وقفات مع بعث الغراب معلِّمًا في قصة ابنَيْ آدم‏

الكاتب: مصطفى يعقوب

تتناول المقالةُ حكمةَ بَعْث الغراب في قصة ابنَيْ آدم، باستقراء أقوال المفسِّرين وتحليلها، مع استنباط الدلالات التربوية والتشريعية للقصة.

تقديم:

  تشتمل قصة ابنَيْ آدم في سورة المائدة على مشهدٍ لا نظير له من نوعه في القرآن: طائرٌ يُبْعَث ليُعلِّم إنسانًا فعلًا بالمشاهدة، فهُدهد سليمان كان سبيلًا إلى نقل المعرفة عن طريق الخبر، والغراب كان سبيلًا إليها بالفعل والمشاهدة، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: 31]، وقد نصّت الآية على الواقعة ولم تنصّ على حِكْمتها، فتوجّه المفسّرون إلى استنباطها، وتفرّقت أقوالُهم في ذلك بين كتب التفسير من الزجَّاج والطبري إلى ابن عاشور وابن عثيمين، قولًا هنا وآخر هناك، ولم أقف فيما اطّلعتُ عليه على مَن جمعها في موضعٍ واحدٍ يُبَيَّن فيه وجهُ الصِّلَة بينها.

وتهدف هذه المقالة إلى جمع تلك الأقوال وترتيبها في وقفاتٍ محرَّرة، ثم تحليلها وبيان ما يتوقّف منها على غيره، مع تمييز ما استُنبط من ألفاظ الآية نفسها عمّا بُنِيَ على روايات القصة وزياداتها، وضبطِ ما يُساق اليوم من كلام عِلْم الطير عن الغراب بميزان الأمانة العلمية.

وأمّا طريقة الاشتغال فاستقرائية تحليلية: تتتبّع المقالةُ أقوالَ المفسِّرين في حِكْمة بعث الغراب في مصادرها، ثم تصنّفها بحسب الجهة التي تعلّقت بها، ثم تحلّل كلَّ صنفٍ وتزنُه بالسياق القرآني وبالمنهج المقرَّر في التمييز بين النصّ والرواية، وتسير المقالة في مسارٍ عام يبدأ بتوطئةٍ في تعيين صاحبي القصة، ثم وقفةٍ مع الآية المفتاحية وتحرير المشكلة، ثم وقفاتٍ أربع في حكمة الاختيار والتعليم والتشريع والمعرفة، ثم وقفتَيْن في ضبط الاستدلال بعلم الطير وبالروايات، ثم وقفةٍ في دلالات القصة المعاصرة، وتُختم بخاتمةٍ تُجمل نتائجها وتوصياتها.

توطئة: في تعيين صاحبَي القصة:

ذهب جمهور المفسّرين إلى أنّ ابنَي آدم المذكورَيْن في الآية هما ابناه لصُلْبه، وهو المشهور الذي تتناقله كتب التفسير باسم قابيل وهابيل، وحكاه ابن كثير قولَ الجمهور، ورُوي عن الحسن البصري قولٌ آخر أنّهما رجلان من بني إسرائيل ضُرِبَ بهما المثل، لا من ولد آدم لصُلْبه، وحُجّته أنّ القربان لم يكن إلا في بني إسرائيل، وقد أورده الطبري ثم ردّه من وجهين: أنّ الله يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطبون بالآية يعلمون أنّ القربان في وَلد آدم، فلو لم يكن المراد ابنيه لصُلْبه لم يفدهم ذكرُهما شيئًا، وأنّ أهل الأخبار والسِّيَر والعلم بالتأويل مجمِعون على أنّهما ابناه لصُلْبه في عهده وزمانه، ويشهد للجمهور حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (لا تُقْتَل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأوّل كِفْلٌ من دمها»، إِذْ سمّاه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ابنَ آدم الأوّل، ويشهد له من الآية نفسها جهلُ القاتل بالدّفن، وهو ما استنبطه الجصّاص كما سيأتي في الوقفة الثالثة؛ إِذْ لو كانَا من بني إسرائيل لعرفَا المواراة بجريان العادة، ولـمَا احتاج القاتلُ إلى معلِّم، وعلى هذا القول تسير المقالة، وهو الذي تُبنى عليه الوقفات التالية.

الآيةُ المفتاحية وتحريرُ المشكلة:

لا تخبرنا الآية عن لون السماء يومئذ، ولا عمّا كان في وجه القاتل حين سقط أخوه، وحسبُها أن تخبرنا بثلاثة لا يُشَكّ فيها: أنّ نفسًا قُتِلَت، وأنّ جسدًا بقي في العراء، وأنّ القاتل لم يكن يعرف كيف يواريه؛ فهذا كان الموتَ الأوّل، ولم تكن الأرض قد عَرفت القبر بعد، ولا كان في بني آدم من رأى ميتًا فيدلّ الحيّ على ما يُصنع به، وكان الذي وقف فوق الجسد أعلمَ الناس بالجريمة وأجهلَهم بما بعدها، ثم يقول تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾، فيهبط على المشهد طائرٌ لا يذكره الناس بخير، ينعقُ فيتشاءمون، ويقف على الأطلال فيسمّونه غرابَ البَين؛ طائرٌ لو خُيِّر القاتل معلِّمًا لما اختاره ولو كان آخرَ الطير، فما الذي جاء يصنعه هنا؟

اختصرت الآية المشهد كلّه في فعلٍ واحد: ﴿فَبَعَثَ﴾، فالفاء للتعقيب، والتعقيب في كلّ شيءٍ بحسبه، فلا يلزم منه أنّ البعث كان في اللّحظة نفسها، والبعثُ إرسالٌ بمهمّة، والطائرُ المبعوث ﴿يَبْحَثُ﴾ بمنقاره لا بلسانه، والغايةُ ﴿لِيُرِيَهُ﴾ لا ليُخبره، فالتعليم هنا مشاهدةٌ صامتة لا وعظٌ مسموع، ثم يأتي ردّ الفعل صرخةً مركّبة من ويلٍ واستفهامٍ ومقارنةٍ مهينة: ﴿يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾؛ رجلٌ قويّ غالبٌ يقيس نفسه بطائر فيجد نفسه دونه.

غير أنّ الآية -على غناها- سكتت عن سؤالٍ يُلِحّ على المتدبّر: لماذا الغرابُ بعَيْنه؟ ولماذا طائرٌ أصلًا، واللهُ سبحانه هو الذي عَلّم آدمَ الأسماءَ كلَّها بلا واسطة؟ لم تنصّ الآية على الحِكْمة، فتشعّبت فيها أقوال المفسّرين، وهذا ما تحاوله الوقفات التالية: أن تستقرئ تلك الأقوال، وتصنّفها بحسب جِهَتها، ثم تُظهر أنّ هذه الجهات على تباعدها لا تتنافى، وأنّ بعضها يتوقّف فهمُه على بعض، على قاعدةٍ مقرَّرة عند أهل العلم: أنّ خفاءَ وجه الحكمة ليس دليلًا على انتفائها.

الوقفة الأولى: في اختيار الغُرَاب بعينه:

قبل أن يهبط الغراب، كانت هناك غربتان تتقابلان على تلك البقعة من الأرض؛ غربةُ جسدٍ مطروحٍ تحت السماء لم يمرّ بالأرض مثلُه فتعرف كيف تضمّه، وغربةُ قاتلٍ صار في لحظةٍ واحدة غريبًا عن أخيه الذي كان أقربَ الناس إليه، وغريبًا عن أبيه وأمّه، وغريبًا عن رحمة ربّه التي أدار لها ظَهْره، وغريبًا -وهذا أشدّها- عن نفسه التي لم يَعُد يطيق سكناها.

ثم نزل الغُراب، وكأنّ اسمه كان ينتظر هذه اللحظة منذ خُلِق، وهنا التقط ابنُ القيم لطيفةً ما زالت تدهشني كلّما قرأتها، إِذْ دعا إلى تأمّل الحكمة في إرسال الغراب «المؤذِن اسمه بغُرْبة القاتل من أخيه، وغربته هو من رحمة الله تعالى، وغربته من أبيه وأهله واستيحاشه منهم واستيحاشهم منه»؛ فالغراب في هذه الرؤية اسمٌ يمشي على قدمين، ومرآةٌ ذاتُ جناحين تُرِي القاتلَ صورتَه التي لم يجرؤ أن ينظر إليها، ويمضي ابنُ القيم إلى أبعد من ذلك فيجعل الغراب كأنّه صورةُ طائرِه الذي أُلْزِمه في عنقه، في إشارةٍ إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13]، وكأنّ عملَ القاتل تجسّد وطار عنه ثم عاد يحطّ أمامه.

ولم يكن ابنُ القيم وحده على هذا الطريق؛ فأبو حيان رأى أنّ الحكمة في كونه غرابًا أنه «يُتشاءم به في الفراق والاغتراب، وذلك مناسبٌ لهذه القصة»، ونقله الألوسي بصيغة التمريض: (قيل)، وقرأ البقاعي في بعثه إشارةً إلى غربة القاتل باستيحاش الناس منه. فالغراب والغربة توأمان في اللسان والوجدان، لا يكاد يُذْكَر أحدهما إلا حضر الآخر.

اللّون: ظلُّ روحٍ خرج من جسده:

وأمّا ابن عاشور فالتفتَ إلى أوّل ما تقع عليه العين، فرأى أنّ الله اختار الغراب «لمناسبة ما يعتري الناظرَ إلى سواد لونه من الانقباض بما للأسيف الخاسر من انقباض النفس». رجلٌ انطفأ النورُ في صدره، يقف أمام طائرٍ حالِكٍ كأنّه ظلُّ روحه قد خرج من جسده ووقف قبالته، ثم يلمح ابن عاشور إلى أنّ هذه القصة ربما كانت الأصلَ في تشاؤم العرب بالغُرَاب، فتنقلب المعادلة انقلابًا لطيفًا: عند ابن القيم سبق الاستيحاشُ من الغراب القصةَ فناسبها، وعند ابن عاشور ربما زرعت القصةُ الاستيحاشَ في ذاكرة البشر، وأيًّا كان السابق، فالمناسبة قائمة والدلّالة واحدة، وإن اختلفت جهة الاستدلال.

الطَّبْع: معلِّمٌ من صميم الفطرة:

وثمّة وجهٌ ثالث أقرب إلى الأرض من هذين، قاله أبو مسلم الأصفهاني فيما نقله الرازي: إنّ «عادة الغراب دفنُ الأشياء، فجاء غرابٌ فدفن شيئًا فتعلّم ذلك منه»، وجعله القاسمي هو حِكْمةَ تخصيص الغراب؛ فالغراب لا يلتقط رزقَه من السطح ويمضي، بل ينبش ويخبّئ ويواري، فكان الدرس من صميم طبعه لا تكلّفًا عليه، والمعلِّم الذي يُعلِّم بفطرته أبلغُ أثرًا من المعلِّم الذي يُعلِّم بتكليفٍ من خارجه.

وحين تجتمع هذه الوجوه لا تتزاحم، بل تتعانق؛ فالطبع يؤهّل المعلِّم لمهمّته، والاسم يفضح حالَ التلميذ، فسبحان مَنْ طوى في طائرٍ واحد درسًا للجسد ودرسًا للروح، وجعل من مخلوقٍ يستوحشه الناس سفيرَ رحمةٍ إلى الأرض التي لم تَعرف بعدُ كيف تواري أبناءها.

الوقفة الثانية: في جَعْل المعلِّم طائرًا لا إلهامًا:

ولنقف عند السؤال الذي يوقِظ الحكمةَ كلَّها: لماذا لم يُلْهِم اللهُ القاتلَ مباشرةً ما يصنع؟ أليس هو الذي عَلّم أباه آدم الأسماءَ كلَّها بلا واسطة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]، فسجدت الملائكة لهذا المتعلِّم إجلالًا لما أودع اللهُ فيه؟ فما بالُ ابنه يُترك ليتعلّم من طائر؟

الجواب، فيما تُومئ إليه كلمات المفسّرين، أنّ هذه التلمذةَ نفسَها كانت هي الدرس، فقد عبّر الزمخشري عن هذا المعنى بلفظ «تلمَذَهُ للغراب» وعدّه من أسباب ندم القاتل، وصرّح الألوسي بما وراء ذلك فقال إنّ تلمذة الغراب «إهانة، ولذا لم يُلْهَم من أوّل الأمر ما أُلهم»، وبلغ المظهري ذروة البيان حين قال إنّ الله لم يُلهم القاتلَ ما ألهم الغرابَ ازدراءً به، وتنبيهًا على أنّه أهون على الله من الغراب.

كان أبوه تلميذَ الوحي، فصار هو تلميذَ النّعيق؛ كان مقامُ أسرته ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، فصار مقامُه الوقوفَ الذّليل بين يدي طائرٍ تنفر منه النفوس، وهكذا تفعل الجريمةُ بصاحبها؛ تُسقطه من داخله درجةً درجةً حتى يجد نفسه تحت رُتْبة الطير، وما رفعه اللهُ بالعلم أنزله الجهلُ بالدم.

الوقوفُ على العجز بعد الاغترار بالقوّة:

وليست الإهانة وحدها، بل إيقافُه على عجزه بعد أن اغترّ بقوّته؛ فالذي بسط يده بالقتل ظنًّا منه أنه القويّ القادر، يقف الآن مشلولًا أمام جسدٍ لا يدري ما يفعل به، ويقرّر الرازي أنّه لمّا تعلّم الدفن من الغراب «عَلِم أنّ الغراب أكثر علمًا منه، وعَلِم أنّه إنما أقدم على قتل أخيه بسبب جهله وقلّة معرفته»؛ فالجهلُ هو الذي قتل، والجهلُ هو الذي وقف حائرًا فوق القتيل، ويرى أبو حيان في صرخته ﴿مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ هضمًا لنفسه واستصغارًا لها، فإنّ حكمة الله شاءت أن تُقيمه أمام عجزه، وهو القاتل الفاتك، عن أن يكون كمجرّد غراب.

وللمفسّرين في مرجع الضمير في ﴿لِيُرِيَهُ﴾ قولان: عودُه على الله تعالى، وهو الظاهر عند أكثرهم؛ لأنّ الفاعل في ﴿فَبَعَثَ﴾ هو الله سبحانه وتعالى، وعودُه على الغراب، وقد رجّحه البقاعي، وعلّل ذلك بأنّه أَوْلَى لتوقيفه على عجزه وجهله بأنّ الغراب أعلمُ منه، وعلى القول الثاني يصير الإعرابُ نفسُه شاهدًا على المعنى، ويصير الغراب في ظاهر التركيب هو الذي يُري ويُعَلِّم، وأيًّا كان المرجع فالمعنى واحد: الله هو الـمُرِي حقيقةً، والغراب أداةُ الإراءة.

إيقاظُ الشفقة في قلبٍ قسا:

وفي الآية نبضٌ رقيق لا ينبغي أن يفوتنا؛ فقد رأى الرازي أنّ القاتل لـمَّا شاهد الغراب يواري صاحبه رقّ قلبُه، وسأل نفسه: أأكون أقلَّ شفقةً من هذا الطائر؟ وبسطه ابن عادل فجعل القاتل يخاطب نفسه: هذا أخي وشقيقي، فإذا ظهرت الشفقة من الغراب ولم تظهر مِنّي، كنتُ دون الغراب في الرحمة والشفقة والأخلاق الحميدة. فصرخةُ ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ اعترافٌ بعجزٍ في العقل وقسوةٍ في القلب معًا، وكلتاهما أنزلته تحت معلِّمه؛ فقد سبقه الغرابُ عِلْمًا وسبقه رحمةً، وهاتان جناحَا الإنسانية اللذان لا يطير المرءُ بدونهما.

إكرامُ الطّرَفِ الصامت: على أيِّ رواية؟

ولم يغب عن المفسّرين الطرفُ الصامت من المشهد: المقتول، غير أنّ بيان وجه إكرامه يتوقّف على مسألةٍ لم يحسمها النصّ: مَن الذي واراه الغراب؟ فالقرآن لم يذكر على مَن حثا الغرابُ الترابَ، وللمفسّرين في ذلك قولان: أكثر الآثار المرويّة عن ابن عباس ومجاهد والسدّي، فيما أخرجه الطبري، أنّ الغراب وارى غرابًا ميتًا، إمّا وجده وإمّا قتله بعد اقتتال، فتعلّم القاتل من ذلك، وعبارةُ الزجّاج تُشْعِر بقولٍ آخر، إِذْ قال إنّ الله أكرم المقتول بأنْ بعث غرابًا حثَا عليه التراب، أي على المقتول نفسه، ونقل الرازي عن الأصمّ أنّ القاتل لمّا رأى كيف أكرم اللهُ أخاه بعد موته ندم.

فعلى القول الثاني يكون إكرام المقتول مباشرًا: جسدٌ هجره الناس لم يهجره ربُّه، بل أرسل إليه من السماء مَنْ يستره، وعلى القول الأوّل، وهو الأكثر في المرويّ عند الطبري، يكون الإكرام بالمآل: أنّ اللهَ لم يرضَ لجسد أخيه أن يبقى في العَراء فسخّر له من يُعَلِّم كيف يُستر، وعلى القولين يتوازن المشهد: القاتلُ يُهان بتلمذته لطائر، والمقتولُ يُكْرَم بأن تُسَخّر له السماءُ طائرًا، والغرابُ واحد، لكنّه للأوّل درسٌ وللثاني كرامة، وهذا وجهٌ من سعة دلالة النصّ، لا حكمٌ نقطع به على ما لم يذكره.

الوقفة الثالثة: في تأسيس سُنَّة الدفن:

ولم يُغلق الغرابُ مدرستَه حين انتهى الدرس؛ فما تعلّمه رجلٌ واحد في العراء صار ميراثًا للبشرية إلى أن تقوم الساعة، وهنا ينتقل المفسّرون الفقهاء من التأمّل إلى التقعيد، فيقرّر القرطبي أنّ اللهَ بعث الغراب حِكْمةً ليرى ابنُ آدم كيفيةَ المواراة، «فصار فِعْل الغراب في المواراة سُنّةً باقيةً في الخَلْق، فرضًا على جميع الناس على الكفاية»، وأصلُ هذا عند ابن العربي فيما رواه ابن القاسم عن مالك، وزاد أنّ الدفن حقٌّ في الكافر أيضًا، وأنّ له وجهين: سترُ الميت، وألا يُؤذي الأحياءَ بجيفته.

هكذا تحوّل نبشُ منقارٍ إلى حُكْمٍ شرعيّ يُلزم البشرية كلَّها، وصار الطائرُ الذي يُتشاءم به مُؤسِّسَ شعيرةٍ تُصَان بها الكرامة الإنسانية في أضعف حالاتها؛ فالجسد الذي سُوّي من التراب يعود إلى التراب مستورًا مكرَّمًا لا مطروحًا للعراء والسباع: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21]، وقد جعل اللهُ الإقبارَ من نِعَمِه المعدودة على الإنسان في سياقٍ يذكّره بأصل خلقه، والأرضُ التي حملته حيًّا على ظهرها تضمّه ميتًا في بطنها: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25–26]، فتتواصل آية المائدة بآيتَيْ عبس والمرسلات على تباعد مواضعها: الأولى تحكي أوّلَ دفن، والثانية تعدّه نعمة، والثالثة تجعل الأرض وعاءً له.

وهذا هو موضع استنباط الجصّاص الذي أُشير إليه في التوطئة، فقد جعل جهل القاتل بالدفن دليلًا على أنّ الأخوَيْن ابنا آدم لصلبه، ثم قال: «وهو الأصل في سنّة دفن الموتى». فصار جهلُ القاتل بالدّفن دليلًا تاريخيًّا على زمن القصة، وصارت حيرتُه أمام الجسد شاهدًا على أنّ هذا هو الموتُ الأوّل الذي عرفته الأرض.

الوقفة الرابعة: في طريق المعرفة الإنسانية:

وثمّة وقفةٌ لم يُفردها المفسّرون بالكلام، وإنما ألتقط أوّلَ خيطها من عبارة لرشيد رضا ثم أمدّه على مسؤوليتي، فقد قرّر أنّ الإنسان الأوّل كان ساذجًا في عِلْمه، لكنه باستعداده الذي فضّله اللهُ به «كان يستفيد من كلّ شيء عِلْمًا واختبارًا ويرتقي بالتدريج»، فالآية -فيما أراه- تصوِّر لحظةً من لحظات تكوّن المعرفة البشرية: مشاهدةٌ حسّية تولّد فكرة، وفكرةٌ تولّد فعلًا، وفعلٌ يصير سُنّة، وهذا هو الطريق الذي تسلكه المعرفة الإنسانية إلى اليوم، من الحِسّ إلى العقل إلى العمل.

غير أنّ الآية تضع فوق هذا الطريق كلِّه سقفًا لا يُرى بالعين ويُرى بالبصيرة: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، فالفاعل الحقيقي هو الله، والغرابُ أداة، والمشاهدةُ وسيلة، والعلمُ الحاصل في نهاية الأمر هبةٌ من الأوّل الحكيم العليم الخبير الذي ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]؛ فالإنسان يظنّ أنه اكتشف، والحقيقة أنه أُريَ، وهذا الفرق بين (اكتشف) و(أُري) هو الفرق بين معرفةٍ تُورِث الكِبْر ومعرفةٍ تُورِث الشُّكر، والقاتلُ نفسُه عَبّر عن الوجه الأوّل حين صرخ ﴿يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ﴾، والآية عبّرت عن الوجه الثاني حين قالت ﴿لِيُرِيَهُ﴾.

تكاملُ الوقفات الأربع:

وقبل الانتقال إلى ضبط الاستدلال، يحسن الوفاء بما وعد به التقديم من بيان توقّف بعض هذه الوقفات على بعض، وهو اجتهادٌ مِنّي في قراءة مجموعها: فالاسم في الوقفة الأولى لا يُفهم تمامَ الفهم دون الثانية، إِذْ غُربة القاتل التي يؤذِن بها اسم الغراب هي عين السقوط الذي تكشفه تلمذته له؛ والإهانة في الثانية تُلقي ظلَّها على الثالثة، فوجوب الدّفن مستفادٌ من الشَّرْع لا من صفة أوّل متعلِّمٍ له، غير أنه يبدو لي أنّ في تعلّمه ذليلًا من طائر ما يرفع هذه السُّنّة عن أن تكون مأثرةً يفخر بها قاتل، فقد دخلت التشريعَ من باب الرحمة بالميت لا من باب الإنجاز للحيّ؛ والرابعة تسقف الثلاث كلَّها، فالطبع والاسم والإهانة والتشريع وجوهٌ لفعلٍ واحد هو ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، وهذا من سعة دلالة النصّ لا من دعوى الإعجاز في أقوال الرجال.

الوقفة الخامسة: الغراب في ميزان عِلْم الطير:

ويطيب لكثيرين اليوم أن يلتفتوا إلى ما يقوله علمُ الطير عن هذا المعلِّم، وهو التفاتٌ مشروعٌ ما دام صادقًا، ومهلِكٌ إن جاوز الحقيقة، والثابت في الدراسات المحكّمة أنّ فصيلة الغرابيات من أذكى ما يطير؛ فغربان (كاليدونيا الجديدة) أظهرت في بعض مهامّ نموذج (الغراب والجرّة) فهمًا لإزاحة الماء قارنه الباحثون بفهم الأطفال بين الخامسة والسابعة، مع إخفاقها في مهامّ أخرى من التجربة نفسها، وأدمغةُ الغرابيات والببغاوات على صِغَرها تحوي في مقدّمها من الخلايا العصبية ما يقارب أو يفوق ما عند رئيسياتٍ أكبر منها دماغًا، والثابت كذلك في دراسات حديثة على أنواع من هذه الفصيلة أنّ الطائر يخبّئ فائض طعامه فيحفر ويغطّي ويتذكّر، بل يعيد الإخفاء إن أحسّ أنّ عينًا تراقبه، وهذا أقرب ما في طبعه إلى معنى المواراة، وهو يوافق قولَ أبي مسلم القديم: «عادة الغراب دفن الأشياء».

غير أنّ الأمانة تقتضي أن نقف عند حدّ الحقيقة؛ فما يشيع من أنّ الغربان (تدفن موتاها) أو تعقد (محاكم) تحكم بالإعدام، لا يسنده بحثٌ محكّم، نعم رصد الباحثون تجمّع الغراب الأمريكي تحديدًا حول جُثَث بني جنسه، لكنّ الدراسة التي وثّقت ذلك فسّرته بأنه تجمّعٌ لتعلّم الخطر وتجنّب مكانه، لا حدادًا ولا دفنًا، والقرآن أغنى بحِكْمته من أن نُلبسه ثوبًا يتمزّق عند أوّل فحص؛ فمقاصده هنا تربويةٌ وتشريعيةٌ، لا تتوقّف على اكتشاف مختبر ولا تهتزّ بتغيّر نظرية، وحسبنا أنه وصف سلوكًا مشاهَدًا صادقًا: طائرٌ ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾، ولكلّ أمّةٍ من الطير فِطْرتها التي أودعها اللهُ فيها: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾  [الأنعام: 38].

الوقفة السادسة: بين نصِّ القرآن وروايةِ القصة:

ومن تمام الإنصاف كذلك أن نفصِل بين ما قَصّه القرآن وما زادته الروايات؛ فقد أورد الطبريُّ آثارًا عن غرابَيْن اقتتلَا فوارَى أحدُهما الآخر، وعن حمل القاتل أخاه على عاتقه زمنًا طويلًا حتى تغيّر، لكنّ القرآن لم يذكر عددًا ولا نوعًا ولا مدّة، ونبّه رشيد رضا إلى أنّ كثيرًا من هذه التفاصيل مصدره الإسرائيليات وفيها زيادات كثيرة لا فائدة لها ولا صحّة. فنقف حيث وقف النصّ، ونستأنس بالمرويّ دون أن نبني عليه، ونلحظ أنّ ما استنبطه المفسّرون من الحكمة إنما تعلّق بألفاظ الآية نفسها: باسم الغراب، وبفعل البحث، وبإسناد الإراءة، وبصرخة العجز، وما توقّف منه على المرويّ، كوجه إكرام المقتول، قيّدناه به ولم نجزم به، وهذا معيارٌ منهجيّ يُميَّز به الاستنباط المنضبط من الاستنباط المتوسّع.

الوقفة السابعة: دلالات القصة في واقع الإنسان المعاصر:

هل انتهى الدرس؟ أحسب أنّه لم يبدأ بعد لكلّ واحدٍ منّا، فهذا المعلِّم الأسود ما زال ينبش أمامنا في أرض أعمارنا، ويقول لنا ما نحن أحوجُ إليه في عصرٍ يزهو بعلومه.

يقول لنا: إنّ المعرفة لا تُحتكر، وإنّ أنفةَ الإنسان عن التعلّم ممّن يراه دونه هي أوّلُ عتبات جَهْله؛ فمن ترفّع أن يتعلّم من طائرٍ أو طفلٍ أو خصم، أغلق على نفسه بابًا من أبواب الهداية بيده، والذي يعجبني في قصة الغراب أنّ الدرس لم يأتِ من كتابٍ ولا من نبيّ، بل من كائنٍ يستوحشه الناس، فقد يأتيك النورُ من حيث لا تحتسب، فلا تُغمض عينيك عمّا لا تحبّ.

ويقول لنا: إنّ الدم لا يجفّ، فهذه الجريمة لم تُدفن مع صاحبها كما دُفِن القتيل، بل ظلّت مفتوحةً على كلّ زمان؛ قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: (لا تُقتل نفسٌ ظُلْمًا إلا كان على ابن آدم الأوّل كِفْلٌ من دمها، لأنّه أوّلُ من سنّ القتل)، ولهذا جاءت الآية التالية مباشرةً تغلّظ حرمة النفس: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، فالسياق نفسه يشهد أنّ قصة الغراب مقدّمةٌ لأعظم تشريعٍ في صون الدم الإنساني: قصةٌ عن أوّل دم، تليها قاعدةٌ في كلّ دم.

ويقول لنا: إنّ الندم وحده لا يُنجي، فقد أصبح القاتل ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾، ولم يُذكر أنّ ندمه نفعه، وقد أثار المفسّرون هنا إشكالًا مشهورًا: كيف لم ينفعه ندمه والنبيّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: (الندم توبة)؟ وأجابوا بأجوبة ثلاثة: أنّ ندمه كان على حَمْل أخيه وتعبه وحيرته وسقوط منزلته لا على قَتْله، أو أنّ الندم في شرع أولئك لم يكن توبةً كما هو في شرعنا، أو أنّ الحديث خاصٌّ بهذه الأمّة، وأقربها الأوّل لأنّ السياق نفسه يشهد له، فالندم جاء عقب مشهد الغراب لا عقب مشهد القتل، ومحلّ العبرة أنّ الندم النافع ما تعلّق بأصل الفعل وأثمر توبةً وإصلاحًا، لا ما وقف عند عاقبته.

ويقول لنا، وهذا أرقّ دروسه: إنّ الله لا يترك عبدًا ضاقت به الأرض دون مَخرج، فقد استنبط ابن عثيمين -رحمه الله- أنّ الله ييسّر للإنسان إذا ضاقت به الأرض ما لم يخطر له ببال، فهذا الرجل ضاقت عليه الأرض بجسد أخيه ففرّج الله عنه ببعث الغراب، ولا تعارض بين هذا اللُّطف وبين الإهانة التي قرّرناها في الوقفة الثانية؛ فقد كان تيسيرًا في الفعل وإذلالًا في الطريق، أعطاه اللهُ ما يحتاج وسَلَبه ما به يفخر، فإذا كان هذا لُطْفَه بمن ظلم، فكيف بلُطفه بمن أحسن إذا انسدّت في وجهه الأبواب؟

فإنْ مررتَ بعد اليوم بغرابٍ ينبش الأرض بمنقاره، فلا تمرّ به كما مررتَ به من قبل؛ تذكّر أنّ جَدَّه الأوّل كان أستاذًا لابن آدم، وأنّ الكبرياء يُذلّ صاحبَه حتى يجعله تلميذًا لمن يحتقر، وأنّ الحسد أوّلُ خطوة على طريق الدم، وأنّ الندم الذي لا توبة فيه حسرةٌ لا تنفع، واجعل الكون كلَّه كتابًا مفتوحًا تقرأ فيه آيات ربّك، فما أوسع المدرسة، وما أكثر المعلِّمين، وما أشقى التلميذ الذي لا يتعلّم إلا بعد فوات الأوان! اللهمّ طهّر قلوبنا من الحسد والكِبْر، وارزقنا التوبة النصوح قبل الندم الذي لا ينفع، وافتح لنا من كتابك أبوابَ الفهم والتدبّر، إنك سميعٌ قريبٌ مجيب.

خاتمة: نتائج وتوصيات:

جمعت هذه المقالة أقوال ما يقارب عشرين مفسِّرًا في حِكْمة بَعْث الغراب معلِّمًا في قصة ابني آدم، من الزجّاج والطبري والجصّاص، مرورًا بالزمخشري وابن العربي والرازي والقرطبي وأبي حيان وابن القيم وابن كثير والبقاعي وابن عادل، إلى الألوسي والمظهري والقاسمي ورشيد رضا وابن عاشور وابن عثيمين، وصنّفتها في أربع جهات بحسب ما تعلّقت به، وحرّرت في أثناء ذلك مسألة تعيين صاحبَي القصة، ومرجع الضمير في ﴿لِيُرِيَهُ﴾، والخلاف فيمن واراه الغراب، وإشكال حديث: (الندم توبة)، وميّزت بين ما استُنبط من لفظ الآية وما بُني على المرويّ، ووزنت ما يُستدعى من علم الطير بالمصادر المحكّمة، ثم أسقطت ما انتهت إليه على واقع الإنسان المعاصر، وقد انتهت إلى النتائج الآتية:

أولًا: أنّ ابنَي آدم في الآية هما ابناه لصلبه، وهو قول الجمهور الذي رجّحه الطبري وحكاه ابن كثير، ويشهد له حديث ابن مسعود في تسمية القاتل ابنَ آدم الأوّل، وجهلُ القاتل بالدفن في الآية نفسها كما استنبطه الجصّاص، وأمّا قول الحسن بأنّهما من بني إسرائيل فمرجوح.

ثانيًا: أنّ أقوال المفسّرين في هذه الحكمة -على تفرّقها في المصادر- ترجع إلى أربع جهات: اختيار الغراب بعينه، وقد علّلوه باسمه (ابن القيم وأبو حيان والبقاعي) ولونه (ابن عاشور) وطبعه (أبو مسلم والقاسمي)؛ وجعل المعلِّم طائرًا لا إلهامًا، وقد علّلوه بإهانة القاتل وإيقافه على عجزه وإيقاظ الشفقة فيه وإكرام المقتول؛ وتأسيس سُنّة الدفن فرضَ كفاية (ابن العربي والقرطبي والجصّاص)؛ وبيان طريق المعرفة الإنسانية من الحسّ إلى العمل، وهذه الأخيرة استنباطٌ للكاتب من إشارة لرشيد رضا.

ثالثًا: أنّ هذه الأقوال متكاملة لا متعارضة، وأنّ بعضها يتوقّف فهمُه على بعض كما بُيّن في فقرة تكامل الوقفات؛ فغُرْبة القاتل التي يؤذن بها اسم الغراب هي عين السقوط الذي تكشفه تلمذته له، وفي تعلّمه الدفنَ ذليلًا من طائر -فيما يبدو للكاتب- ما يرفع هذه السُّنّة عن أن تكون مأثرةً لقاتل، والوجوه كلّها ترجع إلى فعلٍ واحد هو ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، وذلك من سعة دلالة النصّ.

رابعًا: أنّ ما استنبطه المفسّرون من الحكمة تعلّق في عامّته بألفاظ الآية نفسها لا بزيادات الرواة، وأنّ ما توقّف منه على الرواية، كوجه إكرام المقتول المبنيّ على الخلاف فيمن واراه الغراب، ينبغي تقييده بها وعدم الجزم به.

خامسًا: أنّ الثابت في الدراسات المحكّمة عن ذكاء الغرابيات وعادتها في إخفاء الطعام يوافق ما قرّره أبو مسلم من أنّ الدفن من طبع الغراب، وأنّ ما يشيع من دفن الغربان لموتاها لا يسنده بحث محكّم، وأنّ مقاصد الآية تربوية وتشريعية لا تتوقّف على شيء من ذلك.

سادسًا: أنّ ندم القاتل لم ينفعه، والأقرب في الجواب عن إشكال حديث: (الندم توبة) أنّ ندمه تعلّق بحمله وتعبه وسقوط منزلته لا بأصل القتل؛ لأنّ السياق جعله عقب مشهد الغراب لا عقب مشهد القتل.

وتوصي المقالة بأمرين: أنّ الدراسات في الحيوان في القرآن وإن كثرتْ فقد غلب عليها الجمع والوصف، فتُوصي بدراسةٍ تستخرج من مواضع الحيوان في القصص القرآني، كهدهد سليمان وناقة صالح وكلب أهل الكهف وحوت يونس، القواعدَ الكلّية التي يجري عليها توظيفه في التعليم والابتلاء والآية والعبرة، على نحو ما حاولته هذه المقالة في الغراب؛ وأن يُعتنى في الدراسات التي تستدعي علوم الطبيعة في التفسير بالرجوع إلى المصادر العلمية المحكّمة، والتفريق بين ما ثبت فيها وما شاع في الكتابات الإعلامية، حتى لا يُحمَّل النصّ ما لا يحتمل.

 


  1. ^

     جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1420هـ/2000م)، عند تفسير الآية 27 من سورة المائدة، وفيه رواية قول الحسن ثم ردّه؛ وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1384هـ/1964م)، عند الآية نفسها، وفيه حجّة الحسن؛ وتفسير القرآن العظيم، ابن كثير (الرياض: دار طيبة، 1420هـ/1999م)، عند الآية نفسها.

  2. ^

     رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، برقم (3335)؛ ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب بيان إثم من سنّ القتل، برقم (1677).

  3. ^

     مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، ابن قيّم الجوزية (بيروت: دار الكتب العلمية)، عند كلامه على حِكْمة بعث الغراب في قصة ابني آدم.

  4. ^

     البحر المحيط في التفسير، أبو حيان الأندلسي (بيروت: دار الفكر، 1420هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  5. ^

     روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين الألوسي (بيروت: دار إحياء التراث العربي)، (6/ 169).

  6. ^

     نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، برهان الدين البقاعي (القاهرة: دار الكتاب الإسلامي)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  7. ^

     التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور (تونس: الدار التونسية للنشر، 1984م)، ج6، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  8. ^

     مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، فخر الدين الرازي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  9. ^

     محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1418هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  10. ^

     الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، جار الله الزمخشري (بيروت: دار الكتاب العربي، 1407هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  11. ^

     روح المعاني، الألوسي (بيروت: دار إحياء التراث العربي)، (6/ 171).

  12. ^

     التفسير المظهري، محمد ثناء الله المظهري (باكستان: مكتبة الرشدية، 1412هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  13. ^

     مفاتيح الغيب، الرازي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  14. ^

     البحر المحيط، أبو حيان (بيروت: دار الفكر، 1420هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  15. ^

     نظم الدرر، البقاعي (القاهرة: دار الكتاب الإسلامي)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  16. ^

     مفاتيح الغيب، الرازي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  17. ^

     اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1419هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  18. ^

     جامع البيان، الطبري (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1420هـ/2000م)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة، الآثار المرويّة عن ابن عباس ومجاهد والسدّي.

  19. ^

     معاني القرآن وإعرابه، أبو إسحاق الزجّاج (بيروت: عالم الكتب، 1408هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  20. ^

     مفاتيح الغيب، الرازي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  21. ^

     الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله القرطبي (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1384هـ/1964م)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  22. ^

     أحكام القرآن، أبو بكر ابن العربي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1424هـ/2003م)، (2/ 85-87).

  23. ^

     أحكام القرآن، أبو بكر الجصّاص (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1412هـ/1992م)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  24. ^

     تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، محمد رشيد رضا (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م)، (6/ 286).

  25. ^ 

     "Using the Aesop's Fable Paradigm to Investigate Causal Understanding of Water Displacement by New Caledonian Crows", Sarah A. Jelbert et al., PLOS ONE, vol. 9, no. 3 (2014).

  26. ^ 

     "Birds Have Primate-like Numbers of Neurons in the Forebrain", Seweryn Olkowicz et al., Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS), vol. 113, no. 26 (2016).

  27. ^ 

     "Effects of Experience and Social Context on Prospective Caching Strategies by Scrub Jays", Nathan J. Emery & Nicola S. Clayton, Nature, vol. 414 (2001), pp. 443–446.

  28. ^ 

     "Wild American Crows Gather around Their Dead to Learn about Danger", Kaeli N. Swift & John M. Marzluff, Animal Behaviour, vol. 109 (2015).

  29. ^

     جامع البيان، الطبري (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1420هـ/2000م)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة.

  30. ^

     تفسير المنار، محمد رشيد رضا (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م)، (6/ 286-287).

  31. ^

     رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، برقم (3335)؛ ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب بيان إثم من سنّ القتل، برقم (1677).

  32. ^

     رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أخرجه أحمد في المسند، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، برقم (4252)، وحسّنه غير واحد من أهل العلم.

  33. ^

     انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية (بيروت: دار الكتب العلمية، 1422هـ)، عند تفسير الآية 31 من سورة المائدة؛ والجامع لأحكام القرآن، القرطبي (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1964م)، عند تفسير الآية نفسها؛ ومفاتيح الغيب، الرازي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420هـ)، عند تفسير الآية نفسها.

  34. ^

     تفسير القرآن الكريم، محمد بن صالح العثيمين (الرياض: دار ابن الجوزي)، سورة المائدة، عند تفسير الآية 31.

كلمات مفتاحية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))


Source URL: https://www.tafsir.net/articles/24860