصيل منهج تاريخي-نقدي، كما فعل (نولدكه)، ولا في تنظير لاهوتي-حضاري، بل في بناء البنية التحتية التي جعلت المقاربة التاريخية-النقدية ممكنة. لقد قدّم، بصمت منهجي دقيق، ما يشبه (الأرشيف الأوّلي) الذي يتأسّس عليه العمل العلمي اللاحق، فصار بذلك أحد المؤسّسين الفعليين لمرحلة جديدة من التعامل الأكاديمي مع التراث القرآني، مرحلة قائمة على المعرفة الدقيقة بالمصادر، لا على التصورات العامة.
س2: كيف ساعدت جهود بروكلمان في التعريف بالمخطوطات القرآنية والتفسيرية في أوروبا؟
د/ عبد الملك هيباوي:
تعدّ جهود (بروكلمان) أحد أهمّ المنعطفات التي أسهمت في إعادة تشكيل حضور المخطوطات القرآنية والتفسيرية داخل الوعي الأكاديمي الأوروبي. فقد كانت تلك المخطوطات قبل (بروكلمان) متفرّقة ومبعثرة في مكتبات متعدّدة، يُشار إليها أحيانًا في فهارس جزئية أو قوائم غير مكتملة، لكنها لم تكن تشكّل مجموعة نصوص (Corpus) يمكن للباحث أن يحصرها أو يتتبّعها منهجيًّا. ومع (بروكلمان) أصبح هذا التراث، لأول مرة، مُعرَّفًا، قابلًا للفهرسة، ومنفتحًا على التداول العلمي المنظّم.
أوّل إسهام مباشر قام به (بروكلمان) يتمثّل في أنه وحّد خريطة المخطوطات القرآنية والتفسيرية في أوروبا. فقد جمع ما توافرت له معلوماته من فهارس برلين، وميونخ، وباريس، ولندن، وليدن، ومكتبات روسيا والبلقان، وربطها بسلاسل تراجم المؤلِّفين وتواريخ التأليف والنّسخ. هذه العملية لم تكن مجرّد قائمة بعناوين، بل كانت مشروعًا بنيويًّا أعاد تشكيل العلاقة بين النصّ والمخطوط؛ فالمخطوطة لم تعد أثرًا تاريخيًّا معزولًا، بل أصبحت جزءًا من شبكة معرفية توضح مسار انتقال التفسير وتطوّره. ولعل الأثر الأعمق لعمل (بروكلمان) هو أنه أعاد تعريف وظيفة المخطوطة في الدراسات القرآنية. ففي حين كانت الاستخدامات السابقة للمخطوط تعتمد على استشهادات فردية أو دراسات لغوية موضعية، جعل (بروكلمان) من المخطوطات قاعدة بيانات علمية تُبنى عليها فرضيات في تاريخ التفسير وطبقاته. فمن خلال وصفه الدقيق للنُّسَخ، ورصد طبقاتها، وأماكن وجودها، وتنقلاتها، وتاريخ نَسخها، منح الباحثين الأوروبيين أدوات تسمح لهم بدراسة انتقال النصوص التفسيرية عبر الأجيال، وتحديد أقدم الشواهد على بعض اتجاهات التفسير، وإعادة بناء المدارس التفسيرية وفق المخطوطات لا وفق الرواية المتداولة، وفهم التنوّع الداخلي لعلوم القرآن عبر حيازة صورة شبه كاملة للمدوّنة.
ومن زاوية أخرى، ساعدَت جهود (بروكلمان) في إظهار حجم التراث التفسيري والقرآني الذي لم يكن معروفًا أو متاحًا. فالكثير من الباحثين الغربيين في مطلع القرن العشرين كانوا يظنون أن المعرفة الإسلامية بالتفسير محصورة في بضعة أعمال كبرى، مثل: (الطبري) (224هـ- 310هـ)، و(الزمخشري) (467هـ- 538هـ)، و(الرازي) (544هـ- 606هـ). لكن فهارس (بروكلمان) كشفت شبكة واسعة من التفاسير الجزئية، وكتب (المشكل)، وكتب (الناسخ والمنسوخ)، والتفاسير اللغوية، وتفاسير القراءات؛ مما وسّع صورة الحقل أمام أوروبا وأدخل آلاف النصوص في التداول العلمي. كما كان لـ(بروكلمان) أثر بالغ في نقل مركز الثّقل العلمي من المكتبة إلى المختبر البحثي؛ فوجود فهرس شامل منح الباحث الأوروبي القدرة على تعقّب مخطوط معين بدقة، ومعرفة أين توجد نُسخه، وما إذا كانت محفوظة أو مفقودة، وما الاختلافات بين طبعاته وخطوطه. هذا ما مكّن لاحقًا جهودًا كبرى -سواء في نشر النصوص أو التحقيقات الأكاديمية أو الدراسات المقارنة- من الظهور على أُسس علمية لا تعتمد على الصدفة.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك أن (بروكلمان) جعل المخطوطات جزءًا من سردية تاريخ الفكر الإسلامي. فتصنيفه لها ضمن (الأدب العربي) لم يكن مجرّد تصنيف لغوي، بل كان إشارة إلى أن التفاسير وعلوم القرآن تنتمي إلى بنية معرفية متكاملة، تتفاعل مع العلوم الشرعية، واللغوية، والفلسفية، والبلاغية. هذه الرؤية الكلية كانت غائبة تقريبًا في الدراسات الأوروبية، التي كانت تميل إلى التعامل مع القرآن نصًّا معزولًا عن تراث تفسيره.
وفي المحصلة، يمكن القول إنّ (بروكلمان) لم يعرِّف الأوروبيين بالمخطوطات القرآنية والتفسيرية وحسب، بل أعاد بناء حضورها داخل الأكاديميا ذاتها. بعبارة أخرى، حوّلها من مادة مُهملة أو محكومة بالانتقاء، إلى تراث قابل للإحاطة والتحليل والتحقق. ومن دون هذا العمل التأسيسي، يصعب تخيّل الدراسات النقدية اللاحقة في تاريخ التفسير، أو أعمال المستشرقين الذين أعادوا بناء مدارس التفسير، أو حتى الجهود الإسلامية المعاصرة التي استفادت من هيكل (بروكلمان) الببليوغرافي.
حين اكتمل مشروع (بروكلمان) في (تاريخ الأدب العربي)، لم يعد ممكنًا لأيّ مستشرق يعمل على القرآن أو التفسير أن يتقدّم خطوة واحدة دون المرور عبر هذا الأرشيف الكبير. لقد شكّل عمل (بروكلمان) بنية أساسية معرفية أصبح الباحث المعاصر يتعامل معها لا بوصفها فهرسًا محايدًا، بل بوصفها (خريطة ذهنية) تحدّد أين يقف النص، وإلى أيّ طبقة ينتمي، وكيف يمكن ردُّه إلى سياقه العلمي. ولم تكن -كما أشرت من قبل- إسهامات أعلامٍ، مثل: (جولدتسيهر) و(بلاشير) و(نويفرت) ممكنة بالصيغة التي نعرفها اليوم لولا هذه الخريطة الأساس. كيف ذلك؟
يظهر هذا بوضوح في مشروع (جولدتسيهر)، الذي كان أحد أبرز المستفيدين من منهج (بروكلمان)، رغم أنه سبق اكتمال الموسوعة في صورتها النهائية. لقد اعتمد (جولدتسيهر) على البنية الببليوغرافية التي أرسى (بروكلمان) قواعدها المبكرة في تتبّع تطور علم التفسير واتجاهاته العقدية والمذهبية، وخصوصًا في كتابه: (مذاهب التفسير الإسلامي). فحين يتحدث عن طبقة (اللغويين) أو (المعتزلة) أو (الفقهاء)، فإنّ طريقة تصنيفه هذه مدينةٌ ضمنيًّا لطريقة (بروكلمان) في ترتيب المادة التفسيرية بحسب المدارس والمناهج. لقد وجد (جولدتسيهر) أمامه خريطة تسمح له بربط التفسير بالبنية الفكرية الإسلامية الكبرى، بدل الاكتفاء بالقراءة النصّية المجتزَأة التي سادتْ في القرن التاسع عشر. وبذلك تحوّلت فهارس (بروكلمان)، بالنسبة (لجولدتسيهر)، إلى بنية تفسيرية تساعد في تفسير الظاهرة لا في حصرها فحسب.
أمّا (بلاشير) فقد كانت استفادته أكثر مباشرة ووضوحًا، خاصّة في دراساته حول تاريخ النصّ القرآني وتطوّر لغته، وفي ترجمته الفرنسية المعروفة: (القرآن: ترجمة جديدة) (Le Coran: nouvelle traduction)، التي صدرَت أُولى طبعاتها في عدّة أجزاء بين: 1947 و1950، التي تعدّ من أكثر الترجمات تداولًا وتأثيرًا في الأوساط الأكاديمية والثقافية الفرنسية، كان (بلاشير) بحاجة إلى سلسلة دقيقة من الشواهد المخطوطية للتأكّد من فرضياته حول تطور الأسلوب القرآني ودرجة ثبات المصحف في تاريخ التدوين. وقد شكّلت خريطة (بروكلمان) المرجع الأكثر موثوقية لتحديد مواقع المخطوطات، وتواريخ نَسخها، وأنواعها، وطبعاتها المبكّرة، الأمر الذي أتاح لـ(بلاشير)، للمرة الأُولى ربما، أن يستند إلى شبكة معطيات محسوسة لا إلى التخمينات. وبفضل ذلك تحوّلت دراساته إلى نماذج (تاريخ نقدي) للنصّ القرآني، لا مجرّد تطوّر لغوي وحسب. وهكذا يمكن القول إنّ (بروكلمان) وفّـر له المادة الأولية اللازمة لصياغة أطروحته حول تشكّل النصّ وأثر البيئة اللغوية في تطوره.
أمّا (نويفرت)، فتمثّل استثمارًا من نوع مختلف وأكثر تعقيدًا لخريطة (بروكلمان)؛ فهي لا تستخدمها بوصفها قائمة مرجعية، بل بوصفها نظامًا معرفيًّا يمكن إعادة تنظيمه لقراءة القرآن من منظور تاريخي-أدبي. ففي مشروعها حول (القرآن بوصفه نصًّا من أواخر العصور القديمة: مدخل أوروبي) (Der Koran als Text der Spätantike: Ein europäischer Zugang) استخدمت (نويفرت) فهارس (بروكلمان) لتحديد الطبقات التفسيرية الأولى التي تمكّن من إعادة بناء التلقّي المبكّر للنصّ، أي كيف فهمته الجماعة الأُولى، لا كيف رتّب العلماء المتأخِّرون مدوّناتهم. كما اعتمدت على أرشفة (بروكلمان) للمخطوطات في تحديد المدوّنات الأكثر قربًا من العصر التكويني، وللتمييز بين التفسير الخطابي-الوعظي والتفسير النظامي- المدرسي المتأخر. وهكذا تحوّلت خريطة (بروكلمان) عند (نويفرت) إلى شراع للنفاذ إلى تاريخ شفهي-طقسي للنصّ، لا إلى بنيته التفسيرية فقط. ولعلّ أهمّ ما يميّز توظيف (نويفرت) لخريطة (بروكلمان) أنها لا تستخدمها كما هي، بل تعيد قراءتها من منظور أدبي-طقسي، فتجعلها نقطة انطلاق لإعادة بناء (أفق التلقّي) في القرن السابع، لا مجرد فهرسة للمصادر. وبذلك يتجاوز استخدامها مجرد الاستفادة من الفهرس إلى إعادة تأهيل بنيته كاملة داخل مشروعها الأكبر، وهو قراءة القرآن بوصفه نصًّا يؤسّس جماعة، لا مجرد نصّ شرعي أو لاهوتي.
من خلال هذه الأمثلة الثلاثة يمكن القول إنّ (بروكلمان) لم يقدِّم للمستشرقين (مصادر) فحسب، بل قدَّم نموذجًا معرفيًّا لطريقة تنظيم التراث. فمع (جولدتسيهر) صار الفهرس أداة لفهم الخلفيات العقدية والفكرية للتفسير، ومع (بلاشير) صار مرجعًا لإثبات تاريخ النصّ القرآني وتحوّلات لغته، ومع (نويفرت) صار خريطة لاستعادة أفق الجماعة الأُولى وبناء قراءة أدبية-طقسية جديدة للقرآن. وجميع هذه الاستخدامات تشير إلى أنّ (بروكلمان)، رغم أنه لم يكن باحثًا قرآنيًّا بالمعنى المباشر، أصبح العمود الأساس الذي استندت إليه معظم المشاريع الكبرى في الدراسات القرآنية الأوروبية خلال القرن العشرين وما بعده.
س3: ما دور عمله المرجعي في تمهيد البحوث الغربية حول تطوّر التفسير القرآني وعلوم القرآن كحقل أكاديمي؟ وكيف كان تلقّيه من قِبَل الباحثين المسلمين؟
د/ عبد الملك هيباوي:
يحتلّ عمل (بروكلمان) موقعًا تأسيسيًّا في تاريخ تشكّل الدراسات الغربية حول تطوّر التفسير القرآني وعلوم القرآن، لا لأنه قدّم نظريات تفسيرية جديدة، بل لأنه أنجز ما يشبه القاعدة الأساسية المعرفية التي مكّنت هذه الدراسات من الظهور بوصفها حقلًا أكاديميًّا منضبطًا. فقد كان الحقل، قبل (بروكلمان)، يتّسم بالتشظّي، وبالاعتماد على معطيات متفرّقة، ويعاني من غياب صورة شاملة للمدوّنة التفسيرية. ومع اكتمال موسوعة (تاريخ الأدب العربي) صار الباحث الغربي يملك للمرة الأولى، كما أشرت، خريطة شاملة للمصادر الأساسية والثانوية: أسماؤها، تواريخها، أماكن حفظها، طبعاتها، طبقاتها العلمية، ومسارات انتقالها. بهذا المعنى، مكّن (بروكلمان) الباحثين من المرور من مرحلة (الانطباع) إلى مرحلة (التأسيس العلمي). فالحديث عن اتجاهات التفسير، أو عن المدارس الكلامية، أو عن تطور علوم القرآن من (المشكل) إلى (الناسخ والمنسوخ) ومن (القراءات) إلى (البلاغة)، لم يعد ممكنًا بالاعتماد على ما يتوفر في المكتبات الأوروبية من نصوص منفصلة، بل تطلّب معرفة دقيقة بالبنية الكاملة للمدوّنة. وقد أتاح (بروكلمان) هذه المعرفة بإعادة ترتيب آلاف الأعمال في منظومة تجعل التفسير وعلوم القرآن ظاهرة نصّية لها تاريخ وتراكم وتعقيد، لا مجرد (زوائد) على النصّ القرآني كما كان التصوّر السائد لدى بعض المستشرقين الأوائل.
كما أنّ عمل (بروكلمان) أسهم في تحديد مساحات الاهتمام البحثي. فمن خلال تصنيفه للتفاسير بحسب مدارسها ومناهجها وحقولها، صار الباحثُ قادرًا على تتبّع التحوّلات الكبرى، مثل الانتقال من التفسير بالمأثور إلى التفسير بالرأي، ومن التفسير اللغوي إلى التفسير الفلسفي، ومن الشروح الجزئية إلى الموسوعات التفسيرية الكبرى. إنّ هذا التحديد البنيوي للحقل التفسيري هو الذي سمح -كما ذكرت- لمستشرقين مثل (جولدتسيهر) أن يكتب مذاهب التفسير الإسلامي، ولـ(بلاشير) أن يدرس تاريخ تشكّل النصّ، وللباحثين المحدثين مثل (نويفرت) أن يتعاملوا مع التفسير بوصفه مرآة لتاريخ تلقّي القرآن.
وبالإضافة إلى ذلك، أدّت الفهارس البروكلمانية إلى إدخال الفحص المخطوطاتي في صلب الدراسات القرآنية الغربية. فبمجرد أن صار ممكنًا التعرُّف على النُّسَخ الأولى للتفاسير، وعلى علاقتها بالنصوص اللاحقة، وعلى تاريخ تداولها، أصبح بالإمكان بناء فرضيات حول كيفية نشوء علم التفسير، وحدود سُلطته، وعلاقته باللحظة الطقسية والاجتماعية التي ظهر فيها. كما ساعَد هذا على تمييز طبقات الخطاب التفسيري، وبالتالي على وضع علوم القرآن ضمن التاريخ الفكري الإسلامي لا خارجه.
ومن أهمّ آثار عمل (بروكلمان) أيضًا أنه أتاح إمكانية ظهور التفسير وعلوم القرآن بوصفهما حقلًا أكاديميًّا مستقلًّا داخل الجامعات الغربية. فوجود أداة مرجعية تضبط مجموعة نصوص التراث جعل من الممكن تعليم هذا الحقل، وتأطير موضوعاته، وتوجيه رسائل الدكتوراه فيه، وإنتاج دراسات مقارنة، بل وأتاح للمراكز البحثية بناء مشاريع جماعية تعتمد على تقسيم المادة التفسيرية إلى وحدات قابلة للدراسة. من دون هذا الإطار المرجعي، كان سيصعب على أيّ باحث أن يكوّن صورة شاملة أو أن يبني مشروعًا بحثيًّا طويل الأمد.
وباختصار، يكمن الدور الحقيقي لعمل (بروكلمان) في أنه نقل التفسير وعلوم القرآن من فضاء المعرفة الحرة، القابلة للانتقاء وإعادة التشكيل، إلى فضاء المعرفة المؤسّسية التي تمتلك مرجعيتها وفهارسها ومنهجها. فكان عمله هو القاعدة الأساس التي انبنى عليها معظم ما جاء لاحقًا من بحوث نقدية في الغرب، حتى تلك التي تجاوزت رؤيته أو راجعت مسلّماته. لقد صنع ما يشبه الحد الأدنى الإلزامي الذي يبدأ منه كلّ بحث جادّ في تاريخ التفسير وعلوم القرآن.
هذا ولم يقتصر أثر (بروكلمان) على الدرس الغربي وحده؛ بل امتدّ، ولو بطرق غير مباشرة، إلى البيئة العلمية الإسلامية المعاصرة، التي وجدت نفسها، منذ منتصف القرن العشرين، مضطرّة إلى التفاعل مع مشروعه المرجعي، سواء بالاستفادة منه، أو بمراجعته، أو بإعادة إنتاجه في سياق عربي-إسلامي مستقلّ. لقد فرض (تاريخ الأدب العربي) نفسه بوصفه أداة لا يمكن تجاهلها في أيّ محاولة جادّة لدراسة التراث القرآني والتفسيري، مما جعل الباحث المسلم في موقع تفاوض دائم مع الإطار المعرفي الذي رسمه (بروكلمان).
يتجلّى أوّل مظهر لهذا التأثير في تحريك الوعي بأهمية الفهرسة العلمية الدقيقة. فقبل (بروكلمان) كان الاهتمام الببليوغرافي العربي متفرقًا متوارثًا في جهود محلية أو مدرسية، لكنه افتقر إلى المشروع الجامع الذي يحيط بالتراث من اتفاقه إلى اختلافه. ومع اطلاع العلماء المسلمين، عربهم وعجمهم، على عمل (بروكلمان)، اتضح حجم الفجوة بين ما يملكون من قوائم داخلية، وبين ما أنتجه الاستشراق من خريطة دقيقة للتراث القرآني. وقد دفع هذا الوعي إلى ظهور مشاريع عربية كبرى، مثل جهود العالم السوري (خير الدين الزركلي) (1893- 1976) في موسوعته (الأعلام)، وهي موسوعة تراجم ضخمة، ثم أضخم منها بكثير في مشروع العالم التركي الألماني (فؤاد سزكين) (1924- 2018) المسمّى: (تاريخ التراث العربي) (Geschichte des Arabischen Schrifttums)، وهو مشروع يُعَدّ من أضخم الأعمال الببليوغرافية في تاريخ الدراسات الإسلامية، وهو موسوعة تعيد بناء فهرسة التراث الإسلامي من الداخل، وتُرَاجِع (بروكلمان) وتتمدّد عليه في آنٍ واحد.
أمّا المظهر الثاني، فيتعلّق بدور (بروكلمان) في إعادة تنظيم صورة التفسير في الوعي الأكاديمي الإسلامي. فقد أسهم عمله في الكشف عن مدى ضخامة المادة التفسيرية، وعن وجود مئات المخطوطات التي لم تكن معروفة للعقل الجامعي العربي. هذا الوعي الجديد غيّر طريقة تعامل الباحثين مع التفسير؛ فلم يَعُد بالإمكان اختزال هذا الحقل في (الطبري) و(الزمخشري) و(الرازي) وغيرهم، بل صار ضروريًّا النظر إلى التفسير كمشهد واسع متعدّد الطبقات، يتضمن نصوصًا لغوية وكلامية وفقهية وصوفية وجدالية. وقد استفاد من هذا التحوّل باحثون معاصرون مثل (محمد حسين الذهبي) و(طه جابر العلواني) و(محمد السيد الوكيل) في محاولاتهم لتقديم سردية تاريخية للتفسير. وفي مستوى أكثر نقدًا، أثّـر (بروكلمان) في إثارة سؤال المنهج داخل البحث الإسلامي. فقد كشف للباحثين العرب أن التعامل مع التراث القرآني لا يمكن أن يظلّ قائمًا على (التصنيف الموروث)، بل يحتاج إلى أداة تحليلية محايدة، تُخضِع المدونة للترتيب التاريخي، والربط بين المؤلّفين، وتحديد المدارس، والتمييز بين الطبقات. وتجدر الإشارة إلى أن بعض المفكرين، مثل: (محمد أركون) و(حسن حنفي)، رأوا في (بروكلمان) نموذجًا لضرورة إدخال البنية الببليوغرافية في التحليل، حتى حين يختلفون جذريًّا مع الخلفية الاستشراقية التي حملها مشروعه.
هذا، ولم يكن تلقّي الباحثين المسلمين (لبروكلمان) دائمًا تلقّيًا إيجابيًّا. فقد برز اتجاه نقدي يرى أن مشروعه، رغم دقّته، يحمل منظورًا خارجيًّا يجعل التراث يُقرأ بوصفه (أدبًا عربيًّا) بالمعنى الثقافي العامّ، لا بوصفه بنية معرفية دينية ذات طابع داخلي خاصّ. فمثلًا، أشار (عبد الله العروي) و(جورج مقدسي) إلى أن تقسيم (بروكلمان) للعلوم الإسلامية ينسجم مع نموذج أكاديمي غربي، لكنه لا يعبّر بدقة عن العلاقات البنيوية في منظومة العلوم الإسلامية كما نشأت تاريخيًّا. هذا النقد لم يلغِ قيمة المشروع، لكنه كشف عن حدود النظر إليه كخريطة نهائية.
ومن أبرز آثار (بروكلمان) على الباحثين المسلمين هو ما يمكن تسميته (التحدي المعرفي المعكوس)؛ إِذْ دفعهم إلى التفكير في كيفية استعادة السيطرة على تراثهم عبر أدوات علمية تضاهي ما قدّمه الاستشراق، وتتفوّق عليه من حيث الوعي الداخلي بتكوين العلم ومقاصده ووظائفه. وقد مثّلَت مشاريع موسوعية، مثل: (تاريخ التراث العربي) لـ(فؤاد سزكين)، و(معجم المصادر العربية) لـ(يوسف اليعقوبي)، وتحقيقات مركز المخطوطات بمؤسسة الفرقان، محاولات جادّة لإعادة إنتاج الأرشفة العلمية للتراث القرآني بطريقة تحترم البناء الذاتي للعلم، لا مجرد نقله عبر عين استشراقية.
وهكذا يتضح أنّ تأثير (بروكلمان) لم يكن مجرد تأثير ببليوغرافي تقني، بل كان تأثيرًا إبستمولوجيًّا عميقًا؛ إِذْ أجبر الباحث المسلم على إعادة التفكير في معنى حصر التراث، وفي كيفية بناء معرفة تاريخية حول القرآن وتفسيره، وفي شروط التوازن بين المنهج الخارجي والمنظور الداخلي. ولولا حضور (بروكلمان) القوي، باعتباره مرجعًا ملزِمًا، لما ظهرت كثير من المشاريع الإسلامية المعاصرة التي سعتْ إلى إعادة بناء تاريخ علوم القرآن، وما برزت الحاجة إلى تطوير أدوات عربية تضاهي أدوات الاستشراق في الصرامة والدقة والبنية النقدية. وهكذا تحول (بروكلمان)، في الوعي الإسلامي الأكاديمي، من مجرّد مستشرق قديم إلى نقطة مرجعية تعيد تشكيل أسئلة البحث، وتحدّد التحديات، وتصوغ شروط تجاوز الاستشراق، ليس عبر تجاهله، وإنما عبر محاورته وإعادة بناء أدوات العلم على نطاق أوسع وأكثر عمقًا.
إسهامات آنا ماري شيمِل (Annemarie Schimmel):
س4: ما طبيعة تناول آنا ماري شيمِل للقرآن الكريم في كتاباتها؟ وهل اتخذت منهجًا وصفيًّا تأمليًّا أكثر من كونه نقديًّا؟
د/ عبد الملك هيباوي:
يتّخذ تناول (آنا ماري شيمِل) (Annemarie Schimmel) (1922- 2003) للقرآن الكريم موقعًا متميزًا داخل الدرس الاستشراقي الألماني المعاصر؛ إِذْ لا ينتمي إلى الخط التحليلي النقدي الذي طبع أعمال (نولدكه) وتلامذته، ولا إلى الاتجاه التنقيحي الراديكالي، بل إلى نمط مختلف يقوم على الوصف التأمّلي، والإنصات إلى التجربة الروحية للنصّ، وإعادة تقديم القرآن بوصفه مركزًا للوعي الإسلامي لا مجرّد موضوع للفحص التاريخي.
ومع أنّ (شيمِل) لم تتخلّ عن الصرامة العلمية ولا عن الحسّ الفيلولوجي عند الحاجة، فإنّ منهجها لم يكن نقديًّا بالمعنى التاريخي-النصِّي الذي يشكّل عماد الاستشراق الكلاسيكي، بل كان أقرب إلى قراءة داخلية (sympathetic reading) تتعمد استيعاب جماليات النصّ وطاقته الرمزية. هذا ويمكن إجمال طبيعة تناول شيمِل للقرآن في ثلاثة ملامح أساسية:
أولًا: منهج وصفي-تأمّلي يتعامل مع القرآن بوصفه بنية رمزية وروحية أكثر منه موضوعًا لإعادة البناء التاريخي. فكتابات (شيمِل) عن القرآن لم تنشغل بإثبات أزمنة النزول، ولا بترتيب السور، ولا بتفكيك الطبقات النصّية، بل اهتمّت بمفاهيم، مثل: النور، والرحمة، والذِّكر، وأسماء الله الحسنى، والوجود الإنساني، كما تتجلّى في القرآن. كانت تقرأ النصّ القرآني كنافذة على المخيال الإسلامي، وعلى تقاليد التعبد، وعلى رؤية الوجود التي تشيع في الثقافة الإسلامية من خلاله. هذا ما يجعل خطابها أقرب إلى الأنثروبولوجيا الروحية منه إلى النقد النصّي.
ثانيًا: اشتغلت (شيمِل) على القرآن كاختبار جمالي في المقام الأول. فقد انطلقت من حقيقة مركزية، وهي أنّ المسلم يتعامل مع القرآن صوتًا وإيقاعًا قبل أن يتعامل معه نصًّا مكتوبًا. من هنا جاءت تفسيراتها الغنية حول جمالية التلاوة، وموقع الإيقاع القرآني في الوجدان الإسلامي، وكيف تنتقل المعاني من مستوى البيان إلى مستوى التجربة. لقد رأت في القرآن نصًّا مشحونًا بطاقةٍ جمالية لا يمكن محاصرتها بمنهج نقديّ جاف، ولذلك فضّلت المقاربة التي تتتبع أثر النصّ في الحياة الروحية والتعبيرية للمسلمين، بما في ذلك الشِّعر الصوفي، والفنون الإسلامية، والرموز البصرية.
ثالثًا: ابتعدت (شيمِل) عن النبرة التفكيكية التي طبعت كثيرًا من الخطابات الاستشراقية الأخرى، لتتجه نحو التفهّم (empathic understanding). وهذا الجانب أثار جدلًا في الأوساط الغربية؛ إِذْ رأى بعض الباحثين أنها منحازة إلى النصّ وإلى التجربة الإسلامية على حساب المسافة النقدية. لكن قوة (شيمِل)، في المقابل، كانت في أنها عرفت كيف تنقل للقارئ الغربي الخبرة الوجدانية للمسلمين مع القرآن، وكيف تجعل النصّ مفهومًا من الداخل، لا بوصفه غريبًا أو أسطوريًّا أو محض أثر تاريخي. ويظهر هذا المنحى في جُلّ كتبها وأبحاثها ومحاضراتها.
لقد شكّلت كتابات (شيمِل)، التي تربو على المائة، جسرًا بين الحساسية الأكاديمية الغربية والحساسية الإيمانية الإسلامية، دون أن تدّعي امتلاك سُلطة تفسيرية على النصّ. إنّ أعمالها في دراسة القرآن الكريم تبرز بوصفها نموذجًا فريدًا للانشغال بالجوانب الجمالية والوجدانية للنصّ، حيث انطلقت من فهمٍ عميق لطبيعة العلاقة بين المسلم والقرآن، معتبرة أنّ التفاعل مع النصّ يبدأ -كما أشرت من قبل- من الصوت والإيقاع قبل الكلمة المكتوبة. ففي كتابها الشهير الضخم (الأبعاد الصوفية في الإسلام) (Mystischen Dimensionen des Islam)، والذي تُرجِم إلى عدّة لغات غربية وشرقية بما فيها العربية، أوضحت (شيمِل) كيف تتجلّى تجربة التلاوة القرآنية في الحياة الصوفية، مؤكّدة أن الإيقاع القرآني يخلق حالة روحية خاصّة لدى المتلقّي، وينقل المعاني من مستوى البيان إلى مستوى التجربة الروحية الحية. كما تناولت في كتابها (الشعر الصوفي الفارسي) (Mystical Poetry of Persia) انعكاس الجمالية القرآنية في الشِّعْر الصوفي، مبيّنة كيف تتداخل الإيقاعات والمعاني القرآنية مع النصوص الشِّعْرية لتشكّل رؤية روحية وجمالية متكاملة. وفي مؤلفها (القرآن في الحياة والفكر الإسلاميّين) (The Quran in Islamic Life and Thought) ركّزت (شيمِل) على مظاهر التفاعل الفني والثقافي مع القرآن، موضحة كيف يتحوّل النصّ القرآني إلى جزء لا يتجزأ من الممارسات التعبدية والفنية في المجتمع الإسلامي. أمّا في دراستها عن (الفن الإسلامي في ضوء القرآن) (Islamic Art and the Quran)، فقد تناولت العلاقة بين الجماليات القرآنية والرموز البصرية في الفنون الإسلامية، موضّحة كيف يستلهم الفنانون من القرآن الألوانَ والإيقاعات والرموز الفنية ليصوغوا عوالم بصرية تعكس الروح القرآنية.
من خلال دمج هذه الدراسات وغيرها، تظهر (شيمِل) باحثة لا تكتفي بتفكيك النصّ نقديًّا، بل تسعى إلى استكشاف أثر القرآن في تشكيل الذائقة الروحية والفنية للمسلمين، وتؤكّد أن الطاقة الجمالية للنصّ القرآني لا يمكن اختزالها في منهج نقدي جامد، بل تتجسّد في الحياة اليومية والتعبدية والثقافية، حيث يمتزج البيان بالوجدان، ويصبح القرآن نافذة على المخيال الإسلامي وأفق التعبير الفني والروحي.
وبناء على ذلك، يمكن القول إنّ (شيمِل) لم تتبنَّ منهجًا نقديًّا بالمعنى الصارم للكلمة، بل اعتمدت منهجًا تأمليًّا-إنسانيًّا يرى في القرآن نصًّا مفتوحًا على التجربة الروحية، ويعترف بعمق الوجدان الديني الذي يتخلّله. إنها أقرب إلى الباحث الذي يسعى لفهم (كيف يعيش الناس القرآن)، لا (كيف تشكّل النصّ في تاريخه الأوّل). وهذا ما يجعلها حالة استثنائية داخل الاستشراق الألماني، إنها باحثة لا تفكّك القرآن، بل تحاول الدخول إليه، لا من باب التاريخ، بل من باب السياق الروحي والجمالي والوجداني.
ومهما يُقال عن محدودية أثر منهجها في الجدل النقدي حول تاريخ القرآن، يبقى واضحًا أنها قدّمَت إسهامًا مهمًّا في تغيير صورة القرآن في الوعي الغربي؛ إِذْ نقلته من دائرة (النصّ الغريب) إلى دائرة (النص الحيّ) الذي يصوغ الذائقة والشعور والرمز في حضارة كاملة.
وإذا أردنا، في إطار نقدي، أن نحدّد موقع (شيمِل) داخل الاستشراق الألماني الحديث، فإنها تعدّ حالة خاصّة لا تشبه المسار النقدي-الفيلولوجي الذي رسخه (نولدكه) وتلامذته، ولا تشبه المسار التاريخي-النصِّي المتطوّر في أعمال الأجيال اللاحقة، بدءًا من (جولدتسيهر) وصولًا إلى (نويفرت). فهي تمثّل نزعة داخل الاستشراق الألماني الجديد تنأى عن (العقل التفكيكي) لصالح (العقل التأمّلي)، وعن السعي لإعادة بناء تاريخ النصّ لصالح محاولة فهم التجربة الوجودية التي يولّدها النصّ.
يُعرف الاستشراق الألماني الجديد، في جزء كبير منه، بانشغاله بالتاريخ الداخلي للخطاب القرآني، وبالسعي للفصل بين طبقاته، وبمحاولة إعادة تموضع القرآن داخل سياقات أواخر العصور القديمة، كما نرى عند (نويفرت) و(سيناي) وغيرهما. هذا الاتجاه يتّسم بمنظور نقدي صريح، وبوعي إبستمولوجي بحدود الرواية، وبالتعامل مع النصّ ككائن تاريخي قبل أن يكون كيانًا روحيًّا. في هذا السياق يبرز اختلاف (شيمِل)؛ لأنها اختارت، بوعي معرفي، ألا تدخل مبكرًا في صراعات النقد التاريخي، بل فضّلت الاقتراب من القرآن كنصّ يؤسّس عالَمًا تخييليًّا وروحيًّا شاملًا في التجربة الإسلامية.
إنّ النقد الداخلي لهذه النزعة يطرح سؤالًا مهمًّا: هل يشكّل هذا النوع من الاستشراق تراجعًا عن الصرامة الألمانية التي اشتهرت بالدّقة الفيلولوجية والتحقيب التاريخي؟ أم أنه يمثّل توسيعًا لأفق الفهم الغربي للقرآن، من كونه مادة نقدية إلى كونه نصًّا مؤسِّسًا يُنتِج حياة شعورية كاملة؟ في الواقع، لا يمكن فصل المقاربة (الشيمِلية) عن التحوّلات الواسعة التي عرفها الاستشراق الألماني في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد بدأت تظهر داخل الحقل حاجة إلى مقاربات تنصت إلى معنى النصّ بالنسبة إلى المؤمنين به، وتعترف أن القرآن لا يمكن أن يُختزل في وظيفته التاريخية دون فقدان جزء من (منطقه الداخلي) الذي يشكل حضورًا جماعيًّا وثقافيًّا. من هنا تشكِّل أعمال (شيمِل) الوجه الـمُكمِّل لا النقيض للاستشراق الألماني الجديد. فبينما ينشغل الاتجاه الفيلولوجي-التاريخي بتحديد طبقات الخطاب، تقدّم (شيمِل) قراءة تعيد النصّ إلى مركز الخبرة الروحية، وتؤكّد أن القرآن لا يُفهم فقط بمساءلة زمن النزول، بل أيضًا بمساءلة زمن التجربة الذي يخلقه النصّ داخل الوعي. بهذا، تكون (شيمِل) قد خلقت ما يشبه (الاستشراق الوجداني)، وهو اتجاه لا يعتمد على المسافة النقدية وحدها، بل يمزج المعرفة اللغوية بتاريخ التديّن الإسلامي، ويمنح الأولوية لفهم كيفية عَيْش النص أكثر من كيفية تكوّنه.
ومع أنّ هذا المسار لقي انتقادات في الأوساط الأكاديمية الغربية، باعتباره يفتقر إلى الراديكالية المنهجية التي تطلبها الدراسات التاريخية النقدية، إلا أنه أسهم في سدّ نقص كان واضحًا في الاستشراق الألماني، وهو غياب البُعد الهرمنيوطيقي الذي يتعامل مع القرآن لا بوصفه أثرًا تاريخيًّا فقط، بل بوصفه نصًّا يولّد المعنى داخل علاقة الإنسان بذاته وبالوجود. ولهذا السبب، تُعَدّ (شيمِل) جزءًا من (التجديد الهادئ) في الاستشراق الألماني، تجديد لا يقوم على القطيعة، بل على توسيع دائرة الفهم بحيث تشمل ما هو جمالي ووجودي ورمزي.
في المقارنة مع (نويفرت)، الرمز الأكثر بروزًا في الجيل الأكاديمي الألماني المعاصر، يظهر الفارق بوضوح. فبينما تتعامل (نويفرت) مع القرآن بوصفه نصًّا تشكَّل في فضاء أواخر العصور القديمة؛ تُخضعه للتحليل الطبقي، وتقارنه بالنصوص اليهودية-المسيحية، وتنظر إليه كخطاب جماعي يؤسّس جماعة تاريخية؛ تتجه (شيمِل) إلى ما بعد هذا التحقيب، فتقرأ القرآن كمعمار رمزي ينحت الحساسية الجمالية للمؤمنين، وكخطاب لا يمكن عزله عن ممارسات التلاوة والصلاة والذِّكْر والتسبيح والدعاء والتصوف وأنماط التدين اليومية. وكأنّ (نويفرت) تعيد بناء الماضي، بينما (شيمِل) تفسِّر الحاضر الذي ما يزال القرآن يصنعه.
إنّ موقع (شيمِل) في الاستشراق الألماني الجديد هو موقع التيار الوجداني-التأويلي الذي يذكّر الحقل بأنّ القرآن ليس نصًّا للعلماء فقط، بل نصّ للناس، وأنّ فهمه يحتاج إلى أدوات تكمّل ما تقدّمه الفيلولوجيا، لا أن تعارضها. وبذلك قدّمَت (شيمِل)، دون ادّعاء صدامي، نقدًا ضمنيًّا للنموذج الاستشراقي الصارم؛ نقدًا يقول إنّ المسافة العلمية ليست وحدها كافية لفهم النصّ القرآني، ما لم ترافقها مسافة إنسانية واعية بالخبرة الروحية التي يصنعها هذا النصّ. وهنا تكمن قيمة حضورها أنها كشفت حدود الفيلولوجيا عندما تُفصل عن التجربة، وحدود التاريخ عندما يُفصل عن الهرمنيوطيقا، وأن القرآن، بوصفه نصًّا حيًّا، لا ينتمي بالكامل إلى الماضي، ولا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن العالم الذي ما يزال يشكّله.
س5: كيف تميزت مقاربة شيمِل بالتأويل الصوفي الرمزي للنصّ القرآني؟
د/ عبد الملك هيباوي:
تميزت مقاربة (شيمِل) للقرآن الكريم بطابع فريد داخل الحقل الاستشراقي الحديث؛ إِذْ لم تتعامل مع النصّ بوصفه وثيقة لغوية أو تاريخية قابلة للتفكيك وحسب، بل بوصفه نسيجًا رمزيًّا وروحيًّا يولّد معاني تتجاوز مستوى الدلالة المباشرة. وقد كان تأثّـرها العميق بالتصوّف الإسلامي؛ خاصّة بتراث جلال الدين الرومي والجنيد والحلّاج وابن عربي وابن عطاء الله السكندري ورابعة العدوية ومحمد إقبال، وغيرهم من شيوخ التصوف؛ عاملًا مركزيًّا في تشكيل منهج تأويلي رمزي يمنح القرآن مستوى ثانيًا من القراءة، يتجاوز الحرفي إلى المقاصد الوجودية والأبعاد الإشارية. في هذا السياق عملَت (شيمِل) على استقراء أبعاد التأثير القرآني على الزهّاد والنسّاك والمتصوّفة، فتذكر أن الصوفية تكتسب تفسيرها من كلمة الله المنزلة في القرآن، حيث أنّ الله تجلّى في تلك الكلمات حتى أصبح القرآن هو الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي يمكن للإنسان أن يعرفه بها. فالقرآن الكريم، حسب (شيمِل)، كان يمثّل في الحقيقة لدى الصوفي قاموسه الجامع بلا منازع، ومرجع كلّ علومه، ومفتاح تأملاته للكون، ذلك أن كلّ ما له علاقة بالأشياء الكونية والعقلية يوجد في هذا الكتاب، وتفسيره في مختلف الأزمنة يُظْهِر كيف أن البديهة الفكرية كانت تنمو في الجماعة المسلمة وتتطوّر.
هذا، ويمكن تحديد ملامح هذا المنهج الصوفي-الرمزي في ثلاثة محاور رئيسة:
أولًا: توسيع دائرة المعنى القرآني عبر البُعد الإشاري. فالرمزية عند (شيمِل) ليست مجرّد أسلوب أدبي، بل هي بنية داخل التجربة الدينية. حين تَقرأ آيات النور أو الرحمة أو الذِّكْر أو القلب أو النفس أو أسماء الله الحسنى، فهي لا تبحث عن تفسير لغوي أو عقدي، بل تتتبّع كيف تحوّلت هذه المفاهيم القرآنية إلى شبكة من الرموز الفاعلة في المخيال الصوفي. وقد تجلّت هذه المقاربة بوضوح في عدد من أعمالها، أبرزها كتابها (الأبعاد الصوفية في الإسلام) الذي خصّصت فيه فصولًا لدراسة الرموز القرآنية في التجربة الوجدانية، وكتابها (الحب الصوفي في الإسلام) (Mystical Love in Islam)، حيث درسَت إشارات القلب والحب والرحمة في القرآن وكيف ألهمت المتصوّفة عبر العصور. وأيضًا كتابها (الآيات الإلهية - العالم الديني للإسلام) (Dei Zeichen Gottes – Die religiöse Welt des Islam) الذي بيّنَت فيه أن القرآن لا يمثل مجرد كتاب مقدّس في الإسلام، بل يُعَدّ المحور المركزي الذي تتشكّل من خلاله رؤية المسلم للإنسان والكون والله، وأنه -أي القرآن- وسيلة لفهم العالم بوصفه مليئًا بالعلامات والإشارات الإلهية. ولهذا تركّز (شيمِل) على مفهوم (الآية) في القرآن، موضحة أن الكلمة تحمل معنى مزدوجًا؛ فهي تعني الآية القرآنية، كما تعني العلامة الكونية الدالة على الله. ومن هنا تنشأ العلاقة العميقة بين الوحي والطبيعة؛ إِذْ يصبح الكون كلّه، في التصور القرآني، كتابًا مفتوحًا يعبّر عن القدرة الإلهية والحكمة الإلهية. وفي هذا السياق تنبّه (شيمِل) أن هناك من المتصوّفة مَن تأمّل في الآية القرآنية الواحدة فاستنبط منها حوالي سبعة آلاف وجه من التفسير. وتؤكّد (شيمِل) أن القرآن لعب دورًا أساسيًّا في تشكيل الحضارة الإسلامية، ليس فقط من الناحية الدينية، بل أيضًا من الناحية الجمالية والثقافية. فهي ترى أنّ اللغة القرآنية أثّرت في الشِّعر العربي، والخط العربي، والفنون الإسلامية. وبذلك يصبح القرآن، في قراءتها، النصّ الأصلي الذي ألهَمَ التصوّف الإسلامي بناء عالم من الإشارات والعلامات، عالم لا يفصل بين اللغة والمجاز وبين التجربة الوجودية، كما يظهر ذلك جليًّا في هذه الدراسات وغيرها التي تبرز ملامح هذا المنهج الرمزي.
ثانيًا: المزج بين القراءة الصوتية-الوجدانية والقراءة التأويلية. بخلاف الدراسات الاستشراقية الكلاسيكية التي تعاملت مع القرآن بوصفه نصًّا مكتوبًا، جعلت (شيمِل) من الصوت القرآني مدخلًا أساسيًّا لفهم دلالاته. فالإنصات إلى التلاوة هو -في رأيها- أحد مفاتيح إدراك البنية الرمزية للنصّ؛ لأن الإيقاع القرآني نفسه يحرك في المتلقِّي مستويات شعورية لا يمكن ردّها إلى التحليل اللفظي وحده. فطبيعة القرآن، التي تمثل العلامة الفارقة الكبرى، الداعية إلى التدبر في الله والكون والإنسان، تعتبرها (شيمِل) من الوسائل التي تجنح بالروح إلى حال التصوّف أو تغيب بها عن الحضور، فكلّما رُتِّل القرآن -تقول شيمِل- كان وقعه أقدر على دفع النفس نحو مقامات أعلى وأسمى، وفتح لها باب قبول جديد، وكشف لها طبقات من الفهم والأسرار. هذا الحسّ السمعي-الوجداني يتوافق مع التجربة الصوفية التي ترى في الذّكر والتلاوة عملًا تحويليًّا للنفس، لا مجرّد قراءة (recitation). ولهذا، يصبح الصوت القرآني عند (شيمِل) حاملًا للمعنى بقدر الحروف إن لم يكن أكثر.
ثالثًا: التفسير بوصفه مشاركة روحية وليس مجرّد شرح لغوي. التأويل عند (شيمِل) يقوم على ما يمكن وصفه بـhermeneutics of empathy، أي التأويل الذي يتطلّب من القارئ الاقتراب من النصّ بوصفه حيًّا ومؤثرًا، لا بوصفه موضوعًا محايدًا. تستلهم (شيمِل) هنا الممارسة الصوفية التي ترى أن القرآن لا يُفهم إلا بانكشاف الحُجُب الداخلية. ولعلّ هذا ما يفسّر تركيزها على الآيات التي شكّلت مادة محورية في الأدبيات الصوفية؛ كالآيات المتعلّقة بالعشق والحب الإلهي، ومقامات السالكين، وتجليات أسماء الله الحسنى. تنظر (شيمِل) مثلًا إلى أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى، التي وردَ ذكرها في القرآن، أنها أسهمت بدور مهمّ في تشكيل النظريات الصوفية المتأخّرة، وأصبحت توجّه مسار العبادات وتجعل الأمل في اكتشاف (اسم الله الأعظم) هو شغف بعض المتصوفة طمعًا في نيل أعلى درجات السعادة والقرب في الدنيا والآخرة. إن (شيمِل) هنا لا تفسّر القرآن تفسيرًا صوفيًّا بمعنى إنتاج (باطن) جديد، بل تُبرز كيف أتاح القرآن نفسه، بما فيه من حرارة لغوية وعمق رمزي، إمكانات تأويلية واسعة للمتصوفة.
بهذه الملامح تتمايز مقاربة (شيمِل) عن الاتجاه التاريخي-النقدي في الاستشراق الألماني، فهي ليست معنية بتحديد طبقات الخطاب، ولا بتحقيب النزول، ولا بإعادة بناء السياق النصي الأول، بل تشغلها قدرة النصّ على توليد طبقات من المعنى تتجدّد في كلّ عصر وتنعكس في الفنون الإسلامية والشِّعْر الصوفي والممارسات الروحية والحياة اليومية للمسلمين. ومن هنا تعيد (شيمِل) الربط بين القرآن والتجربة الجمالية-الروحية للمسلمين، جاعلة من النصّ قوة تأسيسية للخيال الديني، لا مجرد وثيقة تاريخية.
من ناحية أخرى نلاحظ أن (شيمِل) قد بذلت من خلال كتاباتها جهدًا كبيرًا في إبراز أن القرآن هو الذي طبع بطابعه المميز الفلسفة وكلّ الآداب والأشعار الإسلامية ذات النفحة الصوفية أكثر من غيره، وأنّ لغة القرآن وأسلوب خطابه قد انعكسَا بشكلٍ جليّ على الحياة الروحية والوجدانية والذوقية والفنية للشعوب الإسلامية، ذلك أنّ اللغة العربية كانت هي اللغة المشتركة بين المسلمين في كلّ العالم، إِذْ لم تكتفِ بأنْ أسهمت في صياغة مصطلحات العقيدة والفقه وحسب، بل تعدّتها إلى لغة الشعراء والأدباء، وسَرَت في المجتمع الإسلامي بوصفها قوّة حية، ورغم أن ملايين الرجال والنساء لم يفهموا كلمات القرآن إلا أنهم كانوا يستشعرون قدسية أثره، ويحيون به، إلى درجة تؤكّد (شيمِل) فيها بالقول: «إن الذاكرة الإسلامية قد طُبعت بطابع القرآن».
ونتيجة لذلك، فإنّ القرآن قد اكتسب، حسب (شيمِل)، مكانة مركزية في الحضارة الإسلامية جمعاء، وأصبح يمثّل مفتاح الحياة الفكرية الإسلامية الممتدة من المغرب غربًا حتى الفلبين شرقًا. ولأنها تدرك عُمق تأثير القرآن الكريم في الحياة الإسلامية بكلّ أبعادها وتجلياتها قديمًا وحديثًا، وتدرك بنفس القدر جهل الغرب بذلك التأثير فإن (شيمِل) تنبه أنه نادرًا ما يعي غيرُ المسلم كيف طبع القرآن الكريم آداب المسلمين وفنونهم الثقافية من بلاغة وخطّ وزخرفة وترتيل، سواء كانوا يتكلّمون العربية أو الفارسية أو التركية أو الأوردية؛ ولذلك فإنها -وهي العارفة باللغات الإسلامية وآدابها- تؤكّد أنّ مَن تعلّم اللغة الفارسية أو التركية أو غيرها من لغات الإسلام يعرف كيف أنّ لغة القرآن تسري قوّتها في لغة الأدب وفي لغة التخاطب على حدّ سواء، ويعرف مدى روعة (أبجدية القرآن) منقوشة في ذوقٍ فنّي بأيادٍ فارسية وتركية وهندية وإفريقية، فنشأ بذلك فنّ الخط، وهو فنّ له أهمية خاصّة عند المتصوفة الذين لم يقفوا في تأملهم للحروف عند ظاهرها فحسب، بل تخطوا ذلك إلى تأمل كلّ حرف على حِدة بما له من قدسية كامنة فيه. ولتقريب هذه المعاني أكثر من فهم المثقف الغربي فإنّ (شيمِل) قد خصّصت فصلًا مهمًّا عن رمزية الحروف في الخبرة الصوفية في كتابها المتميز (الأبعاد الصوفية في الإسلام).
غير أنّ مقاربة (شيمِل) للقرآن، كما ذكرتُ سابقًا، لم تَسلم من النقد؛ فقد رأى بعض المستشرقين أن مداخل (شيمِل) الوجدانية تُضعف المسافة النقدية اللازمة للعمل الأكاديمي. لكن قوة مشروعها تكمن في أنها لم تكن تسعى إلى (نزع التاريخية) عن القرآن، بل إلى إعادة التوازن الذي أهمله كثير من الاستشراق حين اختزل النصّ في طبقاته التاريخية ونسي طبقاته الوجودية. لقد أعادت (شيمِل) تذكير الأكاديميا بأنّ القرآن نصّ يُعاش بقدر ما يُقرأ، وأنّ فهم بنيته الرمزية شرط لفهم أثره الثقافي والحضاري. وبذلك يمكن القول إنّ (شيمِل) قدّمَت، من داخل الاستشراق، أحد أنضج القراءات الغربية للنصّ القرآني كخبرة روحية، راسمة مسارًا موازيًا للاستشراق النقدي الصارم، ومسهمة في فتح الباب أمام ما يمكن تسميته (الاستشراق التأويلي)، الذي ينظر إلى القرآن لا فقط كأصل تاريخي، بل كمنظومة رموز تعبّر عن أفق من المعنى يتجاوز زمن التدوين إلى زمن التجربة المستمرة.
لقد أحدثت مقاربة (شيمِل) للقرآن، بما تتميز به من تأويل رمزي ووجداني، تحولًا تدريجيًّا في صورة القرآن داخل الوعي الغربي المعاصر، وخصوصًا في الأوساط الأكاديمية والثقافية التي اعتادت النظر إلى النصّ القرآني من زاوية نقدية تاريخية فحسب. فقد قدّمَت نموذجًا معرفيًّا مختلفًا جذريًّا: نموذجًا يَقرأ القرآن من الداخل، معترفًا بقيمته الروحية والجمالية، وبقدرته على تشكيل الحساسية الدينية الإسلامية، لا بوصفه نصًّا يمكن تحليله فحسب، بل بوصفه نصًّا قادرًا على أن يُفهم ويُعاش. هذا، ويمكن تحديد أثر هذا المنهج في أربعة مستويات رئيسة:
أولًا: تليين الصورة النقدية الصارمة للقرآن داخل الدرس الغربي. إِذْ إنّ حضور المقاربة الفيلولوجية-التاريخية، التي أسّسها (نولدكه) واستمرت في تيارات الانفصال النصّي والتنقيحية، رسّخ صورة للقرآن بوصفه مادة للتحليل أكثر منه أفقًا للخبرة. وعندما جاءت (شيمِل) بقراءة تستكشف البُعد الرمزي والصوفي والجمالي للنصّ، بدَا ذلك للأوساط الغربية بمثابة إضافة للجانب المغيَّب في قراءة القرآن؛ الجانب الذي يفسِّر لماذا ظلّ النصّ حيًّا ومؤثِّـرًا في الوجدان الإسلامي. لقد أعادت (شيمِل) إدخال البُعد الوجودي، فوسّعت أفق النقاش من (كيف تكوّن النص؟) إلى (كيف يعمل النصّ داخل النفوس؟).
ثانيًا: إعادة الاعتبار للبُعد الجمالي والروحاني في القرآن في السياق الأوروبي. إِذْ كانت النظرة السائدة تحصر جمالية القرآن في بُعده البلاغي اللغوي، وغالبًا ما كانت هذه البلاغة تُدرس في إطار تقني أو شكلي. أمّا (شيمِل) فقد جسّدت -من خلال استحضارها للصوت القرآني، وللتجارب الصوفية، وللرموز التي يستنبتها النصّ- فهمًا جديدًا للجمال القرآني بوصفه جمالًا مؤثرًا في الإحساس والخيال والوجدان، لا مجرّد جمال لغوي. وقد لقي هذا المنظور رواجًا لدى باحثين في الأنثروبولوجيا الدينية والدراسات الجمالية، الذين وجدوا في القرآن مثالًا مركزيًّا على كيفية تفاعل النصوص المقدسة مع الحساسية الدينية.
ثالثًا: خلق جسر ثقافي وإنساني بين القارئ الغربي والتجربة القرآنية. فبينما بدت كثير من المقاربات الاستشراقية السابقة، ولا سيّما النقدية منها، غريبة عن القارئ المسلم، بل حتى عن القارئ الغربي غير المتخصّص، جاءت (شيمِل) بلغة إنسانية، تُنْصِت للنصّ القرآني كما يُنْصِت له المؤمنون. هذا (التعاطف الهرمنيوطيقي) جعل القارئ الغربي يرى القرآن من زاوية المسلم لا من زاوية الباحث الخارجي فقط. وقد أسهم هذا في تخفيف الصور النمطية التي تربط القرآن بالغموض أو العنف أو الجمود العقائدي، واستبدل بها صورًا تُظهِر النصّ كينبوع للحساسية الروحية الإسلامية.
رابعًا: إعادة تشكيل موقع التصوّف كأسلوب لفهم القرآن داخل الأكاديميا الغربية. فمن خلال مزجها بين الدراسة والتجربة، جعلتْ (شيمِل) من التصوف، خاصة من خلال الرومي وابن عربي، نافذة لفهم القرآن لا مجرّد حركة دينية لاحقة. هذا الطرح أثّر بعمق في الدرس الغربي، إِذْ بدأ كثير من الباحثين ينظرون إلى التراث الصوفي بوصفه استمرارًا لطاقات النصّ القرآني، لا بوصفه انحرافًا أو هامشًا. وبهذا تحول التصوف من مادة أدبية-تاريخية إلى إطار هرمنيوطيقي لفهم القرآن نفسه.
ونتيجة لهذه المستويات الأربعة، فقد اتخذت صورة القرآن في الغرب منحى أكثر تعددية وتوازنًا. لم تعد قراءته مقتصرة على المنهج التاريخي-النقدي، ولا محصورة في مباحث الاستشراق الكلاسيكي، بل أصبحت ثمة فسحة لقراءات تأويلية، وجمالية، وروحانية، تتكامل أو تتوتر مع القراءات الأخرى، لكنها تمنح الحقل ثراءً أكبر وقدرة على فهم آثار النصّ بقدر فهم بنيته.
وبهذا، يمكن القول إن (شيمِل) أسهمتْ في نقل القرآن داخل الأوساط الغربية من وضع (النص المبحوث عنه) إلى وضع (النص الذي يُبنى حوله معنى إنساني واسع). لقد أعادَت له بُعدًا كان غائبًا في معظم الدراسات، أي بُعده كخبرة روحية لا تزال تحيَا وتنتج أثرًا في ملايين البشر. وهذا الأثر، في عمقه، لم يكن مجرد تصحيح لاتجاه معرفي، بل كان إعادة توجيه لحساسية كاملة في طريقة تلقّي القرآن في الثقافة الغربية الحديثة.
س6: هل يمكن اعتبار شيمِل نموذجًا لما بعد الاستشراق العدائي، خصوصًا في تمثيل القرآن في الثقافة الألمانية؟
د/ عبد الملك هيباوي:
تنفرد (شيمِل) بموقع بالغ الخصوصية داخل المشهد الاستشراقي الألماني؛ إِذْ تبدو مقاربتها للقرآن وكأنها تنتمي إلى طور جديد يبتعد تدريجيًّا عن النزعة العدائية أو التفكيكية التي ميزت الاستشراق الكلاسيكي، دون أن تُعلن قطيعة كاملة معه. لقد جاءت قراءتها للنصّ القرآني محمولة على نزعة تفهّمية وروحية، لا تهدف إلى إخضاع القرآن لمنطق التحقيب التاريخي أو التفكيك النصّي، كما ذكرنا سابقًا، بل تسعى إلى الاقتراب منه بوصفه مركزًا حيًّا للمعنى في الوعي الإسلامي، ونصًّا يُنتج أثره وقيمته عبر التجربة الحية للمؤمنين.
هذا التحوّل الوجداني هو ما يجعلها أقرب إلى ما يمكن تسميته (ما بعد الاستشراق العدائي). فهي لا تشارك الإرث الذي كان يرى في القرآن موضوعًا للخارج، بل تحاول أن تقرأه وسط عالمه الداخلي، متسائلة عمّا يعنيه النصّ بالنسبة للمسلمين، لا عمّا يعنيه بالنسبة للمؤسّسة البحثية وحدها. وبذلك تبتعد عن نظرية العلاقة الصدامية بين الغرب والنصّ الإسلامي، لتفتح إمكانًا لقراءة تعيد بناء مكانة القرآن في المخيال الثقافي الألماني بوصفه نصًّا ملهِمًا وقادرًا على التواصل. يتجلّى هذا الطابع بوضوح في احترامها العميق للتجربة الروحية التي يخلقها القرآن داخل الوعي الإسلامي. فبينما ركّز الاستشراق النقدي على كيفية تشكّل النص أو مصادره المفترضة، اختارت (شيمِل) أن تطرح سؤالًا مختلفًا: كيف يخلق القرآن معنى؟ كيف يصبح الصوت القرآني جزءًا من تشكّل الذات الإسلامية؟ وكيف تستحضر الثقافة الإسلامية رموزه وأشكاله الجمالية في الأدب والفنّ والعمارة والذِّكْر؟ هذه الأسئلة تنتمي إلى أفق ما بعد التفكيك؛ إِذْ لا تروم نزع القداسة، ولا تثبيت الواقعية التاريخية، بل الإشارة إلى أن النصّ القرآني لا يمكن فهمه إلا بوصفه ظاهرة وجودية، تربط بين اللغة والإنسان والعالم.
أثر هذا المنهج لم يكن مجرّد إضافة علمية، بل أسهم في تغيير طريقة تمثيل القرآن في الثقافة الألمانية. فمع (شيمِل)، صار من الممكن للقارئ الألماني أن يرى القرآن على نحو مغاير؛ لا كتابًا غامضًا أو محاطًا بالتوتّر السياسي، بل نصًّا يشتبك مع الأسئلة الكبرى للروح، ويقترح على قارئه شكلًا من أشكال السكينة الجمالية. وبهذا خفّفت (شيمِل) من السرديات التي كانت تُقدِّم الإسلام باعتباره خطرًا أو غريبًا، وأعادت إدخال القرآن في مساحة التقدير الجمالي والأخلاقي، لا في مساحة الشُّبهة والارتياب.
مع ذلك، تبقى (شيمِل) جزءًا من المؤسّسة الاستشراقية، لكنها الجزء الذي جعل المقاربة الغربية للقرآن أكثر تعدّدية وإنسانية. هي لا تهدم التراث النقدي الألماني، بل تعيد توزيع موازين القوة فيه، بحيث يصبح الفهم الوجداني توازنًا ضروريًّا لصرامة الفيلولوجيا. ومن هنا يمكن القول إنّ (شيمِل) تمثّل صوتًا يفتح بابًا لممارسة معرفية لا تعتمد على التفكيك وحده، ولا على التعاطف وحده، بل على محاولة فهم النصّ في لحظته الإنسانية العميقة. وفي هذا الانفتاح بالتحديد يتبدى ملمحها (الـمَا بعد استشراقي)، بوصفه جهدًا لإعادة الاعتبار للقرآن داخل الثقافة الألمانية بعيدًا عن الإرث العدائي ومحاولات الهيمنة الرمزية التي طغت في مراحل سابقة.