ثناء ابن حجر على (البرهان) للزركشي
عرض وتحرير
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا الأمين محمد -صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
أمّا بعدُ:
فلا تخفى منزلة كتاب (البرهان، في علوم القرآن) للعلّامة الزركشي، بين دارِسي علوم القرآن والباحثين فيها، فهو مِن أوائل الكتب الجامعة في هذا الباب. وقد أثنَى على هذا الكتاب غيرُ واحدٍ من أهل العلم، وممَّن نُسِبَ إليه ثناءٌ على هذا الكتاب: العلّامة ابنُ حجر العسقلاني في كتابه: (إنباء الغُمْر، بأبناءِ العُمْر)، إلا أنه، ومِن خلال التأمّل وقفتُ على بعض الإشكالات المحيطة بثبوت نِسبة هذا الثناء لابن حجر، ومِن ثَم تأتي هذه المقالة لتبحث ذلك وتحرِّرُه، فتعرض في قِسمِها الأولِ حالةَ النَّقلِ والإيرادِ في الدراسات لثناء ابن حجر على كتاب (البرهان)، ثم تُناقِشُ في قِسمِها الآخر الموقفَ من ثُبُوتِ هذه النِّسبةِ.
القسم الأول: إيراد الدراسات لثناء ابن حجر على كتاب (البرهان) للزركشي:
نَسَبَ جمعٌ من الباحثين ثناءً لابنِ حجرٍ في كتابه: (إنباء الغُمْر، بأبناءِ العُمْر) على كتاب (البرهان، في علوم القرآن) للزركشي، وهو قوله: «ورأيتُ أنا بِخَطِّهِ مِن تَصْنِيفِهِ: (البرهان، في علوم القرآن)، من أعجبِ الكتبِ وأبدعِها، مُجَلَّدة، ذَكَرَ فيه نيِّفًا وأربعين عِلْمًا من علوم القرآن».
ومِمَّن عزا ذلك إليه:
1- محققو (البرهان) طبعة دار المعرفة (1/ 70)، وأحالوا إلى (إنباء الغمر) (3/ 140). وذكروا في ثبت المصادر والمراجع (4/ 667) النشرةَ التي اعتمدوا عليها، وهي: (حيدر آباد- الهند، دائرة المعارف العثمانية، ط1، 1387هـ= 1967م، 5مج، 9ج). ومِمَّن وافقهم في هذه الإحالة والطبعة:
1) أ.د/ مساعد الطيار في (التفسير اللغوي)، ص22 الحاشية (2). وذكَرَ في فهرس المصادر والمراجع ص702 أنه اعتمد طبعة دائرة المعارف العثمانية، وهي السابقة[1].
2) د. غانم الغانم في (ترجيحات الزركشي في علوم القرآن)، ص35 الحاشية (5). وذكر في ثبت المصادر والمراجع ص568 أنه اعتمد على طبعة دار الكتب العلمية- بيروت. وهي في الحقيقة مصوّرة عن طبعة دار المعارف العثمانية السابقة.
3) د. جمال فرحان في رسالته للدكتوراه: (الإمام الزركشي مفسِّرًا من خلال كتابه: "البرهان في علوم القرآن")، ص104 الحاشية (1). وذكر في فهرس المصادر والمراجع أنه اعتمد على طبعة دار الكتب العلمية- بيروت. وتقدَّم الحديثُ عنها.
2- محققو (البرهان) في الرسائل الجامعية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حيث ذكروا كلامَ ابن حجر في أثناء بيان نسبة الكتاب للزركشي، وبيان ذلك في الآتي:
1) د. أشقر في ص47: أحال كلامَ ابنِ حجرٍ إلى (إنباء الغمر) (1/ 447). ولم يذكر الكتاب في مظنّته في فهرس المصادر والمراجع ص535 (قبل رقم: 41).
2) د. الحويفي في ص65: أحال كلامَ ابنِ حجرٍ إلى ذاتِ الجزء والصفحة. وذَكَر في فهرس المصادر والمراجع ص73 النشرة التي اعتمد عليها، وهي: (المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، بتحقيق: د. حسن حبشي، 1389هـ= 1969م).
3) د. الزميلي في ص47: أحال كلامَ ابنِ حجرٍ إلى ذات الجزء والصفحة. وذكر في ثبت المصادر والمراجع ص968 مثل السابق.
4) د. الشمسان في ص45: أحال كلامَ ابنِ حجرٍ إلى ذات الجزء والصفحة. وذكر في ثبت المصادر والمراجع ص803 مثل السابق.
5) د. العصلاني في ص41: أحال كلامَ ابنِ حجرٍ إلى ذات الجزء والصفحة. وذكر في فهرس المصادر والمراجع ص706 مثل السابق.
والذي يظهر أنَّ محقِّقي الكتاب في الرسائل الجامعية -وفّقهم الله تعالى وجزاهم خيرًا على جهودهم- اعتمدوا على نَسْخِ هذا الموضع من (المكتبة الشاملة)؛ لأنَّ كلامَ ابنِ حجرٍ المذكورَ لم يَرِد في ط. المجلس الأعلى -كما سيأتي-، وقد نَبَّه مُعِدُّ الكتاب في (المكتبة الشاملة) بقوله: «تنبيه: النَّصُّ بهذه النسخة الإلكترونية مأخوذ عن الطبعة الهندية، وأُعِيد توزيع صفحاته وَفق الطبعة المصرية؛ فلْيُتنبَّه». وعلى هذا، فالنصّ المذكور في (المكتبة الشاملة) هو نصّ طبعة دائرة المعارف الهندية -التي اعتمد عليها محققو (البرهان) ط. المعرفة، ومَنْ بعدَهم- وليس هو نصّ طبعة المجلس الأعلى، وإنما أرقام الأجزاء والصفحات هي التي من طبعة المجلس الأعلى.
وعند الرجوع إلى الموضع المحال إليه (1/ 477) في طبعة المجلس الأعلى، لا تجد هذا النقل، فقد ترجَم ابنُ حجر للزركشيِّ في (1/ 476- 477) ولم يَذكر هذا الكلام البتة.
القسم الآخر: مناقشة صحة ثبوت ثناء ابن حجر على كتاب (البرهان) للزركشي:
من خلال العرض السابق يَرِدُ سؤالٌ، وهو: من أين جاء هذا النصّ إذن؟
والجواب: أنه عند الرجوع إلى طبعة دائرة المعارف (1/ 1) الحاشية قبل (1) تجد المعتنِين بها نصُّوا على رموز الأصول التي اعتمدوا عليها، ومنها: «س - رمز نسخة المكتبة السعيدية بحيدر آباد الدكن (الهند)، وهي الأساس لطبعِ هذا الكتاب»، ثم ذكروا ثلاثة رموز لثلاث نُسَخ خطية. وعندما تنظر إلى موضعِ كلامِ ابنِ حجرٍ عن الزركشيِّ في هذه الطبعة (في 3/ 140- 141) تجدهم جعلوا كلامه عن كتاب (البرهان) بين معقوفتين، وقالوا في الحاشية (1): «ما بين الحاجزين من س، وقد سقط من الثلاثة الأخرى». والواقع أنه لم يسقط من النسخ الأخرى، بل الظاهر أنه مزيد -أو مقحم- في س، كما سيأتي. وسبقت الإشارة إلى أن هذه النسخة (س) هي نسخة المكتبة السعيدية، ولم تُذكر بياناتها، ولم أستطع الوقوف عليها. ومما يُلاحظ في نسخة (س) أن المعتني بها يذكر أحيانًا بهامشها مطالعاتِه للكتبِ[2]، فلا يُستبعد أن تكون العبارة المنسوبة إلى ابنِ حجرٍ هي عبارة الناسخ أو مَن وقفَ عليها، ثم دخَلَت في نصِّ الكتاب عندما اعتُمدَت في طبعة دائرة المعارف.
وما سبق يُعَدّ دليلًا يُستأنس به، وإلا فالدليل الأظهر في تحرير هذا النقل: أنّ هذه الجملة لم ترِد البتة في طبعة المجلس الأعلى، والتي رجع فيها المحقّق إلى ثمانِ نُسَخٍ خطية، أوَّلها: مسوَّدة الكتاب بخط ابنِ حجر نفسِه، ومنها: نسخة في السعيدية بحيدر أَباد (ولعلها تكون معتمَد طبعة دائرة المعارف)[3]. ومع ذلك فإنه لم يُورِد الكلامَ المعزوَّ إلى ابن حجر، ولم يُشِر إلى خلافٍ بين النُّسَخ. وقد طُبِعَت حديثًا طبعة أخرى لذات التحقيق، كُتِبَ على غلافها: (طبعة جديدة، القاهرة، 1435هـ = 2014م)، والذي يظهر أنّ الجديدَ فيها الغلافُ فقط، وإلا فالصفّ والتنسيق الداخلي للكتاب لم يتغيّر فيه شيء. والنسخة التي حصَلْتُ عليها من هذه الطبعة هي المجلد الأول فقط دون سائر المجلدات.
وقد رجعتُ إلى نُسَخٍ خطيةٍ للكتاب -حَرَصْتُ ألّا تكون مما اعتُمِد في طبعة المجلس الأعلى-، ولم أجد فيها النصَّ المعزوَّ كذلك، والنسخُ التي رجعت إليها، هي:
1) نسخة في المكتبة الوطنية بباريس، برقم: 1604، [127/ ب] (ترقيم اللوح من خلال ملف pdf؛ لأن الترقيم الأصلي للمخطوط غير واضح).
2) نسخة في مكتبة كوبريلي بتركيا، برقم: 1007، [96/ أ].
3) نسخة في مكتبة فاضل أحمد بتركيا، برقم: 1009، [108/ ب].
4) نسخة في مكتبة الجامعة الإسلامية، برقم: 4046، مصدرها: تونس- دار الكتب الوطنية- مكتبة حسن حسني عبد الوهاب، [117/ ب- 118/ أ] (ترقيم اللوحين من خلال ملف pdf؛ لأنّ الترقيم الأصلي للمخطوط غير واضح).
وأخلصُ مما سبق أنَّ في نسبةِ هذه العبارة إلى ابن حجر نظرًا، فيُتَوَقَّف في النِّسْبة، إلى أن يُوقف على نسخة المكتبة السعيدية، فيُنظر فيها، ويُبيَّن قائلها على وجه التحقيق[4].
خاتمة:
بُحِثَ في هذه المقالة عن مصدر الثناء المنسوب لابن حجر على (البرهان) للزركشي، وتُوُصِّل إلى عدم ثبوت هذه النِّسْبة، ولعلّ الصواب أنّ القول المذكور هو من أحد ناسخي كتاب (إنباء الغمر) أو مَن اطّلع عليه.
والحمد للهِ ربّ العالمين أوَّلًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. وصلى اللهُ وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] تنبيه: عزا فضيلتُه كلامَ ابن حجر إلى (الدرر الكامنة)، ولعلّه انتقال نظر أثناء الكتابة، وإلا فالمراد: (إنباء الغمر)؛ بدليل ذِكْر ذات الجزء والصفحة اللتَيْن سبق ذِكْرهما في توثيق محقّقي (البرهان) ط. المعرفة.
[2] انظر على سبيل المثال: (3/ 139) الحاشية (2)، و(3/ 140) الحاشية (2).
[3] انظر: مقدمة التحقيق (1/ 23 و26).
[4] وقد يَسّر الله تعالى للباحث عَرْضَ ما سبق -في تحرير ثناء ابن حجر على (البرهان)- على فضيلة المحقق د. محمد أجمل الإصلاحي -وفقه الله تعالى وبارك في جهوده-، فاستحسن الكلامَ المذكور، وكتب: «الظاهر أنَّ كلامَك صحيحٌ، ولكنَّه مبنيٌّ على القياسِ. والوقوفُ على نسخةِ السعيديةِ هو الذي يَحُلُّ الإشكالَ». والحمد لله ربّ العالمين.