الاستشراق الهولندي؛ من التمثّلات التاريخية إلى المقاربات المعاصرة

Arabic
Body

  يُعَدّ الاستشراق الهولندي من أعرق المدارس الاستشراقية وأكثرها تجذرًا في التاريخ، لما أسهم به علماؤه من جهود عِلْمية رَصِينة في دراسة الإسلام والقرآن الكريم والتراث العربي والإسلامي تحقيقًا وترجمة ودراسة وتحليلًا. وانطلاقًا من هذه المكانة العلمية، يرى الدكتور التجاني بولعوالي أنّ من الضروري أنْ ينصرف الباحثون في العالـمَيْن العربي والإسلامي إلى استكشاف الكيفية التي ينظر بها المستشرقون الهولنديّون إلى الإسلام والمسلمين، وذلك من خلال دراسة نماذج مختارة وتحليلها ومقارنتها؛ قَصْد الوقوف على منطلقاتها وخلفياتها الفكرية ونتائجها العلمية، باعتبارها المدخل الأساس -فيما بعد- لفهم مقارباتهم للقرآن وتاريخ ترجماتهم له إلى لغتهم الأم.

في هذا الحوار، يسلّط الدكتور التجاني بولعوالي الضوءَ على صورة الإسلام في أعين المستشرقين الهولنديّين، مبينًا أنّ هذه الصورة ليست واحدة، بل هي صور متعدّدة، تتفاوت بتفاوت التخصّصات والاتجاهات العلمية والمنهجية التي ينتمي إليها هؤلاء المستشرقون، وهو ما يقتضي تناولها بالدراسة والتحليل والمقارنة بعيدًا عن التعميم والأحكام المسبقة.

س1: كيف تشكّلت علاقة هولندا بالإسلام، وما الجذور التاريخية التي أسهمتْ في بناء المعرفة الهولندية بالإسلام والقرآن الكريم؟

د/ التجاني بولعوالي:

لا يمكن استيعاب علاقة هولندا بالإسلام إلا بالعودة إلى احتكاكها المبكِّر بالعالم الإسلامي، سواء عبر الصّدام العسكري خلال الحروب الصليبية، حيث شاركت هولندا -كسائر الأقاليم الأوروبية- في الحملات الصليبية التي دعا إليها البابا أوربان الثاني ابتداء من سنة 1095، أو عبر الترجمة المبكّرة للقرآن الكريم إلى اللغة الهولندية في القرن السابع عشر، إِذ ظهرت أُولى الترجمات على يد يان هندريك بريتسما سنة 1641، ثم يان هندريك خلازماكر سنة 1659، أو من خلال تأسيس كرسي اللغة العربية بجامعة ليدن سنة 1613 على يد توماس إربينيوس، الذي يُعَدّ المؤسّس الفعلي للدراسات العربية والاستشراقية في هولندا.

ومن ثم، لا غِنَى عن التوقّف عند هذه المحطات الثلاث لفهم تطوّر صورة الإسلام في الاستشراق الهولندي، واستيعاب مكانة القرآن الكريم في هذا التراث العلمي. فقد ارتبط الاهتمام بالقرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا بازدهار الدراسات العربية وحركة ترجمة المؤلَّفات العربية، التي بدأت منذ القرن الثاني عشر بترجمة النصوص العربية إلى اللغة اللاتينية، ثم انتقلت لاحقًا إلى مختلف اللغات الأوروبية، وكان القرآن الكريم في مقدّمة النصوص التي استقطبت اهتمام المستشرقين والمترجِمين.

ومع ذلك، لا يمكن دراسة الاستشراق الهولندي التقليدي بمعزل عن المناخَيْن السياسي والديني اللذَيْن سادَا أوروبا المسيحية في علاقتها بالإسلام. ولذلك تتجلّى أوجه تشابه واضحة بين الإنتاج الاستشراقي الهولندي ونظيره في البلدان الأوروبية الأخرى، سواء من حيث المنطلقات أو الأهداف أو المضامين، حتى إن مقدِّمات كثير من الترجمات الأوروبية للقرآن الكريم كانت تعيد إنتاج الأفكار والافتراضات نفسها، مع اختلافات طفيفة في اللغة والأسلوب. ولذلك، فإنّ فهم نشأة المعرفة الهولندية بالإسلام يقتضي وضعها في إطارها الأوروبي العام، الذي تشكّلت فيه الدراسات الاستشراقية الأُولى، وتداخلتْ فيه الدوافع الدينية والسياسية والعلمية في رسم صورة الإسلام والقرآن الكريم في الوعي الغربي.

س2: إذن يعني هذا أنّ صورة الإسلام في التراث الاستشراقي الهولندي أقدم مما نتصوّر اليوم؛ إلى أيّ مدى أسهم هذا الماضي، وما يزال يسهم، في تشكّل هذه الصورة واستمرارها؟

د/ التجاني بولعوالي:

في الحقيقة، إنّ الصورة الغربية والهولندية -على وجه الخصوص- عن الإسلام هي حصيلة تراكمات تاريخية ودينية وسياسية امتدت عبر قرون طويلة. فقد تشكّلت في أوروبا -ومنها هولندا- تصوّرات عن الإسلام في سياق الصراع الديني بين المسيحية والإسلام، ثم أُعيد إنتاجها لاحقًا في ظلّ المرحلة الاستعمارية والتحوّلات السياسية الحديثة.

وتجدر الإشارة هنا إلى رؤية فان كونينسفيلد، الذي يؤكِّد أنّ كثيرًا من الأحكام التي تداولها الأوروبيون والهولنديون عن الإسلام لم تكن مبنيّة على قراءة مباشرة للمصادر الإسلامية، وإنما على نصوص مسيحية جدلية هدفتْ إلى الدفاع عن العقيدة المسيحية أكثر من سَعْيها إلى فهم الإسلام. كما يربط هذه الصورة بآليات التنشئة الاجتماعية؛ فالإنسان يكتسب في الغالب تصوّراته عن الآخر من الأُسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسّسات الدينية، لا من خلال الاحتكاك المباشر أو الدراسة العلمية. ولذلك قد تستمر الصور النمطية جيلًا بعد جيل، حتى بعد زوال الظروف التاريخية التي أنتجتها. ويؤكِّد أنّ تجاوز هذه الإشكالية لا يتحقّق بمجرّد الدعوة إلى التسامح، بل بإعادة بناء المعرفة على أُسُس البحث العلمي، والنقد التاريخي، والرجوع إلى المصادر الأصلية.

وقبل الحفر في تاريخ العلاقة الهولندية بالإسلام، والوقوف على الكيفية التي تشكّلت بها صورته واستمرت إلى يومنا هذا، تجدر الإشارة إلى أنّ المحطات التاريخية والمعرفية التي سبقت الإشارة إليها تتداخل فيما بينها، ولا تعمل بصورة منفصلة. فإرث الحروب الصليبية والمرحلة الوسيطية امتدّ أثره إلى القرون اللاحقة، بل إن بعضَ تمثّلاته لا تزال حاضرة في الخطاب المعاصر. كما أنّ الترجمات الهولندية المبكِّرة للقرآن الكريم في القرن السابع عشر ظلَّت متأثّرة إلى حَدّ بعيد بالترجمات اللاتينية الوسيطية، في حين لم تتطوّر الدراسات العربية في هولندا دائمًا في إطار أكاديمي محض، بل تأثّرت -بدرجات متفاوتة- بالسياقَيْن اللاهوتي والسياسي السائدَيْن آنذاك.

لذلك سنعتمد في هذا الحوار مقاربة تفكيكية لتمثّلات الإسلام والقرآن الكريم في الاستشراق الهولندي، مع إدراك الطبيعة الجدلية التي تربط بين ثلاثة عناصر أساسية هي: السُّلْطة، والترجمة، والمعرفة.

وإلى جانب ذلك، سنستأنس بعددٍ من المقاربات الأكاديمية الهولندية التي تناولت صورة الإسلام في المخيال الهولندي، وفي مقدّمتها أعمال شيخ الإسلامولوجيين الهولنديين فان كونينسفيلد، ولا سيما كتاباه: (الإسلام: مدخل أوّلي إلى العقيدة والشريعة والتاريخ)، و(أسطورة الخطر الإسلامي)، إضافة إلى الدراسة الموسوعية التي أنجزها مارسيل بورتهاوس وثيو سلامنك بعنوان: (من الحريم إلى الفتنة: صورة الإسلام في هولندا ما بين 1848 و2010)، والتي تعدّ من أهم المراجع المعاصرة في هذا المجال.

س3: دعنا إذن نبدأ بالمستشرق فان كونينسفيلد، الذي تُقدّرونه كثيرًا. ما الذي يجعل هذا المستشرق مختلفًا عن غيره؟ وما الذي يميّز مشروعه العلمي عن كثير من الدراسات الاستشراقية التقليدية والمعاصرة؟

د/ التجاني بولعوالي:

في الحقيقة، قرأتُ أعمال بيتر سيورد فان كونينسفيلد في مناسبات عديدة، ولا سيما أثناء اشتغالي بصورة الإسلام في الغرب، وبتاريخ الدراسات العربية والإسلامية في هولندا وأوروبا. وقد أفردتُ له مبحثًا مهمًّا في كتابي: (الغرب وإعادة اكتشاف الإسلام: مقاربات الإسلام في الفكر الغربي المعاصر)، الصادر عن مركز الحكماء لبحوث السلام سنة 2025.

وقد وجدتُ أن فان كونينسفيلد يمثّل حالة متميزة داخل المدرسة الاستشراقية الهولندية؛ إِذ انطلق في دراسته للإسلام من مبدأ منهجي يقوم على ضرورة فَهْم الدِّين كما يقدّمه أتباعه أنفسهم، لا كما تصوغه الصور النمطية أو الخلفيات اللاهوتية والسياسية. وقد أعلن بوضوح في مقدمة كتابه (الإسلام: مدخل أوّلي إلى العقيدة والشريعة والتاريخ) أنه يسعى إلى عرض الإسلام كما يفهمه المسلمون، مع تجنّب إسقاط قناعاته الشخصية على المادة العلمية.

وأعتقد أن هذا المنهج يختلف جذريًّا عن كثير من الكتابات الاستشراقية القديمة، التي كانت تبدأ بإصدار الأحكام قبل دراسة المصادر، أو تنظر إلى الإسلام من زاوية المقارنة الجدلية أو الاعتذارية مع المسيحية. أما فان كونينسفيلد فقد اعتمد على المصادر الإسلامية الأصيلة، كالقرآن الكريم، والحديث النبوي، والفقه الإسلامي، وغيرها، محاولًا تقديم معرفة أكاديمية دقيقة بعيدة عن الأحكام المسبقة. ولا يعني ذلك أنه تبنّى الرؤية الإسلامية أو اعتنقها بصورة عاطفية أو متحيّزة، وإنما التزم بالحياد المنهجي الذي يقتضي فهم كلّ دين انطلاقًا من مصادره الذّاتية قبل إخضاعه للتحليل العلمي. ولذلك حَظِي باحترام واسع في الأوساط الأكاديمية الإسلامية والغربية على السواء.

ولعلّ هذا ما يجعله متميزًا إلى حَدٍّ كبيرٍ عن غيره من المستشرقين الهولنديين، سواء مَنْ سبقوه، مثل كريستيان سنوك هورخرونيه، الذي تظاهر باعتناق الإسلام من أجل اختراق المجتمع المسلم وخدمة المشروع الاستعماري الهولندي، أو مَنْ عاصروه، مثل هانس يانسن، الذي اعتمد مقاربة نقدية لم تخلُ من تحيزات أيديولوجية تجاه الإسلام والمسلمين.

س4: هل اشتغل فان كونينسفيلد بالدراسات الاستشراقية الهولندية للإسلام؟ وإن كان الأمر كذلك، كيف ناقش نظرتها إلى الإسلام؟

د/ التجاني بولعوالي:

في الواقع، تناول فان كونينسفيلد تاريخ الدراسات الاستشراقية الهولندية في عددٍ من مؤلَّفاته ومحاضراته، ولعلّ أبرز ما كتبه في هذا الشأن ما أورده في كتابه السابق الذِّكْر، حيث يرى أنّ صورة الإسلام في الفكر الاستشراقي الهولندي التقليدي اتّخذت ثلاثة مواقف رئيسة: موقف الاستخفاف والتنقيص، وموقف الإنصاف، والموقف الاستعماري.

فالموقف الأول تمثّل في النظرة اللاهوتية المسيحية التي اعتبرت الإسلام دينًا باطلًا أو من صنع الشيطان. ويُعد كتاب (الدليل على حقيقة الدِّين المسيحي) لهوخو دي خروت (1622) أبرز مثال على هذا الاتجاه؛ إِذْ خصّص جزءًا منه للحديث عن الإسلام، الذي كان يُعرف آنذاك بـ"المحمدية". ويبيّن فان كونينسفيلد أنّ دي خروت لم يعتمد على المصادر الإسلامية الأصلية، بل استند إلى كتابات مسيحية متحيّزة تعود جذورها إلى نصوص أُعدّت خصيصًا لمواجهة الإسلام، وهو ما جعل صورته عنه بعيدة عن الموضوعية. كما عثر على رَدٍّ للشيخ عبد العزيز بن الشيخ حمد المعمار، يعود إلى أواخر القرن الثامن عشر، انتقد فيه دي خروت ووصفه بالجهل والتعصّب.

أما موقف الإنصاف، فيمثّله المستشرق واللاهوتي أدريان ريلاند، الذي دعا في كتابه (دين المحمديين) (1705) إلى دراسة الإسلام من خلال مصادره الأصلية وتعلّم اللغة العربية، منتقدًا الأخطاء الشائعة في الأدبيّات المسيحية حول العقيدة الإسلامية. كما دافع عن المسلمين في مواجهة عددٍ من الاتهامات، مثل القول بتجسيد الله أو اختزال الجنة في الشهوات الحِسِّية. ومع ذلك، لم يكن هدفه النهائي الدعوة إلى الإسلام، بل تمهيد الطريق لتنصير المسلمين عبر معرفة دينهم معرفة صحيحة.

أما الموقف الثالث، فهو الموقف الاستعماري الذي مثله كريستيان سنوك هورخرونيه، أبرز مستشاري الإدارة الاستعمارية الهولندية في إندونيسيا. فقد درس الإسلام والمجتمعات المسلمة دراسة عميقة، لا بدافع الإنصاف، وإنما لتوفير المعرفة اللازمة لإدارة المستعمرات الإسلامية وتعزيز السيطرة الهولندية عليها. ولذلك يميز فان كونينسفيلد بين القيمة العلمية لأبحاث سنوك وبين توظيفها السياسي في خدمة المشروع الاستعماري، مؤكدًا أنّ فهم إرثه يقتضي الجمع بين هذين البُعْدَين، وعدم الفصل بينهما.

س5: فيما يتعلّق بالموقف الثاني، وهو موقف الإنصاف، ذكرتم أنّ أدريان ريلاند أنصف في كتاباته الدِّينَ الإسلامي، لكنه كان في الوقت نفسه يهدف إلى تنصير المسلمين. هل تتفضلون بتوضيح هذه المقاربة التي تبدو متناقضة؟

د/ التجاني بولعوالي:

مما لا شكّ فيه أنّ المستشرق واللاهوتي الهولندي أدريان ريلاند -من جامعة أوتريخت- يمثّل علامة فارقة في الدراسات الاستشراقية الهولندية، بل والأوروبية أيضًا، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. فقد اختلف اختلافًا جذريًّا عن الطريقة التي كان يُتعامل بها مع الإسلام في عصره، ولا سيما في كتابه (دين المحمديين)، الذي نشره سنة 1705، وانتقد فيه المنهج السائد في دراسة الإسلام، داعيًا إلى فهم هذا الدِّين من خلال مصادره الأصلية، وتعلّم اللغة العربية، بدل الاعتماد على التصوّرات المسبقة والأحكام اللاهوتية المتوارثة.

وقد تناول ريلاند في الجزء الأول من كتابه العقيدة والعبادات الإسلامية، بينما خصّص الجزء الثاني لتصحيح الأخطاء الشائعة في الأدبيات المسيحية حول الإسلام. ومن ذلك رفضه الادعاءات التي تزعم أن المسلمين يجسّدون الله، أو أنّ الجنة في الإسلام ليست سوى فضاء للشهوات الجسدية. غير أن هدفه النهائي -كما يسجل فان كونينسفيلد- لم يكن الدعوة إلى الإسلام، بل السعي إلى معرفة حقيقته تمهيدًا لتنصير المسلمين، وهو ما يكشف حدود هذا الإنصاف في سياقه التاريخي.

وقد اطلعتُ على هذا العمل المهم، الذي صدر في الأصل باللغة اللاتينية تحت عنوان De religione mohammedica، أي "دين المحمديّين". وكانت اللغة اللاتينية آنذاك تتمتّع بمكانة رفيعة بوصفها لغة العلم والتواصل والمعرفة في أوروبا (Lingua Franca(، في حين كانت اللُّغات الأوروبية الحديثة لا تزال محدودة الانتشار، وتُستعمل أساسًا في الأوساط المحلية. وقد تُرجم هذا الكتاب لاحقًا إلى اللغة الهولندية.

وبعد الاطلاع على مضمونه، تبيّن لنا أنّ ما يبدو فيه من إنصاف للإسلام والمسلمين لا يخلو من التباس وازدواجية؛ إِذْ إنّ هذا الإنصاف الظاهري كان -في كثير من المواضع- موجَّهًا بخلفيات دينية وأيديولوجية ذات نزعة تنصيرية، ما يجعل موضوعيته محلّ نظر، ويستدعي التعامل معه بقدر من النقد والتحفّظ. فالمنهج الذي دعا إليه ريلاند لم يكن يهدف بالضرورة إلى تقديم صورة الإسلام كما هو من أجل التعريف به، وإنما كان يرمي أساسًا إلى الوصول إلى فهم دقيق لحقيقته، بما يمكّن المسيحيّين من مواجهته والتعامل معه على نحو أكثر فاعلية.

س6: على ضوء ما تفضّلتم به، يبدو أنّ موضوعية المستشرق أدريان ريلاند كانت مشوبة بتحيّز لاهوتي وأيديولوجي تجاه الإسلام. فماذا عن المستشرق والإسلامولوجي الهولندي الشهير كريستيان سنوك هورخرونيه؟ وكيف قدّمه فان كونينسفيلد؟

د/ التجاني بولعوالي:

قبل الإجابة عن هذا السؤال الوجيه، لا بد من تقديم نبذة موجزة عن شخصية كريستيان سنوك هورخرونيه (1857-1936) المثيرة للجدل. فهو يُعد أحد أبرز المستشرقين الهولنديين وأكثرهم تأثيرًا في رسم السياسة الاستعمارية الهولندية تجاه الإسلام، حتى عُدَّ العقل المدبر لإدارة شؤون المسلمين في المستعمرات الهولندية، ولا سيما في إندونيسيا ذات الأغلبية المسلمة.

جمع سنوك بين البحث الأكاديمي والعمل السياسي؛ إِذْ شغل منصبَ مستشارٍ للحكومة الاستعمارية ووزارة المستعمرات، ووظّف معرفته العميقة بالإسلام لخِدْمة المشروع الاستعماري. وقد تظاهر باعتناق الإسلام، واتخذ اسم عبد الغفار، وأقام في مكة بين عامي 1884 و1885، حيث جمع معلومات دقيقة عن المجتمع الإسلامي والحُجّاج الإندونيسيّين، قبل أن يواصل هذا الدور في إندونيسيا، حيث عاش سنوات طويلة متقمّصًا هوية مسلم، وتزوّج زواجًا إسلاميًّا، واكتسب نفوذًا واسعًا داخل المجتمع المحلي.

ولم يكن هدفه فهم الإسلام لذاته، بقدر ما كان توظيف هذه المعرفة لإحكام السيطرة الاستعمارية والحَدّ من أي مقاومة دينية أو سياسية. حتى إنّه أَوْصَى السُّلطات الهولندية بتقليص أعداد الحُجّاج الإندونيسيّين المتوجّهين إلى مكة، خشية تأثرهم بالحركات المناهضة للاستعمار.

ومع ذلك كلّه، يميّز الإسلامولوجي فان كونينسفيلد بين جانبين في إرث سنوك: جانب علمي يتمثّل في إسهاماته الرائدة في الدراسات الإسلامية، وجانب سياسي ارتبط بخدمة المصالح الاستعمارية الهولندية. لذلك، ورغم مكانته بكونه أحد مؤسِّسي الإسلامولوجيا الحديثة، يصعب فَصْل مشروعه العِلْمي عن وظيفته الاستعمارية؛ إِذْ تكشف سِيرته عن تداخل وثيق بين المعرفة والسُّلطة، وعن توظيف الاستشراق أداةً للهيمنة السياسية والثقافية.

ومن ثم، يمثّل سنوك أنموذجًا واضحًا لما يمكن تسميته بـ"الاستشراق الاستعماري"، الذي جمع بين البحث الأكاديمي والعمل التجسّسي والاستخباراتي، وأثار نقاشًا واسعًا حول الحدود الأخلاقية للمعرفة الاستشراقية وعلاقتها بالمشروعات الإمبريالية.

س7: أشرتم أعلاه إلى كتاب بعنوان (أسطورة الخطر الإسلامي)؛ فهل تتفضّلون بتلخيص رؤية فان كونينسفيلد حول تصوير الإسلام بوصفه خطرًا وتهديدًا، كما يُقدَّم في الإعلام الغربي ولدى أحزاب اليمين المتطرف؟

د/ التجاني بولعوالي:

يتعلّق الأمر هنا بكتاب (أسطورة الخطر الإسلامي: معوقات الاندماج)، وهو عمل مشترك بين فان كونينسفيلد وزميله الأكاديمي واصف شديد، صدر سنة 1995. ويؤكِّد المؤلِّفان في مقدّمته أنّ المسلمين هم الفئة الأكثر تعرضًا للضغط في النقاش الدائر حول الاندماج في المجتمع الهولندي. فالسّاسة، وبعض الباحثين، وكُتّاب الأعمدة الصحفية كثيرًا ما يبحثون عن أسباب ما يعدّونه عجز الإسلام عن التكيّف مع القيم والتقاليد الهولندية، بل إنّ المسلمين يُقدَّمون أحيانًا بوصفهم "طابورًا خامسًا" يشكّل تهديدًا للمجتمع. ومن هنا جاءت فكرة تأليف هذا الكتاب، الذي يتناول بالنقد والتحليل مختلف الخطابات والمنشورات والسياسات والقوانين المتعلّقة بالأجانب والمسلمين.

ويؤكِّد المؤلِّفان أنّ المجتمعات الغربية لا تنظر دائمًا إلى المسلمين من خلال الواقع الاجتماعي أو المعطيات العلمية، وإنما عبر صور ذهنية موروثة تعود جذورها إلى العصور الوسطى، ثم تعزّزت لاحقًا بفعل الاستعمار، والصراعات السياسية، والهجرة، والإرهاب. وهكذا تُعَمَّم بعض الممارسات الفردية على الإسلام كله، بينما لا تُعامل الأديان أو الثقافات الأخرى بالمنطق نفسه.

ولا ينكر الكاتبان وجود مشكلات تتعلّق ببعض الأفراد أو الجماعات المسلمة، لكنهما يرفضان تعميمها على الإسلام بوصفه دينًا، أو على المسلمين باعتبارهم جماعة بشرية واحدة. لذلك يدعوان إلى التمييز بين الوقائع الموضوعية والصور الذهنية، وبين النقد العلمي الرصين والخطابات الشعبوية التي تبني مواقفها على التخويف أكثر من استنادها إلى الأدلة.

س8: أود أن أختم هذا الجزء المتعلّق بفان كونينسفيلد بسؤال حول تفسيره لاستمرار الصورة النمطية السلبية عن الإسلام في هولندا والغرب، وما السبيل إلى تجاوزها؟

د/ التجاني بولعوالي:

كما سبقت الإشارة، يرى فان كونينسفيلد أنّ الصورة السلبية عن الإسلام في الغرب ليست نتيجة دراسة علمية موضوعية للإسلام أو لمصادره الأصلية، بل هي حصيلة تراكمات تاريخية ولاهوتية وسياسية وإعلامية أسهمت في تكوين ما يسميه اللاهوتي السويسري هانس كونغ: «صورة العدو». فالمجتمعات لا تنظر إلى الآخر كما هو في الواقع، وإنما كما تصنعه الذاكرة الجماعية والخطابات الثقافية. ومن هذا المنطلق، صُوِّر الإسلام في كثير من الأدبيات الغربية بكونه نقيضًا للحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتحولت هذه التصوّرات إلى أحكام نمطية تتجدّد عبر وسائل الإعلام والخطاب السياسي أكثر مما تستند إلى البحث الأكاديمي.

ويؤكّد فان كونينسفيلد أنّ عددًا من الأفكار الشائعة حول الإسلام، مثل الادعاء بأنه يفتقر إلى الضمير الأخلاقي، أو أنه دِين يقوم على العمل دون الإيمان، أو أنه دِين عنف وعداء، لا تصمد أمام الدراسة العلمية للمصادر الإسلامية. ويستشهد في هذا السياق بأبحاث عددٍ من المستشرقين، مثل إغناز غولدتسيهر، الذين بيّنوا أنّ هذه التصوّرات ناتجة عن سوء فهم، أو عن خلفيات أيديولوجية ولاهوتية، أكثر مما هي قائمة على معرفة دقيقة بالإسلام.

كما يربط فان كونينسفيلد استمرار هذه الصور بصعود الخطابات الشعبوية في أوروبا، حيث تعمد بعض الأحزاب اليمينية ووسائل الإعلام إلى ربط الإسلام بالإرهاب والتطرّف وتهديد الهوية الوطنية، ما يؤدي إلى ترسيخ الخوف من المسلمين وإقصائهم من المجال العام. ولا يقتصر نقده على السياسة والإعلام، بل يمتد أيضًا إلى بعض الاتجاهات الأكاديمية التي تتناول الإسلام بمنهجيات تشكيكية أو مؤدلَجة تفتقر إلى الحياد العلمي.

ولذلك يدعو إلى تجاوز هذه الصور النمطية من خلال العودة إلى المصادر الإسلامية الأصلية، وتشجيع البحث الأكاديمي الرصين، وتعزيز الحوار بين الثقافات والأديان، وبناء العلاقة بين المسلمين والمجتمعات الأوروبية على أساس المواطنة المتساوية، والاحترام المتبادل، والمعرفة المباشرة، بدلًا من الأحكام المسبقة ومنطق التخويف والاستقطاب.

س9: يتّضح من كلامكم أنّ فان كونينسفيلد يمثِّل قيمة فكرية وأكاديمية مهمّة في الدراسات الإسلامية المعاصرة، غير أنه لا يزال غير معروف بما فيه الكفاية في السياق العربي والإسلامي. فما أبرز ما يمكن أن نتعلّمه من تجربته العلمية؟

د/ التجاني بولعوالي:

أعتقد شخصيًّا أنّ أهمية مشروع فان كونينسفيلد الفكري والأكاديمي تكمُن في أنه قدّم نموذجًا مغايرًا لدراسة الإسلام داخل السياق الأوروبي والغربي. فقد جمع بين التكوين الأكاديمي المتخصّص والالتزام بالموضوعية العلمية، وسعى إلى فهم الإسلام من خلال نصوصه الأصلية وتاريخه الذاتي، لا من خلال الصور النمطية المتداولة عنه. كما أسهم في تفكيك كثير من الأحكام المسبقة التي هيمنت طويلًا على الخطاب الهولندي والغربي، وكشف أن جانبًا كبيرًا منها كان نتيجة التداخل بين الدِّين والسياسة والاستعمار والإعلام، أكثر مما كان ثمرة بحث علمي رصين. ولهذا أصبح مرجعًا مهمًّا في دراسة العلاقة بين الإسلام والغرب، وفي تحليل أوضاع المسلمين في أوروبا.

ولا يقتصر أثر فان كونينسفيلد على الوسط الأكاديمي، بل يمتد إلى المجالين الثقافي والاجتماعي؛ إذ دافع عن حقّ المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية، وفي الاندماج الإيجابي داخل المجتمعات الأوروبية دون التخلِّي عن هويتهم الدينية. كما انتقد توظيف مبدأ حرية التعبير لتبرير الخطابات العنصرية أو الإساءة إلى المسلمين تحت غطاء نقد الدِّين.

وفي الختام، ورغم تداول بعض الروايات التي تشير إلى اعتناقه الإسلام، فإنّ هذه الأخبار لم تثبت تاريخيًّا، ولا ينبغي أن تؤثر في تقييم مشروعه العلمي. فقيمة فان كونينسفيلد لا تكمن في معتقده الشخصي، وإنما في منهجه الأكاديمي الذي دعا إلى الإنصاف، والعودة إلى المصادر الأصلية، ونقد الصور النمطية، وبناء جسور التفاهم بين الثقافات. ولعلّ هذا ما يفسِّر وصفه من قبل كثيرين بـ«صديق المسلمين»، وهو وصف ارتبط بمواقفه العلمية والإنسانية أكثر من أي اعتبار آخر.

س10: بالإضافة إلى فان كونينسفيلد، أشرتم في البداية إلى كتاب (من الحريم إلى الفتنة: صورة الإسلام في هولندا ما بين 1848 و2010)؛ ما الذي يجعل هذا الكتاب -في رأيكم- من أهم الدراسات التي تناولت صورة الإسلام في هولندا؟

د/ التجاني بولعوالي:

مَرّ الآن أكثر من خمسة عشر عامًا على صدور هذا الكتاب القيّم، لمؤلِّفَيْه مارسيل بورتهاوس وثيو سلامنك، الذي نُشر باللغة الهولندية سنة 2011. وقد قرأته وراجعته آنذاك، فوجدتُه مرجعًا تأسيسيًّا في دراسة صورة الإسلام في هولندا، ليس فقط بسبب ضخامته وغناه، إِذْ يتجاوز سبعمائة صفحة من القطع الكبير، وإنما أيضًا بسبب المنهج العلمي الرصين الذي اعتمده مؤلِّفَاه. فالكتاب لا يكتفي بوصف المواقف الهولندية من الإسلام، بل يسعى إلى تفسير كيفية تشكّلها وتحوّلها على امتداد أكثر من قرن ونصف، من سنة 1848 إلى سنة 2010.

وتكمن أهميته أيضًا في أنه لا يدرس الإسلام بكونه موضوعًا دينيًّا فحسب، بل باعتباره ظاهرة ثقافية وسياسية واجتماعية ارتبطت بتاريخ المجتمع الهولندي نفسه. ولذلك لا يقتصر على سؤال: كيف نظر الهولنديون إلى الإسلام؟ بل يطرح سؤالًا أعمق: ماذا تكشف صورة الإسلام عن تطوّر الهوية الهولندية ذاتها؟ فالصورة التي يرسمها مجتمع ما عن الآخر تعكس -في كثير من الأحيان- تصوّراته عن نفسه وقِيَمه ومخاوفه.

كما يتميّز الكتاب بتنوّع مصادره؛ إذ اعتمد على كتابات اللاهوتيين والمستشرقين والفلاسفة والمؤرِّخين والإعلاميين والسياسيين، ما مكّنه من تقديم بانوراما فكرية واسعة تُبرز تنوّع المواقف داخل المجتمع الهولندي، بعيدًا عن التعميم أو التبسيط.

ولهذا كلّه، أصبح هذا العمل مرجعًا أساسيًّا لكلّ باحثٍ في تاريخ الإسلام في هولندا وأوروبا، وفي دراسة العلاقة بين الإسلام والغرب من منظور تاريخي واجتماعي.

س11: ما يسترعي النظر في هذا الكتاب هو عنوانه الذي يتضمّن كلمتَي "الحريم"  و"الفتنة"؛ ماذا يقصد الباحثان بذلك؟ وما الدلالة الفكرية لهذا العنوان؟

د/ التجاني بولعوالي:

أعتقد أنّ هذا العنوان يحمل دلالة رمزية عميقة؛ لأنّه يلخص التحوّل الذي شهدته صورة الإسلام في المخيال الهولندي على مدى أكثر من قرن ونصف. ويرى المؤلِّفَان أنّ التصورات الغربية عن الإسلام تحركت تاريخيًّا بين قطبَيْن متناقضَيْن.

فالقطب الأول هو "الحريم"، الذي يرمز إلى الصورة الاستشراقية الكلاسيكية السائدة خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين كان الشرق يُقَدَّم بوصفه فضاء ساحرًا وغريبًا، يعجّ بالحريم والقصور والأسواق الشرقية وأجواء "ألف ليلة وليلة". وقد غذّت هذه الصورة الأدبيات الاستشراقية والرحلات والروايات واللوحات الفنية، فأصبح الإسلام جزءًا من عالم غرائبي يثير الفضول أكثر مما يثير الخوف.

أما القطب الثاني فهو "الفتنة"، الذي هيمن خصوصًا منذ نهاية القرن العشرين، وبشكل أوضح بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001. ففي هذه المرحلة انتقلت صورة الإسلام من فضاء الغرابة الشرقية إلى فضاء التهديد الأمني، وأصبح الإسلام يُربط -في كثير من الخطابات السياسية والإعلامية- بالإرهاب والتطرّف والعنف.

غير أنّ المؤلِّفَيْن يؤكّدان أن هذين القطبين ليسَا سوى طرفي طيف واسع من الصور المتعدّدة؛ فبين الحريم والفتنة برزت صور إيجابية وسلبية، ودينية وفلسفية، وثقافية وسياسية، ما يكشف أنّ صورة الإسلام لم تكن ثابتة، بل كانت تتغيّر باستمرار تبعًا للتحولات التي شهدها المجتمع الهولندي نفسه.

س12: كيف تطوّرت صورة الإسلام في هولندا خلال المرحلة التي درسها الباحثان، والممتدة من منتصف القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الثانية؟

د/ التجاني بولعوالي:

يرى الباحثان أنّ هذه المرحلة شكّلت الأساس الذي بُنيت عليه مُعظم الصور اللاحقة عن الإسلام. فقد تداخلتْ خلالها ثلاثة أنماط رئيسَة من التصوّرات.

أوّلها الإسلام التاريخي، الذي اهتم به عددٌ من كبار المستشرقين الأوروبيّين من خلال دراسة اللغة العربية، والتاريخ الإسلامي، والمخطوطات. وقد اتّسم هذا الاتجاه بطابع أكاديمي، وإن لم يخلُ من تأثيرات البيئة الفكرية الأوروبية.

وثانيها الإسلام الخطير، وهو الامتداد الحديث للصورة التي تشكّلت خلال الحروب الصليبية، حيث ظلّ الإسلام يُنظر إليه بكونه تهديدًا للمسيحية الأوروبية. وقد استمرّت هذه الصورة في الوعي الشعبي الهولندي حتى بعد زوال الظروف التاريخية التي أفرزتها، ثم أُعيد توظيفها كلّما برزت توترات جديدة بين أوروبا والعالم الإسلامي.

أما النمط الثالث فهو الإسلام الغرائبي، الذي صنعه الأدب والفنّ الاستشراقي، إِذْ صُوِّر الشرق الإسلامي باعتباره عالمًا غامضًا وساحرًا، مليئًا بالقصور والجواري والأسواق والطقوس الشرقية. وهي صورة رومانسية، لكنها لا تقل اختزالًا عن الصورة السلبية.

ومن خلال هذه التصوّرات الثلاثة يتّضح أن الإسلام لم يكن يُدرس بوصفه دينًا فحسب، بل بكونه مرآة عكست مخاوف أوروبا وأحلامها وخيالها الاستشراقي.

س13: من بين المسائل التي تظلّ ملتبسة في البحث الأكاديمي العربي عدم الانتباه إلى التنوّع في المواقف الأوروبية تجاه الإسلام؛ إِذْ تُختزل أوروبا في موقف واحد، مع أنّ فيها الكاثوليك والبروتستانت والعلمانيّين وغيرهم. كيف اختلفت مواقف الكاثوليك والبروتستانت من الإسلام خلال القرن العشرين، وهو ما يشغل حيزًا مهمًّا من هذه الدراسة؟

د/ التجاني بولعوالي:

يُظهر كتاب (من الحريم إلى الفتنة) أنّ الكنائس المسيحية في هولندا لم تتبنَّ موقفًا موحدًا من الإسلام، بل تباينت مواقفها بين الكاثوليك والبروتستانت. فقد اتجه عددٌ من اللاهوتيين الكاثوليك، ولا سيما تحت تأثير المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، إلى رؤية أكثر انفتاحًا تقوم على الاعتراف بالقواسم المشتركة بين الديانات الإبراهيمية والدعوة إلى الحوار بدل المواجهة. وقد مَهّد هذا التوجّه لمواقف المجمع الفاتيكاني الثاني التي اعترفت بالإسلام دينًا توحيديًّا يدعو إلى عبادة الله الواحد.

أما في الأوساط البروتستانتية، فقد ظلّت المواقف أكثر تحفظًا؛ إِذْ رأى بعض اللاهوتيين أنّ الإسلام دين غير موحى به أو منافس للمسيحية ينبغي التصدِّي له فكريًّا. غير أنّ هذا الموقف بدأ يتغير تدريجيًّا منذ ستينيات القرن العشرين، مع تنامي الدعوات إلى الحوار مع المسلمين والاعتراف بالإسلام بوصفه أحد الأديان العالمية الكبرى.

ويخلص مؤلِّفَا الكتاب إلى أنّ هذا التحول يعكس تطوّر الفكر اللاهوتي المسيحي نفسه، وانتقاله من منطق الجدل والصراع الديني، الذي هيمن منذ العصور الوسطى وحتى أواخر القرن التاسع عشر، إلى منطق الحوار والتعايش بين الأديان في العصر الحديث.

س14: وماذا عن المرحلة ما بعد الكولونيالية، ولا سيما مع بداية الهجرة العمالية إلى أوروبا الغربية خلال ستينيات القرن الماضي؟ إلى أيّ حَدّ أثّرت هجرة المسلمين إلى هولندا في تغيير صورة الإسلام داخل المجتمع الهولندي؟

د/ التجاني بولعوالي:

في الحقيقة، شكّلت هجرة العمال المغاربة والأتراك خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي نقطة تحوّل جوهرية في تاريخ العلاقة بين هولندا والإسلام. فقبل هذه المرحلة، كان الإسلام بالنسبة إلى أغلب الهولنديين دينًا بعيدًا، يُعْرَف من خلال الكتب أو الأخبار أو الرحلات. أما بعد وصول آلاف العمال المسلمين، فقد أصبح الإسلام جزءًا من الحياة اليومية داخل المدن والأحياء الهولندية.

وقد أدّى هذا التحوّل إلى انتقال النقاش من الحديث عن "الإسلام الشرقي" إلى الحديث عن "الإسلام الهولندي". فلم يَعُد السؤال المطروح يتعلّق بطبيعة الإسلام في الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا، بل بكيفية اندماج المسلمين في المجتمع الهولندي، وبناء المساجد، والتعليم الإسلامي، والحضور الديني في الفضاء العام.

وفي الوقت نفسه، أسفر الاحتكاك المباشر عن نتائج متناقضة؛ فمن جهة، ساعد على إزالة كثير من الصور الخيالية التي كانت سائدة عن المسلمين، ومن جهة أخرى، أثار نقاشات سياسية وثقافية جديدة حول الهوية الوطنية، والتعدّدية الثقافية، والهجرة. ولذلك أصبحت صورة الإسلام مرتبطة بالقضايا الداخلية الهولندية أكثر من ارتباطها بالأحداث الخارجية.

ويؤكد مؤلِّفَا كتاب (من الحريم إلى الفتنة) أنّ هذه المرحلة تمثّل بداية الانتقال من دراسة الإسلام بكونه موضوعًا استشراقيًّا بعيدًا إلى اعتباره جزءًا من الواقع الاجتماعي والسياسي الهولندي، وهو تحوّل لا يزال يرسم معالم النقاش الأوروبي حول الإسلام حتى اليوم.

س15: هل يعني هذا أنّ صورة الإسلام في هولندا تحسّنت مع بدء الاحتكاك المباشر بالمهاجرين المسلمين، أم أن هذا التحسّن كان عارضًا أمام تصاعد الرفض السياسي لكلّ ما هو أجنبي وإسلامي؟

د/ التجاني بولعوالي:

أعتقد أنّ صورة الإسلام في هولندا ظلّت تتأرجح بين القبول والرفض، وبين التحسّن والتراجع، بفعل عوامل متعدّدة؛ بعضها داخلي، يتمثّل في مواقف أيديولوجية كانت تحذر من الامتداد الأجنبي داخل المجتمع الهولندي، وتُبْدِي تخوّفًا من تنامي التعدّدية الثقافية والدينية والإثنية، وما قد يترتب عليها من تحوّلات في البنية المجتمعية التي تتفاعل فيها القِيَم المسيحية والليبرالية والعلمانية. ومنها ما هو خارجي، مثل قضية سلمان رشدي، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، ومقتل ثيو فان خوخ، وغيرها من الأحداث التي تركت آثارًا عميقة في الوعي الجَمْعِي الهولندي.

وفيما يتعلّق بقضية سلمان رشدي سنة 1989، يرى مؤلِّفَا كتاب (من الحريم إلى الفتنة) أنها شكّلت نقطة انعطاف حاسمة في تاريخ صورة الإسلام في هولندا. فقبل هذه الحادثة، كانت صورة الإسلام تشهد -في بعض الأوساط الأكاديمية والكنسية- تحسّنًا تدريجيًّا، نتيجة اتساع الحوار بين الأديان، وازدياد المعرفة المباشرة بالمسلمين بعد موجات الهجرة من المغرب وتركيا. فقد بدأت قطاعات من المجتمع الهولندي تنظر إلى الإسلام بكونه دينًا توحيديًّا قريبًا من المسيحية، كما ازداد الاهتمام بفهمه في سياقه الديني والثقافي، بعيدًا عن الصور الاستشراقية التقليدية.

غير أنّ صدور رواية (آيات شيطانية)، وما أعقبها من فتوى الإمام الخميني بإهدار دم سلمان رشدي، قلب موازين النقاش رأسًا على عقب. فقد أصبحت وسائل الإعلام والسياسيون ينظرون إلى الإسلام من خلال هذه الأزمة، وربط كثير منهم بين الدِّين الإسلامي والعُنْف أو رفض حرية التعبير. وفي المقابل، شعر المسلمون في هولندا -للمرة الأولى- بأنّ مقدساتهم تتعرّض للإهانة في الفضاء العام، فخرجوا للاحتجاج والتعبير عن رفضهم للإساءة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ويبيّن المؤلِّفان أنّ المجتمع الهولندي لم يكن موحّدًا في موقفه من هذه القضية، بل انقسم إلى تيارات متعدّدة. فقد دافع قطاع واسع من المثقّفين عن حرية التعبير باعتبارها قيمة دستورية، بينما حاول بعض الإسلامولوجيين والباحثين تفسير الغضب الإسلامي في ضوء المكانة المركزية للنبي -صلى الله عليه وسلم- في العقيدة الإسلامية، وإن لم يوافقوا على الفتوى الإيرانية. أما اليمين البروتستانتي وبعض التيارات المحافظة، فقد وجد في هذه القضية فرصة لإحياء الصور القديمة التي كانت تقدّم الإسلام بكونه دينًا معاديًا للحريات.

وعلى هذا الأساس، يبدو أنّ قضية سلمان رشدي أعادت إنتاج المخاوف التاريخية من الإسلام، ومهّدت الطريق لتحوّل النقاش من الحديث عن الاندماج والتعدّدية الثقافية إلى الحديث عن الصدام بين الإسلام والقيم الغربية، وهو تحوّل تعزّزت آثاره خلال العقدَيْن اللاحقَيْن. ويكشف ذلك عن الدور الخطير الذي قد تؤدّيه بعض العوامل الفكرية والثقافية والاجتماعية، والتي تبدو في ظاهرها محدودة الأثر، لكنها سرعان ما تتحوّل، عندما تُوظَّف سياسيًّا وإعلاميًّا، إلى عوامل مؤثّرة في تشكيل الرأي العام وإذكاء الاستقطاب.

ولعلّ من أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة أنّ المسلمين في هولندا والغرب كانوا -في كثير من الأحيان- ينجرفون إلى التعامل مع مثل هذه الأزمات بردود فعل انفعالية، دون إعمال قدرٍ كافٍ من التفكير العقلاني والإستراتيجي في كيفية إدارة الأزمة، واختيار أنجع السُّبُل للدفاع عن مقدساتهم وقضاياهم في إطار القانون والحوار والمواطنة.

س16: ألا تنطبق خلاصتكم الأخيرة أيضًا على أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2001، ومقتل ثيو فان خوخ في هولندا سنة 2004؟

د/ التجاني بولعوالي:

بكلّ تأكيد، يمكن اعتبار هذين الحدثَيْن من أكثر الوقائع تأثيرًا في تشكيل صورة الإسلام خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فقد شكّلَا معًا منعطفًا تاريخيًّا انتقل فيه النقاش من مستوى الاندماج الاجتماعي إلى مستوى الأمن القومي والهوية الثقافية.

وقد تابعنا كيف ارتبط الإسلام -بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر- في كثير من وسائل الإعلام الغربية بالإرهاب والتطرف، وأصبحت أخبار الجماعات العنيفة تطغى على كلّ ما يتعلّق بالمسلمين. ثم جاءت حادثة اغتيال ثيو فان خوخ سنة 2004 على يد شاب مسلم متطرّف لتمنح هذه الصورة بُعدًا محليًّا داخل هولندا، إِذْ شعر كثير من الهولنديّين بأنّ التهديد لم يعد بعيدًا، بل أصبح جزءًا من واقعهم الداخلي.

ويبين كتاب )من الحريم إلى الفتنة (أن ردود الفعل تجاه هذه الأحداث اختلفت باختلاف التوجهات السياسية. فقد دعا التيار الليبرالي إلى ضرورة تبنّي المسلمين القيم الليبرالية الغربية، مع إبقاء الدِّين في المجال الخاصّ. أما المحافظون الجُدُد، فاشترطوا قبول الإسلام في أوروبا باندماجه الكامل في الثقافة الغربية. في حين ذهب التيار الشعبوي إلى أبعد من ذلك، فاعتبر الإسلام أيديولوجيا مناقضة للديمقراطية، ودعا إلى الحد من حضوره في المجال العام.

ورغم هيمنة هذه الخطابات، استمرّت أصوات أكاديمية تدعو إلى التمييز بين الإسلام بوصفه دينًا وبين ممارسات جماعات متطرّفة، وإلى دراسة الظواهر الاجتماعية بعيدًا عن الانفعالات السياسية والإعلامية. وقد مثّلت هذه الأصوات امتدادًا للتقليد الأكاديمي الموضوعي الذي سعى إلى مقاومة التنميط والتعميم.

وهذا يدلّ على أنه، رغم التحديات الكبيرة التي واجهها حضور المسلمين في الغرب عمومًا، وفي هولندا على وجه الخصوص، ظلّ هناك بصيص أمل؛ فبرغم تشدّد بعض التيارات اليمينية وتواطؤ بعض وسائل الإعلام المؤدلجة، لم تخلُ الأوساط الثقافية والاجتماعية والجامعية من أصوات منصفة وموضوعية، رفضت تحميل المسلمين جميعًا مسؤولية ما يرتكبه أفراد أو جماعات متطرّفة.

س17: يظهر من خلال ما تفضّلتم به أنّ هذه الإسهامات الفكرية والأكاديمية ذات أهمية كبيرة في دراسة الحضور الإسلامي في هولندا. فهل هناك باحثون ومفكِّرون هولنديون آخرون سلكوا النهج الموضوعي نفسه في تناولهم للإسلام والمسلمين؟

د/ التجاني بولعوالي:

أولًا، ينبغي التنبيه إلى أن ما تضمنته إجاباتي السابقة ليس سوى شذرات قليلة مما كُتِب عن الإسلام في هولندا، وقد ارتأيتُ إدراجها في هذا الحوار لأهميتها في فهم طبيعة الحضور الإسلامي في هذا السياق الأوروبي المهم، حيث يعيش ما بين مليون ومليون ومائتي ألف مسلم ضِمْن عدد سكاني يبلغ نحو ثمانية عشر مليون نسمة، أي ما يقارب 6% من سكان البلاد. وهذا رقم مهمّ، ليس من الناحية الديمغرافية فحسب، بل من الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والمعرفية أيضًا.

وقد جعل هذا الحضور المتنامي الإسلام محطّ اهتمام الجامعات والمراكز البحثية والباحثين، فنشأ ما يشبه تيارًا فكريًّا يؤكِّد أهمية الرافد الإسلامي في التعدّدية الثقافية الهولندية، بوصفه عنصر إثراء لا عنصر تهديد. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى عددٍ من الأكاديميين الذين قَدّموا إسهامات علمية رصينة، من بينهم: هينك فروم، وماوريتس برخر، وألفريد ليمهاوس، وإدوارد فرهوف. كما أنّ بعض الباحثين الهولنديّين اعتنقوا الإسلام، مثل: ستيلا فان فيترن، وعبد الواحد فان بوميل، ويورام فان كلافرن، وغيرهم. ويضاف إلى هؤلاء عددٌ كبيرٌ من الباحثين المسلِمين الذين هاجروا من البلدان العربية والإسلامية أو وُلِدُوا في هولندا، وأسهموا في إنتاج دراسات موضوعية دحضت أطروحات صدام الحضارات، والخطر الإسلامي، والتطرّف، وغيرها من التصوّرات النمطية.

ولا يَسمح مجال هذا الحوار باستعراض جميع هذه الأعمال، لذلك اكتفيتُ بالتركيز على الدراسات التي تناولتْ بصورة مباشرة صورة الإسلام وتمثّلاته في السياقَيْن الهولندي والغربي. وأودّ هنا أن أتوقف عند مقاربة تُعَدّ من أهم المقاربات في دراسة الإسلام الهولندي، وهي مقاربة فيلسوف الدِّين الهولندي هينك فروم، الذي لا يزال -للأسف- مجهولًا إلى حدّ كبير في البحث الجامعي العربي والإسلامي، رغم مكانته البارزة في الدراسات الغربية المعاصرة حول الإسلام، ولا سيما في كتابَيْه: (تنوع الرؤى في فلسفة الدين والتعددية)، و(تحديد موقع الإيمان المسيحي في مجتمع علماني تعدّدي).

يرى هينك فروم أنّ الإسلام لم يَعُد دينًا وافدًا أو ظاهرة خارجية في أوروبا، بل أصبح جزءًا أصيلًا من الواقع الاجتماعي والثقافي الغربي. ولذلك يميّز بين الإسلام العالمي، بكونه دِينًا ذا امتداد كوني، والإسلام الأوروبي المحلي، الذي يتشكّل داخل السياق الأوروبي ويتفاعل مع قِيَمِه ومؤسّساته وقوانينه، دون أن يفقد جوهره العقدي والديني.

وينطلق فروم من أنّ موجات الهجرة، وظهور أجيال من المسلمين المولودِين في أوروبا، إضافة إلى اعتناق عدد من الأوروبيين الإسلام، قد أحدثتْ تحوّلًا جذريًّا في طبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب. فلم يَعُدْ المسلمون مجرّد مهاجرين يقيمون مؤقتًا في أوروبا، بل أصبحوا مواطنين كاملي الحقوق والواجبات، يشاركون في بناء المجتمع ويسهمون في تطوره.

ومن ثم، يدعو فروم إلى تجاوز التصوّر التقليدي الذي يضع الإسلام والغرب في حالة تقابل أو صراع دائم؛ لأن هذا التصوّر لم يعد ينسجم مع الواقع المعاصر. فالغرب نفسه أصبح فضاء متعدّد الأديان والثقافات والهويات، والإسلام أحد مكوّناته الأساسية. لذلك ينبغي الانتقال من الحديث عن "المسلمين في الغرب" إلى "المسلمين الغربيّين"، بما يعكس انتماءهم الكامل إلى مجتمعاتهم الأوروبية.

ويخلص فروم إلى أنّ مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب لا يقوم على ثنائية المواجهة، بل على التعدّدية، والمواطنة، والاندماج الإيجابي، حيث يتعايش الإسلام مع القيم الديمقراطية، ويسهم في إثراء الهوية الأوروبية المعاصرة، بكونه جزءًا من تنوّعها الثقافي والديني، لا عنصرًا غريبًا عنها.

وتجدر الإشارة إلى أنّني تعرّفتُ إلى الفيلسوف هينك فروم عندما كنت طالبًا في جامعة أمستردام الحُرّة (البروتستانتية)، حيث كان يشرف على مركز اللاهوت الإسلامي بكلية اللاهوت، ويُدرِّس عددًا من المقرّرات الأساسية في فلسفة الدِّين وفلسفة التعدّدية. ولم أتشرّف إلا بحضور محاضرته الافتتاحية، إِذْ حالت ظروف صحية دون متابعتي الدراسة على يديه، رغم استمرار التواصل العلمي بيننا. وكان من المقرّر أنْ أجري معه حوارًا ضمن بحثي لنيل درجة الماستر، غير أنّ وفاته حالتْ دون ذلك. ومن حُسْن الحظ أنني درستُ المقررات نفسها لاحقًا على يد ابنته أنيويك فروم، والدكتورة ماريان مويارت، التي أصبحت اليوم زميلة لي في كلية اللاهوت والدراسات الدينية بجامعة لوفان الكاثوليكية، حيث أعمل حاليًّا.

وفي الختام، يمكن القول: إنّ دراسة تمثّلات الإسلام في الاستشراق الهولندي، قديمِه وحديثِه، تمثّل مدخلًا لا غنى عنه لفهم المقاربات الاستشراقية الهولندية للقرآن الكريم، واستيعاب تاريخ ترجماته إلى اللغة الهولندية، وهو ما سنفصله في الجزء الموالي.

Image
الاستشراق-الهولندي2.png
مثبت
لا

Source URL: https://www.tafsir.net/interviews/24867