منهجية البحث في بنية السورة وموضوعها؛ قراءة في المنجز، ومنهجية جديدة مقترحة
منهجية البحث في بنية السورة وموضوعها
قراءة في المنجز، ومنهجية جديدة مقترحة
الكاتب: طارق حجي
تهتم كثير من الدراسات العربية والغربية بدراسة البنية الشكلية والموضوعية للسورة القرآنية، خصوصًا التفسير الموضوعي عربيًا وإسلاميًا، والاتجاه التزامني غربيًا، يتناول هذا المقال نقديا منهجية دراسة بنية السور في هذه الدراسات، ويطرح منهجية بديلةبديلة.
السورة القرآنية بنية خاصّة وفريدة، إِذْ إنّ القرآن احتجّ بها وأقامها معجزةً لتحدِّي المكذِّبين، وقد نظر التراث الإسلامي للسّور كبنيات أدبية وشعائرية وجمالية خاصّة، برز هذا في الاهتمام بفضائل السور وخواصّها وسِمَاتها، والذي ظهر في كتب خاصّة، وقدّم به عددٌ من المفسِّرين مثل الثعلبي تفسيرهم كلّ سورة. كذلك اهتمّ بعض المفسِّرين في التراث بإبراز تماسك السور القرآنية ووحدتها الموضوعية والعضوية، مثلما نجد مع الفخر الرازي والبقاعي. وفي السياق المعاصر برز الاهتمام بالقراءة الموضوعية للسورة في السياقين العربي والغربي، مع ظهور (التفسير الموضوعي) عربيًّا وإسلاميًّا، وظهور القراءة التزامنية للقرآن غربيًّا.
إلا أنّ هذه المنهجيات التي يقدّمها التفسير الموضوعي والقراءة التزامنية يعتريها بعض النقص مثلما أوضح العديد من الدارِسين، سواء فيما يتعلّق بتقنياتها المنهجية المعتمدة لتحليل السور، أو في الأُطر المنهجية التي تنتظمها، أو في الأُطر النظرية الحاكمة لدراسة القرآن في العموم؛ لذا سنحاول في هذا المقال تحديدَ منهجٍ لقراءة السّور يستفيد من هذه المنهجيات ويتجاوزها.
وسنبدأ بتوضيحٍ لهذه المنهجيات، فنلقي الضوء على سياقات نشأتها وملامحها المنهجية ومواضع نَقْصها، زائدين قليلًا على ما أوضحه الدارِسُون بالفعل، وكذلك نشير لبعض المحاولات المعاصرة لتجاوزها، ثم نموضع المنهج المقترح في مواجهتها.
المناهج المستخدمة في استكشاف بنية السور القرآنية وموضوعها؛ عرض ونقد:
أولًا: المناهج المستخدمة في السياق العربي والإسلامي:
منذ القرن التاسع عشر، برز في السياق العربي والإسلامي ما نسميه: (التأويلية المعاصرة للقرآن)؛ لتصبح مساحة أساسية في تناول القرآن إلى جوار التفسير التقليدي، مثّلت هذه المساحة محاولة لتأويل القرآن (خارج التقليد)، أو خارج مساحة (أهل الذِّكْر) بتعبيرات أحميدة النيفر، ما يعني التخفّف في التفسير من الطرق التقليدية والمعايير الشكلية في استكشاف معنى القرآن وكتابة التفسير، ويعدّ التفسير الموضوعي أحد الاتجاهات الرئيسة في هذه المساحة.
وقد برز هذا الاتجاه ضمن الاتجاه الأدبي لتفسير القرآن -مع بعض التداخل بينه وبين تفسير القرآن بالقرآن- والذي بدأت ملامحه مع تفسير المنار لمحمد عبده ورشيد رضا، ووجد تطوّره مع أمين الخولي ومدرسة الأُمناء. وأشمل تحديد له، أنه أقرب لاتجاهٍ وأسلوبٍ في تناول القرآن يقوم على (النظر الكلِّي) له أو للسورة القرآنية، ثم ربطه بـ(موضوعات) قرآنية أو فلسفية أو واقعية مُلِحَّة.
وبسبب هذا الطابع النظري الكلِّي غير المحدّد، فقد شاع حضور التفسير الموضوعي بين اتجاهات فكرية متنوّعة ووفق أُطُر خطابية ومنهجية مختلفة، فنجد مَن يستخدمه من الحداثيين، مثل: حسن حنفي في كتابه: (التفسير الموضوعي للقرآن الكريم)، وفضل الرحمن مالك في كتابه: (المسائل الكبرى في القرآن)، ومن الحركيين مثل: سيد قطب في: (الظلال)، وسعيد حوى في: (الأساس في التفسير)، بل يمكن أن نجد بعض استخداماته ضمن بعض التفاسير التقليدية المعاصرة، مما يعني شيوعه في المساحات الثلاث الأساسية للتناول المعاصر للقرآن، مساحة (التقليد)، ومساحة (خارج التقليد)، ومساحة (القراءات المنهجية)، كذلك تتنوّع نتاجاته بين ثلاث مساحات رئيسة شاملة للعمل التفسيري المعاصر؛ وهي التفاسير الكاملة المسلسلة أو التحليلية مثل: (في ظلال القرآن)، وتفاسير السور مثل: تفسير بنت الشاطئ لسورة الإنسان، وتفاسير بعض الموضوعات بعينها من القرآن، مثل: السنن التاريخية مع باقر الصدر.
ويعاني هذا التفسير -ومثلما أوضح العديد من الباحثين مثل سامر رشواني وزياد خليل الدغامين وغيرهم- من بعض الإشكالات الناتجة من غَلبة التطبيق فيه على التأصيل النظري. ويأتي على رأس هذه الإشكالات عدم تحدُّد ماهية (التفسير الموضوعي) نفسه؛ إِذْ يتباين ما بين الانطلاق من (الوحدة الموضوعية) للسور وللقرآن، وبين (الوحدة العضوية الشكلية) لهما، كذلك يتباين بين جهة النظر للوحدة الموضوعية والعضوية للسور وللقرآن منطلقًا للتفسير، أو النظر لها نتيجة أو هدفًا لعملية القراءة، بالإضافة للخَلْط بين بعض إجراءات وخطوات التفسير الموضوعي -مثل اختيار الموضوع والاستقراء وجمع الآيات- وبين طبيعة هذا التفسير وما يميزه من ناحية التقنيات والأدوات عن غيره من المناهج.
لو انتقلنا من المفهوم للمنهج، سنجد أنّ التفسير الموضوعي يتّسم بقدر من التشوُّش المنهجي، البادي في عدم تحدُّد بعض المسائل الرئيسة، مثل غياب تأسيس منهجي واضح لكلية القرآن أو السور، ومثل عدم وضوح أدوات تحديد الموضوعات التي سيتمّ دراستها في القرآن، أو تحديد موضوعات السورة، كذلك الخلاف بين موضوعات السورة و(عمود السورة)، والخلاف بين مصدر الموضوع الذي يُقرأ في ضوئه القرآن وسوره، هل هو موضوع واقعي من خارج القرآن، أم موضوع ناتج من استقراء القرآن نفسه، بالإضافة لبعض المسائل الأكثر تفصيلية، مثل الخلاف في مدى إمكان الاستفادة من بعض الأدوات، مثل السياق التاريخي أو سبب النزول واسم السورة، في تحديد موضوعها.
ونحن نختلف مع افتراضات سامر رشواني، بأنّ حدّي التفسير الموضوعي (كلية القرآن) و(الموضوع) كافيان لتحديد ماهيته في «الكشف الكلّي عن مراد الله في قضية معيّنة»، فإنّ هذا التحديد يكفي في تفريق التفسير الموضوعي عن التفسير التجزيئي أو التحليلي، لكن لا يكفي في تصوّر ماهيته؛ إِذْ إنّ الكلية والموضوعية لا يعدوان أن يكونَا منطلقَيْن للقراءة وليسَا ماهية القراءة. لهذا لا يمكن النظر للخلافات في طبيعة تحديد الكلية والموضوع، باعتبارها تنوعًا داخل منهج أو مدرسة منهجية؛ إِذْ لا تقوم المدرسة المنهجية على محض الاشتراك في منطلق عام، كذلك لا تقدّم هذه القراءات مناهج متماسكة متباينة في تأسيس هذه الكلية نفسها أو في تبريرها، ولا تقدّم تأصيلًا منهجيًّا لحلّ الإشكالات التفصيلية في القراءة.
أمّا ما يشيع في كتابات التفسير الموضوعي وعند تحديد المراحل المتّبعة من أجلِ قراءة القرآن أو السور موضوعيًّا، من الحديث عن ضرورة تأمّل السورة كليًّا أو النظر لها نظرة تشبه الصورة الشمسية، أو النظر لها نظرًا كليًّا دون تجزيء، فلا يمكن -على أهميته- اعتباره خطوات منهجية في القراءة، كذلك ولا يمكن اعتبار الخطوات المرحلية مثل جَمْع الآيات والاستقراء والتقسيم منهجًا على ما يشيع في كتابات كثيرة حول التفسير الموضوعي، فالمنهج هو الأدوات التحليلية المستخدمة في تأسيس النظر لبنية السور والقرآن ولتقسيمهم وتحديد للعلاقة بينهم. يجعل كلّ هذا التفسير الموضوعي -وخصوصًا التفسير الموضوعي للسورة- عملية غير محدّدة منهجيًّا، ما يحوّلها في كثير من الأحيان لعملية تأمّلية ذاتية.
لا شك أنّ هناك محاولات قليلة طمحتْ لضبطٍ منهجي للتفسير الموضوعي -خصوصًا في مسألة عمود السورة وموضوعها ونظامها- وعلى رأسها محاولة العلّامة الفراهي في نظريته حول (نَظْم القرآن)؛ إِذْ حاول الفراهي وضع أُسُسٍ لتقسيم النصّ وأُسُسٍ لتحديد موضوع أو (عمود) السورة، وفرّق بين عمود السورة ومعالم السورة، كما أبرز أنّ تحديد عمود السورة ونَظْمها ليست مسألة ثانوية، وإنما هي الطريق لفهم المقصد الإلهي من النصّ، مما يعني النظر لقراءة السورة وفق عمودها باعتبارها منهجَ كشفِ معناها وليس بيانًا لوحدة النصّ العضوية أو الموضوعية، أو لربط القرآن بموضوع واقعي، إلا أنّ هذه المحاولة ظلّت غير مكتملة، كذلك لم تعرف تطويرًا كبيرًا في السياق العربي رغم شيوع التفسير الموضوعي فيه، كذلك وعلى اتّباع بعض اللاحقين لمنهج الفراهي في الهند، مثل أمين أحسن إصلاحي ثم أسد سبحاني، إلا أنّ المحاولة التطبيقية قد غلبتْ على التنظير للمنهج، وعلى وضع أدوات منهجية واضحة تستطيع الاستفادة من المنهجيات الأدبية والتاريخية والنصيَّة المتاحة.
كذلك تتميز بعض المحاولات التنظيرية في السياق العربي، مثل محاولة طه جابر العلواني، في محاولة وضع أساس منهجي للنظر للقرآن وحدة واحدة كلية «الوحدة البنائية للقرآن»، أي في تأسيس (كلية القرآن) وكلية سُوَرِه، إلا أنّ هذا التنظير يشوبه نوع من الدَّوْر؛ إذ لم يعتمد تحليلًا تركيبيًّا وموضوعيًّا للسور وللقرآن يكشف تماسكها التركيبي والموضوعي، بل اعتمد على الانطلاق من قراءة كلية للقرآن يعيد من خلالها تحديد مفاهيم، مثل: (المتشابه) و(المحكم) و(النسخ) لتأسيس فكرة الوحدة، فضلًا عن توقّفه عند هذا الحدّ من التأسيس للقراءة، فلم يقم بمحاولة تحديد بناءٍ منهجي متماسك لاستخراج موضوع السورة وعمودها، بل اعتبر أنّ الوصول لهذا لا يقوم على قواعد بل على بعض المداخل التدبُّرية العامة. في المقابل تأتي محاولة باقر الصدر التي اهتمّت بالتأصيل لشقّ (الموضوع)؛ إِذْ نافح عن أهمية التفسير الموضوعي وراهنيته وسبب عدم اتساع حضوره في التراث، والتأكيد على ضرورة ربط القرآن بالموضوعات المعاصرة، إلا أنّ محاولته لم تهتمّ لوضع أُسُس منهجية لتقسيم القرآن والسور موضوعيًّا.
ويمكن اعتبار المعضلة المركزية للتفسير الموضوعي منذ نشأته الحديثة وإلى الآن، والتي يتفرَّع عنها كلّ هذه الإشكالات التفصيلية التي أسهب الدارِسُون في توضيحها؛ هي عدم استناده إلى أرضية منهجية واضحة، تاريخية أو أدبية أو تفسيرية أو علم-دينية «مستندة لعلم الأديان»، تكون أساسًا لاستكشاف وحدة وتماسك السورة/السور بنيويًّا (شكليًّا) وموضوعيًّا، والاكتفاء بدلًا عن هذا بالانطلاق من إطار منهجي شامل يتمثَّل في اعتبار وحدة النصّ وتماسك تركيبه وتوحيد قصده، فربط التفسير أو القراءة بهدف القراءة ومدارها (الكلية) و(الموضوعية) هو ما يجعل التفسير الموضوعي -مثلما يمارس في الكتابات المعاصرة- أقرب دومًا لاتجاه أو أسلوب في التفسير والعرض يمكن استخدامه داخل كلّ المدارس والاتجاهات، وأبعد عن أن يكون منهجًا متماسكًا يُحدِّد خطوات منهجية واضحة للقراءة واستنباط المعنى.
وإجمالًا نظنّ أنه لا يمكن وجود (تفسير موضوعي) هكذا بإطلاق، بل يوجد (قراءة تفسيرية تقليدية موضوعية)، (قراءة أدبية-لسانية موضوعية)، (قراءة تزامنية موضوعية)، (قراءة علم-دينية موضوعية)؛ إِذْ لا بدّ أن تكون نسبة القراءة للمنهج المستخدم في اشتغالها التفصيلي: (افتراض كلية القرآن والسور، ثم تحديد شكل السورة واستكشاف موضوعها، ثم قراءة السورة/القرآن في ضوئه وفق محدّدات المنهج)، لا للارتباط بالبحث عن الموضوع الكلي، الذي هو ناتج أوّلي من نتاجات القراءة وموجِّه لها وليس منهجها، تبقى (الموضوعية) و(الكلية) في هذه الحالة إطارًا نظريًّا ومنطلقًا -يحتاج ذاته للتأسيس المنهجي- لا منهجًا للقراءة ولا أساسًا له.
من خلال هذا يمكن القول أنّ التفسير الموضوعي لا يقدِّم لنا إطارًا منهجيًّا متماسكًا، أو أساسًا لقراءةٍ لبنيةِ السورة وموضوعها، قائمة على المحدّدات النصّية، تحقّق مبدأ الاقتصاد التاويلي والتعاضد النصِّي، ما يعرّض التأويل المنطلق منها لافتراض معانٍ غير متوافقة مع نسيج النصّ أو «عوالم معنى غير ممكنة» وفق تعبيرات إيكو.
ثانيًا: المناهج المستخدمة في حقل الدراسات القرآنية الغربية:
أ: القراءات الغربية التزامنية:
لم تهتم الدراسات الغربية للقرآن في مرحلتها الكلاسيكية بالدراسة البنيوية الكليَّة للقرآن من الأساس، بل اقتصرت على دراسة تاريخ النصّ «تاريخه النصِّي، وتاريخ تشكّله»، يرجع هذا لطبيعة تشكّل حقل الدراسات القرآنية، وكذلك لشيوع اعتبار أسلوب القرآن مفكّكًا وأقلّ بلاغةً من الكتابة الحديثة ومن الكتاب المقدَّس. إلا أنه وبسبب تطبيق المنهجيات الأدبية على الكتاب المقدّس وما أدّى إليه هذا من نتائج مهمّة في استكشاف بنيته، قام بعضُ الباحثين المعاصرين منذ ثمانينيات القرن الماضي بتطبيق هذه المنهجيات على القرآن ذاته، في محاولةٍ للكشف عن بنيته الخاصّة الشكلية والموضوعية. وقد نشأ في هذا السياق اتجاه منهجي جديد لدراسة القرآن، هو الاتجاه السانكروني أو التزامني، والذي نظرَ للقرآن -عن طريق دراسة تراكيب القرآن الأسلوبية والشكلية- باعتباره نصًّا متماسكًا تركيبيًّا وموضوعيًّا.
وبرز على ساحة هذا الاتجاه عددٌ كبيرٌ من المنهجيات الأدبية والكتابية المتنوّعة والتي تم تطبيقها على القرآن للوصول لبنيته الكلية ولبنية سُوَرِه وبنياتها الأدبية الأدنى وللعلاقات بين وحداته الأدبية، وكذلك لمحاولة كشف تماسكه الأدبي والتركيبي والموضوعي، والربط بين مساحاته بطرق أكثر علمية ودقة.
وتتسم هذه القراءات التي تنطلق من ذات الأساس المنهجي، بتنوّع منهجي يقوم على تنوّع الأدوات المنهجية المستخدمة في تقسيم النصّ واستكشاف بنيته الشكلية والموضوعية، ويمكن تقسيم هذه القراءات ضمن الاتجاه (التزامني) لصنفين؛ الأول: القراءات التي تنطلق من المناهج الأدبية البنيوية بصفة عامّة. والثاني: القراءات التي تنطلق من مناهج أدبية محدّدة ذات صِلَة وثيقة بالكتاب المقدّس ودراساته.
ويعدّ أبرز ممثّل عن الصنف الأوّل: أنجيليكا نويفرت، ونيل روبنسون، ومستنصر مير، حيث يتمّ تطبيق مناهج تحليل بنيوية وأدبية عامة في تحليل بنية القرآن التركيبية والبلاغية والأسلوبية، ويعدّ أبرز كتاب ضمن هذا الاشتغال هو كتاب (تركيب السور المكية، 1981) لنويفرت، والذي ينطلق من دراسة بنيوية لتركيب السور المكية أفضتْ لاعتبار السورة وحدة قرآنية فريدة تضمّ داخلها عددًا من الأنواع الأدبية الأخرى، وقد توسَّعَت نويفرت لاحقًا وطبَّقَت منهجها على بعض السور المدنية، مثل سورة آل عمران، وتَعتبر نويفرت أن السور القرآنية المكية ذات بنية ثلاثية (مقدّمة ابتهالية أو تمجيدية، متن قصصي، خاتمة تؤكد على أهمية الرسالة)، وأنّ السور القرآنية مثلها مثل القرآن يصعب قراءتها خطيًّا، حيث يمثل القرآن وسوره عملية توسعة دائمة لبنية أساسية أو نواة أساسية.
ويمتاز منهج نويفرت عن غيرها بكونها تقدِّم نظرة للسورة تربط بين البنية الشكلية والسياق التاريخي والاجتماعي؛ إِذْ تستحضر علاقة القرآن بالأُمّة الناشئة حوله، وبوظائف النصّ ضمن الـsitz im leben أي: السياق الاجتماعي والحياتي للنصّ، فضلًا عن اهتمامها بتسييق النصّ في السياق النصِّي والديني والفلسفي للشرق الأدنى بشكلٍ يكشف حوارية النصّ القرآني وَفقًا لها، كما يمتاز منهج نيل روبنسون بالالتفات لمسألة شفهية النصّ جزءًا من بنيته، ومن ثم استحضارها ضمن عملية استكشاف تقسيم السورة لوحداتها الأدبية الأدنى.
ويعدّ أبرز ممثل عن الصنف الثاني ميشيل كويبرس، والذي يقرأ القرآن من خلال منهج التحليل البلاغي/ منهج البلاغة الساميّة، وهذا المنهج هو حصيلة اشتغال دارِسي الكتاب المقدّس لطريقة نَظْم هذا الكتاب وكيفياتها، وقد استطاع مؤخّرًا رولان مينيه صوغ هذه الحصيلة في إطار منهجي متكامل، وهذا المنهج يقوم على تحليل النصوص وَفقًا لمجموعة من المبادئ الخاصّة بالبلاغة الساميّة، بذات النّسق الذي استخرجه دارسو الكتاب المقدّس من خلال تحليلهم لنصوص الكتاب المقدّس. يرى دارسو الكتاب المقدّس أنّ هذه البلاغة الساميّة مغايرة تمامًا في طريقة نَظْم نصوصها لذلك النمط القائم في البلاغة اليونانية التييتشكّل فيها الخطاب من (مقدّمة وعرض وخاتمة)، وتقوم البلاغة الساميّة على الثنائية والتجاور اللتين يتجلّى فيهما مبدأ التناظر والتوازي، وتعتمد صور معيّنة من النَّظْم؛ كالبناء المحوري والبناء المتوازي والبناء المعكوس.
وهذا المنهج يتميز بكونه ذا بنية تقنية دقيقة، حيث يشمل مجموعة من المفاهيم والمصطلحات والأدوات القابلة للتطبيق كجهاز منهجي على النصّ، وكذلك فهو يهتمّ بالبدء من الجزء إلى الكلّ، حيث يبدأ من تحليل الوحدات النصِّية الدنيا (المفردة، المفصل، الفرع، القسم، الجزء)، ثم العليا (المقطع، السلسلة، الشُّعبة، الكتاب)، ويضمّ عددًا من (مؤشّرات النّظْم)، أي تلك الروابط الدلالية التي تكشف عن تقسيم النصّ وترتيبه (التشابه في الناحية الدلالية، التشابه في الصيغ الحوارية والتركيبية، الجُمَل الحكمية والتشريعية)، والتي يستخدمها حتى يتمّ استنطاق بنية النصّ ووصفها بصورة دقيقة.
وقام كويبرس بتطبيق هذا المنهج على القرآن، لا فقط سوره المكية القصيرة، بل كذلك حاول إثبات حضور صور النَّظْم ضمن السور المدنية الطويلة، مثل سورة المائدة.
بالإضافة لهذه الدراسة لبنية النصّ الشكلية والموضوعية، نجد بعض الدارِسين مثل جورج آرتشر وسارة تليلي يستخدمون بعض المنهجيات الأدبية التفصيلية، مثل منهجية الموتيف، أَيْ دراسة الألفاظ والصور والموضوعات المتكرّرة في السورة، من أجلِ الوصول للموضوع المركزي للسور، كما تدرس سلوى العوا أدوات النصّ في الانتقال باعتبارها محدّدات أدبية لتقسيم النصّ، وقد صدر مؤخرًا كتابًا حاول ضمّ كثير من النقاشات حول أقسام السور بعنوان: "structural dividers in quran"، والذي حرّرته ماريانا كلار.
ورغم الوضوح والتماسك والتنوّع المنهجي والتطوّر الواضح للقراءة التزامنية، إلا أنها لا تخلو من إشكالات منهجية، جعلها عرضة لكثير من الانتقادات، تتعلّق هذه الانتقادات بطبيعة المنهجيات المستخدمة ومدى التعسّف في تطبيقها على القرآن، كذلك غياب بعض الأُطُر المنهجية أو عدم انضباطها أساسًا لهذه الدراسة.
في هذا السياق تَعتبر رايتشل فريدمان أنّ هذه الدراسة المنطلقة من الأفق البنيوي قد تقع في خطأ إخضاع القرآن لثنائيات حَدّية جاهزة تُفْقِد القرآنَ ثراءَه، كذلك تجاهل شفاهيته بمعاملته نصًّا مكتوبًا فقط، كذلك فإنّ هذه الدراسات وَفق فريدمان تحصُر المعنى في فضاء مُحَدَّد يتجاهل اتساع المعنى القرآني وعدم خضوعه للمنطق اللغوي البنيوي وحده، مما يجعل القراءة البنيوية وَفقًا لها حصرًا للقرآن في سياق المعقولية الأدبية المعاصرة فحَسْب وهو ما يمثّل وَفقًا لها (مخاطرة أنطولوجية)، في نفس السياق فقد نظر ترافيس زاده لهذا التأطير الأدبي للقرآن باعتباره علمنة له وتخليصًا من أبعاده الدينية اللاهوتية، أي أنه لا يعدو أن يكون حصرًا للنصّ في المجال العلماني الوحيد الممكن قراءته فيه.
كذلك طرح فلاورز استشكالًا منهجيًّا حول عدم انضباط مسألة النوع الأدبي الذي يطبق على القرآن، وعدم الاتفاق بين الباحثين على التقسيمات البنيوية للنصّ، وغياب الاستفادة من دراسات النوع والسرد التي قدّمها باختين وميلر وغيرهما في ضبط فضاء هذه الدراسة بحيث تستطيع التحوّل لدراسة منضبطة قائمة على أساس معرفة دقيقة بطبيعة «النوع الأدبي القرآني» وبالعلاقة الدقيقة بين وحداته الأدبية «أنواعه الأدبية الدنيا».
يمكننا أن نضيف لهذا انحصار معظم هذه الدراسات في الدراسة النصّية للقرآن مع تجاهل دراسات الأديان والفلسفة الدينية وفلسفة الدين، وهو ما يفوِّت على هذه الدراسات فهم موقع البيان القرآني السردي والشعائري ضمن (العالم الديني الإسلامي).
كذلك قدّمت بعض الدراسات نقدًا للتحليل البلاغي مع كويبرس، بعضها تعلّق بإشكالات تفصيلية حول معايير تقسيم النصّ ومحدّداته، وبعضها تعلّق بسياق أشمل، هو طريقة استخدام المنهج نفسه وتطبيقه على القرآن؛ إِذْ شهد هذا التطبيق بعض التعسّف والإسقاط، واعتبر هو المحدّد لاتساق النصّ، وأيّ اختلاف عن المنهج اعتُبر شذوذًا من النصّ نفسه، هذا يجعل تطبيق المنهج فرضًا لبنية خاصّة على النصّ، بدلًا عن أن يكون استكشافًا لبنية النصّ نفسه.
وبعيدًا عن هذه التعليقات المنهجية التفصيلية، التي لا تمنع إمكان (الاستفادة النقدية) من أدوات هذه المدرسة ونتاجها، بل يمكن اعتبارها تطويرًا نقديًّا لهذه الآليات، تتمثل المعضلة المركزية للقراءة التزامنية للقرآن في تحددها بنفس الأطر الناظمة للدراسة الغربية للقرآن، وعلى رأسها الفصل بين القرآن ومعناه، والاقتصار غالبًا على تصوّرٍ ضيقٍ للمعنى، هو (المعنى الأصلي) المفترض والمرتبط بالمستمعين الأوائل، وهو ما يُحِدّ من أفق القرآن الذي حاوَلَت التأويلية العربية المعاصرة -ومنها التفسير الموضوعي- استكشافه بفتح آفاق القرآن على السياق المعاصر.
ب: محاولات المسلمين في سياق الأكاديميا الغربية:
في مقابل التعامل العربي الموضوعي والاتجاه التزامني في الغرب، يحاول عددٌ من الباحثين العرب والمسلمين المعاصرين البارزين في سياق الأكاديميا الغربية كذلك، مثل: سلوى العوا، ونيفين رضا، ومحمد عبد الحليم، وسارة تليلي، وغيرهم، تقديم قراءات للسور القرآنية تنطلق من كلية النصّ المؤسَّسة عبر المناهج الأدبية الحديثة، وتستخدم الأدوات التي تتيحها هذه المناهج في استكشاف بنيته وأقسامه وعلاقاته بالنصوص الأخرى في سياقه، لكن مع استحضارٍ أكبر للجهود الإسلامية التقليدية والمعاصرة، ونظرٍ أكثر اتساعًا لمعنى النصّ وأُفقه وراهنيته يشاطرون به طموح المفسِّرين الموضوعيين.
هذا الاستحضار لمعنى النصّ الواسع وراهنيته يجعل هذه الدراسات أكثر من تجديد منهجي داخل القراءة التزامنية الغربية؛ إِذْ تصبح زلزلة عملية للأُطر الحاكمة للدراسة الغربية للقرآن، خصوصًا في النظر لعلاقة القرآن بالمعنى، وللصِّلة بين الموضوعية والمعيارية في دراسة القرآن والتفسير، وهو ما تنبّه له ولآثاره -ولو جزئيًّا- عددٌ من الدارسين على رأسهم بيتر كوبينز.
فبينما تمثّل دراسة القرآن في السياق الغربي -وكما يخبرنا الفيلسوف المغربي فتحي المسكيني في ورقته المهمة (القرآن في زمن المراجعين)- دراسة لموضوع خارجي تاريخي وليس لأفق معنى تُبنى فيه الذات، وتمثّل دراسة التفسير في هذا السياق ابتداء قراءة لنظام فكري ما لا صِلَة أصيلة له بالنصّ، فإنّ المسلم يتعامل مع القرآن أفقًا للمعنى وأساسًا مطلقًا للمعيارية، ويتعامل مع هذا التراث التفسيري حوله كـ(تقليد خطابي) -بتعبير طلال أسد الذي يستثمره كوبينز- يندرج المسلم داخله أو يقطع معه مراوحًا في اتجاه النصّ، وهذا يجعل كلّ دراسة مسلمة غربية للقرآن والتفسير موضعًا لطرح سؤال العلاقة بين (الموضوعية-الدراسة الخارجية الوصفية التاريخية) من جهة، و(المعيارية- الدراسة المنطلقة من النظر للنصّ كمعيار فوق التاريخ ومن النظر للتفسير كتقليد لبناء المعنى) من جهة أخرى كما يرى كوبينز.
فدارسو القرآن أو دارسو تفسيره هاهنا ليسوا مستشرقي القرن التاسع عشر الذين يعيشون تجاه موضوعهم ومجتمعهم (هامشية مزدوجة) بتعبيرات جعيط، فيفصلون في قراءتهم القرآن بين (النصّ وثيقة تاريخية)، و(معناه) المنتج في سياق آخر بعيد، تاريخيًّا أو جغرافيًّا، ويقدّمون قراءة خارجية برانية للنصّ، بل يمثّلون في حقيقة الأمر نخبًا أوروبية مسلمة تحمل همومًا اجتماعية حديثة، وهم يقاربون القرآن من داخله ومن داخل علاقتهم به، منطلِقين من كلّ هذه الهموم ومن البحث عن رؤى معيارية تمثّل أساس بلورة صورة من الإسلام مناسبة للعصر الحديث ومختلفة عن الصور الاستشراقية الكلاسيكية حول الإسلام، إلا أنّ هذه الرؤى منتجة ضمن حدود الأكاديميا الغربية وداخلها وتستخدم أدواتها بالضرورة؛ لذا فإنها تمثِّل تساؤلًا عن تصوّرات الدراسات الغربية للقرآن، وزلزلةً في العلاقات التي استقرت بين حدود هذه الظاهرة.
يعتبر كوبينز أنّ الحلّ لهذه المعضلة بين المعيارية والموضوعية، يكمن في تبنّي هؤلاء الدارسين لـ(رؤية معيارية منفتحة تاريخيًّا)، أي رؤية تنبع من التفاوض مع التقليد الإسلامي الطويل وتستحضر البيانات التاريخية الموضوعية لتاريخ النصّ وتاريخ تلقّيه كجزء من عملية بلورة رؤيتها المعيارية الخاصّة. إلا أن نظر كويبنز يظلّ جزئيًّا؛ إِذْ لا يتلفت لكون معضلة المعيارية والموضوعية أو النصّ-الوثيقة والمعنى هي معضلة مضاعفة، ولا ينتبه لأثرها الواسع على حدود الدراسات الغربية للقرآن.
فمسألة تقديم قراءة غربية مسلمة للقرآن لا تمثّل تفاوضًا مع التقليد الإسلامي وحده ولا ضبطًا لمعيارية القرآن وتفسيره تاريخيًّا وفق محدّدات العقل العلمي الحديث فحسب كما قد يُفهم من حديث كوبينز، بل إنه كذلك يمثّل تفاوضًا مع التقليد الدراسي الغربي نفسه -وهي النقطة التي لم يدرسها كوبينز، فإذا كان هذا التقليد الغربي يُمثِّل المساحة الوحيدة المقبولة لدراسة القرآن غربيًّا كما يفهم من تعليقات بروس فودج على تفسير سيد حسين نصر (القرآن الدراسي) -حيث انتقد كون عمل الكتاب لم يعتمد بصورة كبيرة على الدراسات الغربية في دراسة القرآن-، أو المساحة الوحيدة العلمية والأكاديمية لدراسة القرآن والتفسير كما قد يفهم من أندرو ريبين= فإن إدخال بُعد (المعيارية) في المعادلة من قِبَل هؤلاء الدارسين المسلمين سيمثِّل -وقبل كلّ شيء- نوعًا من التفاوض مع هذا التقليد الدراسي نفسه بصورته النمطية عن القرآن (كمجرد وثيقة تاريخية لا كمعيار أو أفق معنى)، وعن المعرفة الإسلامية التراثية وموثوقيتها وحدودها وفاعليتها (معرفة غير موثوقة ينبغي عزلها عن النصّ لفهمه)، وعن مركزية الدرس الغربي كإطار وحيد مقبول لفهم القرآن، هذا يعني أن ما يسميه كوبينز «رؤية معيارية مستنيرة أو منفتحة تاريخيًّا» ويطرحه كحلّ للمعضلة لا يمثّل فحسب تعديلًا في (الرؤية المعيارية) التي يحملها الدارسون المسلمون لتتوافق مع الدرس الغربي الحديث عبر استحضار البيانات والحقائق التاريخية وعدم تجاهلها مما يمكن من انضواء هذه الدراسات داخلها، بل تمثّل هذه الرؤية المقترحة فرضًا لتعديلٍ في نمط الدراسة الغربية نفسه ونظرتها للقرآن والتفسير.
إنّ هذه الدراسة الغربية (الموضوعية) لم تخلُ يومًا من (معيارية) ما كما تقول يوهانا بينك، وقد كانت هذه المعيارية معيارية تقييمية نافية للآخر ومموضعة له وناكرة لحقّه في تأويل نصّه المقدَّس وعازلة له عنه كما يخبرنا ماديغان، مما يمكّننا من القول إنّ (موضوعيتها) المفترضة ذاتها مليئة بـ(المعيارية) المتحيزة تجاه الآخر، ألا يمكن القول في ضوء هذا أنّ كلّ محاولة من قِبَل الدارسين المسلمين لخَلْق «رؤية معيارية منفتحة تاريخيًّا» -كما يطرح كوبينز- هي في ذات الوقت إعلان لرؤية معيارية نابعة من الذّات هذه المرّة ومن محاولة استعادة نصّها-أفق المعنى الخاصّ بها، وبالتالي فإنها تقدِّم مُدخلًا جديدًا في الدراسة الغربية للقرآن، مدخلًا يوشك أن ينتقل بدراساتها من (التأويلية السلبية أو الضغائنية) بتعبيرات المسكيني التي (تموضع) النصّ المؤسّس وتحوّله لمحض وثيقة لا أفق معنى لها، وتدرسه بشكل (براني وسلبي) وتنفي التقليد الناشئ حوله، إلى (تأويلية موجبة) ورحبة تستلهمه أفقًا ممكنًا للمعنى ومصدرًا لسياسة الحقيقة وتدمج تقاليد تلقّيه التاريخية أصواتًا متعدّدة ومقبولة وشرعية للفهم؟!
لذا فإنّ رهانات هذه الدراسات وآفاقها أوسع كثيرًا مما افترض كويبنز، وقدرتها أشمل على إعادة تعريف حقل الدراسات القرآنية الغربية، رغم هذا فإنّ هذه الدراسات تقف عند حدّ التفاوض العملي، ولا تفصح نظريًّا عن بنية منهجية مغايرة.
منهجية جديدة مقترحة لاستكشاف بنية السورة وموضوعها:
تهدف القراءة المقترحة هنا لتجاوز غياب المنهج في التفسير الموضوعي وتجاوز عملية الفَصْل بين القرآن ومعناه وتحويله لنصّ-وثيقة في الدراسات الغربية، إلا أنها تختلف كذلك عن دراسات المسلمين في السياق الغربي، في تعميقها الخلاف النظري مع الدراسات الغربية التزامنية، والذي يتعلّق بالأُطُر الناظمة لحقل الدراسات الغربية للقرآن عمومًا، أي تحديد هذا الحقل للمقصود بـ(تاريخ النص) و(بنيته) و(معناه) -المساحات الثلاث الرئيسة لاشتغاله؛ إِذْ نبني لهذه المساحات تحديدًا مختلفًا، يستفيد من توسّع الدراسات اللسانية ودراسات الأديان، فينقل القرآن من أفق الدراسة النصّية لحقل الدراسات القرآنية الغربية، الذي يبرز في (التاريخ) و(البنية الأدبية) و(الوظيفة الاجتماعية) أطرًا للدراسة، إلى أفق الدراسات الدينية، الذي يبرز في (بنية الدِّين الأساس) و(تأسيس العالم الديني) و(الوظيفة الشعائرية الإنجازية للنصّ)، وفيما يأتي تفصيل هذا التحديد المقترح.
أولًا: السياق التاريخي للقرآن:
أ- نهتمّ في قراءتنا للسور باستحضار السياق التاريخي لها، على خلاف التردّد في هذا في التفسير الموضوعي؛ إِذْ نقرأ السورة في سياقها التاريخي ضمن تاريخ القرآن في سياق الشرق الأدنى القديم المتأخّر عصرًا معرفيًّا تأويليًّا، إلا أنّ هذه القراءة لا تقوم على البحث الفيلولوجي عن أصول النصوص ومصدر مفترض للقصص والمفاهيم القرآنية مثلما شاع في الدراسة الغربية الكلاسيكية وبعض الاتجاهات المعاصرة، بل على النظر لموقع النصّ في «بنية الدِّين الأساس»؛ إِذْ يؤسّس النصّ العالم الديني الإسلامي في مقابل أو في مواجهة العوالم الدينية والنصّية في هذا السياق، عبر الجدل التناصي مع هذه العوالم، ويعتبر (التناص) أو (التعالي النصّي) مفهومًا جامعًا للعلاقات بين النصوص «معمارية النصّ/ جامع النصّ، التناص الداخلي، الميتانصّانية، المُناصَّة، النصّ اللاحق أو الاتساع النصّي أو (التعالق النصّي)»، ويعدّ مفتاحًا مهمًّا لفهم الصِّلَة بين القرآن ونصوص الشرق الأدنى، حيث يشير للتصرّف القرآني في الكثير منها لإبراز رؤاه الخاصّة في مواجهة رؤى متديِّني الشرق الأدنى، وهو أداة مستخدمة بالفعل من قِبَل الكثير من الدارِسين المعاصرين في تفاوتٍ بينهم على مدى احترام بنية النصّ الخاصّة و(مرجعيته الذاتية)، ونحن هنا ننطلق من كون هذه الاستعادة التناصية أو الحوار التناصي قائمًا أصلًا على النظر للقرآن مركزًا لـ(بنية الدِّين الأساس)، حيث لا يتعلّق هذا فحسب بسمة هذا العصر (عصرًا تأويليًّا) يقوم باستعادة النصوص وتفسيرها في ضوء مشاغل معاصرة، أو بطبيعة النصوص التوحيدية نصوصًا تسعى للهيمنة النصّية والتفسيرية على «الكتب السابقة»، بل بطبيعة الإسلام «دين مضاد»، دين يمعن في إبراز اختلافه عن غيره من (التأسيسات الأخرى للعالم).
ب- كذلك نفترض أنّ هذا السياق الديني والنصِّي الذي يتموضع فيه النصّ صراعيًّا وحواريًّا يتّسع عن الوثنية والكتابية والذي طالما حصرته فيهما الدراسات الغربية؛ إِذْ يشمل هذا السياق عبادة الطبيعة والتوحيديات غير الجذرية.
ج- يمثّل السياق التاريخي الخاصّ للسورة أو لمجموعة سور، مفتاحًا قد يلقي بعض الضوء على موضوعها، وإن كان هذا لا يعني انحصارها في هذا السياق وعدم تجاوزها له ضمن تأسيسها للعالم الديني، ونعتمد في تحديد سياق السور على قوائم السّور التاريخية الموجودة في التراث الإسلامي وفي التقسيم الاستشراقي المعاصر الرباعي لمراحل السور «مكية مبكرة، مكية وسطى، مكية متأخرة، مدنية».
ثانيًا: بنية النصّ:
أ- نهتم بقراءة البنية الشكلية والموضوعية للسّور محدّدًا أساسًا لفهمها، في مقابل تجاهل التفاسير الموضوعية -ومعظم قراءات التأويلية العربية المعاصرة- لهذا، إلا أنّ قراءتنا لبنية السور على اعتبارها مجرّد بنية نصّية مغلقة مثلما يشيع في معظم دراسات الاتجاه التزامني، بل ننظر لها بنية لغوية-فعلية أو إنجازية مثلما يعبّر جون أوستن، ما يعني ضرورة النظر لدورها الإنجازي في بناء (العالم الديني) ضمن العالم العادي (الطبيعي والتاريخي)، وأنّ هذا الدور هو المعنى الأعمق لـ(شعائرية القرآن).
ب- ننظر لبنية السورة باعتبارها بنية فراغية حلقية، وهذه الوحدة شائعة الاستخدام والقبول من الدارِسين، خصوصًا في تحليل السور المكية، حيث افترضت نويفرت -كما أسلفنا- خضوع سور المرحلة المكية الوسطى لبنية ثلاثية (مقدمة - سرد/قصص - خاتمة)، وبعضهم طبّق هذه الوحدة ذاتها على السور المدنية الطويلة، مثلما فعل ريموند فارين ممازجًا لها بالتركيب المحوري عند كويبرس، إلا أنّنا -وكما وضحنا في سياق آخر- نستخدمها (أداة استكشافية)، قابلة للتعديل والتشكيل في ضوء (المراوحة التأويلية) -بتعبيرات شلايرماخر- في فهم علاقة الجزء بالكلّ داخل السورة.
ج- كما ننظر للوحدة الشكلية الفراغية للسورة، من خلال علاقتها بتأسيس العالم الديني؛ إِذْ تمثّل السورة بتشابكها مع التاريخ والطبيعة إحاليًّا، تأثيثًا فراغيًّا للكون العادي الطبيعي والتاريخي وللجسد في اتجاه الكلمة.
د- لا نقتصر في الوصول لموضوع السورة على التأمّل الكلي لها، بل نعتمد في الوصول لموضوع السورة على الجمع بين التحليل الموضوعي أو تحليل الثيمات في نظر كلِّي، ومنهجية (الموتيف)، أي التتبّع الجزئي لـ(الموضوع، الصور، الألفاظ المتكررة)، يساعدنا هذا في استكشاف الثيمات المتنوّعة للسورة والوقوف على العلاقة الشكلية والموضوعية بينها، لا باعتبارها قضايا جزئية ضمن موضوع كلي، بل باعتبارها مجموعة خطابات أو أنواعًا أدبية متعدّدة ومتنوعة ومتحاورة تؤسِّس لمعنى كلي هو محور أو عمود السورة بنية أدبية فريدة.
هـ- ننظر لكلّ مقطع من مقاطع السورة باعتباره وحدة موضوعية، تتشكَّل من الأنواع الأدبية الأدنى داخله، مثلما يرتبط مع الخطابات/الأنواع الأدبية الأخرى في تشكيل الموضوع الكُلِّي للسورة، وفقًا لِمَا اقترح آدم فلاورز مستندًا على باختين وميلر في علاقة الأنواع الأدبية ضمن محفل سردي.
و- ننظر لكلّ قسم من أقسام السورة باعتباره (وحدة موضوعية)، تبرز في النوع الأدبي والموضوع و«حدود الكلام».
ثالثًا معنى النصّ:
أ- لا ينحصر معنى النصّ فيما يُعرف بـ(المعنى الأصلي) أو المعنى العتيق في الدراسات الغربية، أي المعنى الذي فهمه المستمعون الأوائل، بل يمثِّل الوصول لهذا المعنى مجرّد خطوة أولية في استكشاف (العالم الديني) الذي يبنيه أو يخلقه النصّ أمامه.
ب- لا يقتصر معنى النصّ على المعنى (الكلامي) و(الفقهي) -الذي انحصرت داخله معظم المقاربات العربية والإسلامية المعاصرة، بل يتخطى هذا للمعنى السردي والجسدي والانفعالي والشعائري.
ج- نحاول الاستفادة في فهم معنى السورة من أفق تلقّيها، سواء التفسيري، أو غير التفسيري؛ مثل التلقّي الشعائري والجمالي والجسدي، أو ما يسميه شهاب أحمد بـ«السياق» جزءًا من بنية النص، فتحرك هذا الأفق داخل «العالم الذي يخلقه النصّ أمامه»، يجعله بابًا يمكن الاستفادة منه في فهم النصّ، يدخل في هذا الأحاديث والأخبار حول فضائل السور وخواصها.
د- نحاول الاستفادة من دراسات الأديان وفلسفة الدِّين والفلسفة الدينية الظاهراتية والتأويلية في فهم موضوعات القرآن الذي هو بيان عن العالم الديني الإسلامي، لتجاوز انحصار الدراسات المعاصرة في الإطار النصِّي، وللاقتراب من الموضوعات التي تشكِّل الهمّ الأساس لنسيج النصّ وسياقه والمتلقِّين له.
هـ- يمثّل الانتقال نحو ربط النصّ بالواقع، انتقالًا من القراءة الداخلية للنصّ والتي تُوصلنا إلى (تفسيره9، نحو (الفهم) بالمعنى الريكوري، والذي يعني فتح النصّ على العالم الذي يخلقه أمامه.
هذا التحديد للمقصود بـ(التاريخ) و(البنية) و(المعنى)، يساعد منهجيتنا في تجاوز تجاهل التفسير الموضوعي دراسة بنية النصّ نفسه شكليًّا، وتجاهل الكثير من دراساته استحضار السياق التاريخي، كذلك يجعلها متجاوزة لتفويت الاهتمام بمعنى القرآن وبالأبعاد المعقّدة لهذا المعنى، سواء في الدراسات العربية أو الغربية، ما يجعل هذه المنهجية محقّقة لأطر الدراسة النصّية للقرآن، أساسًا وعاصمًا منهجيًّا للدراسة، لكن مع تجاوز هذه الأُطر نحو استكشاف أوسع لمعنى النصّ خالقًا نمطًا خاصًّا للوجود وفضاءً تأويليًّا هائلًا.
خاتمة:
حاولنا في هذا المقال عرض ملامح منهجية مقترحة لقراءة السورة القرآنية شكليًّا وموضوعيًّا، فعرضنا للمحاولات العربية والغربية في القراءة الموضوعية للقرآن، وأوضحنا بعض المشكلات المنهجية في هذه القراءات، ثم عرضنا أساسَ منهجيةٍ تحاول الاستفادة من هذه المنهجيات بشكلٍ نقدي يتجاوزها.
وتتيح لنا هذه البنية المنهجية النقدية، الجمع بين عملية القراءة الداخلية للسورة، والتي تقوم على قراءتها وفق المحدِّدات النصّية الداخلية تحقيقًا لـ(اقتصاد التأويل) بتعبيرات إيكو، وبين عملية الفهم التي تتمثَّل في استكشاف (العوالم الممكنة) أي الأبعاد التي يفتحها النصّ أمامه والمتعلقة بالعالم الديني الذي تخلقه؛ تحقيقًا للانتقال من (التأويلية السلبية) التي حكمت الدراسة الغربية للقرآن -وفق المسكيني- إلى (التأويلية الموجبة) والرحبة.
مثل: فضائل القرآن لابن كثير، وفضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام، وفضائل القرآن للنسائي.
الإنسان والقرآن وجهًا لوجه، التفاسير القرآنية المعاصرة، قراءة في المنهج، أحميدة النيفر، دار الفكر، دمشق، ط1، 2000، ص18.
على أساس معيار (الصلة بالتقليد) صنّفنا القراءات المعاصرة إلى: قراءات (تقليدية) وقراءات (خارج التقليد)، وقسمنا الأخيرة إلى: (قراءات ضد التقليد)، ومقصود بها القراءات التي لا تنشغل بصورة كبيرة بقضية تأسيس المنهج ولا تُجْرِي نقاشًا منهجيًّا مع الطرائق التقليدية في التفسير، بل إنها تتخفَّف من الأدوات التراثية وتحاولُ إنجاز طريقة جديدة في التفسير، جِدتها مضمونية واتجاهية في الغالب، أي تتعلّق بمضامين التفسير وبالاتجاه العام لها -وربما ظرفية وانفعالية كذلك تتعلّق بالردّ على إحراجات فكرية غربيّة-، أمّا في المنهج فكانت جِدتها في معظمها سلبية، تعمل على (تنقية) القرآن من صدأ الخرافات والإسرائيليات وتجريد تفسيره من ثِقَل الاصطلاحات الفنيّة.
ثم مجموعة (القراءات التأويلية المعاصرة) التي تطوّرت في اتجاه ملء الفراغ المنهجي بمنهجيات جديدة تواجه الشرعية العلمية والكفاءة العمليّة للطرائق القديمة (التقليد)؛ إمّا بتطوير منهجيات قرآنية، وهذه نطلق عليها (قراءات المناهج القرآنية)، أو باستحداث منهجيات حديثة استفادت فيها من المنجَز المعرفي الغربي، وهي ما نعبِّر عنه بـ(القراءات الحداثية). انظر: القراءات الحداثية للقرآن (1) مدخل: المحددات الرئيسة للقراءات الحداثية للقرآن، طارق حجي، موقع تفسير.راجع: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، فهد الرومي، الرسالة، ط3، بيروت، 1997، (3/ 862).
يمكن النظر لقراءة الطباطبائي للقصص القرآني في تفسيره الميزان، باعتباره قراءة موضوعية؛ إِذْ يتناول القصة كاملة موضوعًا، وإن كان يمكن النظر له تفسيرًا للقرآن بالقرآن، مع التداخل بين المصطلحَيْن.
راجع: السنن التاريخية في القرآن، محمد باقر الصدر، دار إحياء التراث العربي، ط1، 2011.
انظر: منهج التفسير الموضوعي للقرآن، نظرة نقدية، سامر رشواني، دار الملتقى، سوريا، 2010، ص321. التفسير الموضوعي ومنهجية البحث فيه، زياد خليل الدغامين، دار عمار، ط2، القاهرة، ص232.
راجع: منهج التفسير الموضوعي للقرآن، نظرة نقدية، سامر رشواني، ص:41- 45.
في حين اعتبر الفراهي اسم السورة مفيدًا في تحديد موضوعها في بعض الحالات، رأى الغزالي أنّ اسم السورة لا يلزم أن يساعد في تحديد موضوعها، فالموضوعات غالبًا متشعّبة مستفيضة، أمّا الأسماء فذات دلالات جزئية. راجع: نحو تفسير موضوعي لسور القرآن، محمد الغزالي، الشروق، ط4، القاهرة، 2000، ص70.
راجع: منهج التفسير الموضوعي للقرآن، نظرة نقدية، سامر رشواني، ص:45، 46.
نحو تفسير موضوعي لسور القرآن، محمد الغزالي، ص5.
منهج التفسير الموضوعي للقرآن، سامر رشواني، ص321.
دلائل النظام، عبد الحميد الفراهي، المطبعة الحميدية، 1968، ص:80، 81.
يمكن اعتبار الجدل النظري الذي قدّمه سبحاني في بعض كتبه، مثل: (محاضرات في علم نظام القرآن)؛ تكرارًا لجدالات الفراهي نفسها أكثر من كونها تطويرًا لها. محاضرات في علم نظام القرآن، محمد عناية الله أسد سبحاني، الدار المغربية للنشر والتوزيع، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 2026.
راجع: الوحدة البنائية للقرآن المجيد، طه جابر العلواني، دار الشروق، ط1، القاهرة، 2005.
راجع: طه جابر العلواني وإعادة تأسيس علوم الأُمّة، طارق حجي، موقع تفسير.
راجع، تفسير سورة الأنعام، طه جابر العلواني، دار السلام، القاهرة، ط1، 2012.
راجع: السنن التاريخية في القرآن، محمد باقر الصدر، دار إحياء التراث العربي، ط1، 2011.
هناك محاولة مهمّة في سياق التفسير الموضوعي عمومًا، وهي محاولة فضل الرحمن مالك في كتابه: (المسائل الكبرى في القرآن)، تتميّز مقاربة مالك باستخدام منهج لساني متماسك هو منهج الياباني أيزوتسو عن الحقل الدلالي والسطوح الدلالية والكلمة المفتاحية، فضلًا عن تطوير هذا المنهج بتخليصه من ضيقه اللّساني الذي قد يُفضي لاعتباطية في اختيار الموضوعات عبر الكلمات المفتاحية، عن طريق اهتمام فضل الرحمن بالموضوعات المركزية العقدية-التشريعية، بالإضافة لاعتماد منهجية تجمع بين القراءة الكلية للنصّ واستحضار السياق التاريخي العام والظرفي، من أجلِ تحديد هذه الموضوعات، إلا أنّ محاولة فضل الرحمن بعيدة عن موضوعنا هنا؛ إِذْ تتعلّق بالقراءة الموضوعية للقرآن، وليس للسور. للتوسّع راجع: فضل الرحمن مالك والتأويلية الناجزة، طارق حجي، موقع تفسير.
لذلك ربما كانت أكثر التجارب قدرة على تأسيس منهج متماسك للتفسير الموضوعي، هي تجربة أمين الخولي ومدرسة الأمناء؛ لأنها انطلقت من رؤية تنطلق من دراسة النصّ القرآني أدبيًّا، أي أنها امتلكت أداة تحليلية واضحة.
يمكن الإشارة لبعض الدراسات العربية المعاصرة المتخصّصة في اللسانيات والتي تطبّق الكثير من الأدوات المعاصرة من حقول اللسانيات وعلم النصّ والخطاب على القرآن -وقد استخدمنا بعض نتائجها في بحث سورة الكهف- إلا أنّ هذه الدراسات تخضع غالبًا للتجاهل من قِبَل الدارِسين، بسبب أنها ليست جزءًا من حقل الدراسات القرآنية بإشكالاته الخاصّة، وإنما جزء من تخصّص اللسانيات وعلوم النصّ، كذلك لا تنطلق هي نفسها لمحاولة المشاركة في مساحة التأويلية العربية المعاصرة.
في دراسته للدكتوراه حول ميشيل كويبرس، اعتبر الباحث خليل محمود اليماني أنه يمكن الاستفادة من منهج التحليل البلاغي في ضبط الدراسة الموضوعية للسور التي تتسم بقدرٍ من عدم الانضباط المنهجي، عن طريق الاستفادة من خطواته الواضحة في تحديد موضوع السورة والتناسب بين أجزائها، والرسالة غير منشورة بعد، وقد اطلعت عليها بالتواصل مع الباحث.
انظر: القارئ في الحكاية، التعاضد التأويلي في النصوص الحكائية، أمبرتو إيكو، ترجمة: أنطوان أبو زيد، المركز الثاقي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط1، 1997، ص:77، 78، 79.
يُدرس القرآن في السياق المعاصر نصيًّا عبر دراسة مساحات ثلاث: (ما قبل النصّ، النصّ، ما أمام النصّ)، ويعني هذا داخل المنظور المعاصر، تاريخ النصّ (سياقه النصِّي، ومسيرة تشكّله التاريخي منذ أن كان مجموعة من البلاغات الشفهية إلى أن تم جمعه ونشره كـ"نص معتمد ذي سلطة")، وبنيته، ومعناه (الكلامي والفقهي بالأساس). راجع بحث: الدراسات العربية والغربية للقرآن، قراءة في منجز تصنيف الدراسات، وطرح تصنيف جديد، واستكشاف واقع الدراسات، طارق حجي، موقع تفسير.
راجع: تحقيب حقل الدراسات الغربية للقرآن، قراءة في المنجز، وتحقيب جديد مقترح، طارق حجي، موقع تفسير، ص٦٣-٦٩.
راجع: تحقيب حقل الدراسات الغربية للقرآن، قراءة في المنجز، وتحقيب جديد مقترح، طارق حجي، ص٥٢.
تحقيب حقل الدراسات الغربية للقرآن، قراءة في المنجز، وتحقيب جديد مقترح، طارق حجي، ص١٠٧-١٠٩.
يُرجِع بعض الباحثين نشأة هذا الاتجاه إلى فضل الرحمن مالك في كتابه: (المسائل الكبرى في القرآن)، وإيزوتسو في كتابه: (الله والإنسان في القرآن)، وفي ظنّنا يصعب دمج الدراستَيْن ضمن تطوّر العمل الغربي على بنية القرآن، فكتاب فضل الرحمن هو محاولة لبلورة تأويلية للقرآن أكثر من كونه كتابًا في الدراسة الأدبية البنيوية للنصّ، أمّا الدراسة اللسانية البنيوية التي قدّمها إيزوتسو فإنه لا يمكن اعتبارها جزءًا من الدراسة الغربية للقرآن من الأساس. انظر:
WESTERN STUDIES OF THE QUR’ANIC NARRATIVE: from the Historical Orientation into the Literary Analysis, Munirul Ikhwan, Al-Jami‘ah, Vol. 48, No. 2, 2010 M/1431 H, p: 401
حيث يرى كثير من الباحثين المعاصرين أنّ عملية القراءة الموضوعية للقرآن والتي تمّت في السياق العربي والإسلامي المعاصر، بما فيها من محاولات دقيقة مثل محاولات الفراهي والإصلاحي لتحديد (عمود السورة)، هي محاولات تسيطر عليها الذاتية وعدم الدقة، وأنّ تحديد تركيب السورة القرآنية لا بدّ أن يتمّ وَفق أدوات أكثر موضوعية تتعلّق بالبنى والتراكيب وأدوات الربط والتقسيمات النصّية البنيوية المعهودة في الدراسات الأدبية والكتابية.
اعتبرت نويفرت أنّ السورة من الناحية الأدبية هي وحدة فريدة مختلفة عن النصوص في الكتاب المقدّس؛ إِذْ بينما يمتاز في الكتاب المقدس الأسفار التاريخية عن التشريعية عن المزامير، فإنّ القرآن يجمع كلّ هذه الخطابات والأنواع الأدبية ضمن السورة.
لا يمكن تجاهل الأثر الكبير الذي تركته ترجمة أعمال الفراهي وإصلاحي على هذه المدرسة بالذّات ضمن الاتجاه التزامني العام، وكذلك الدراسات التي قدّمها مستنصر مير حول أعمالهما، حيث نجد اهتمامًا لدى روّاد هذه المدرسة مثل روبنسون بأفكار النَّظْم وعمود السورة ومسألة التماسك التركيبي والموضوعي للسور بل والعلاقة بين السور، والذي طرحه العلّامتان الهنديان.
بدأت في السنوات الأخيرة بعض الدراسات العربية والإسلامية الاهتمام بهذه المدرسة ونتاجها، خصوصًا اشتغال ميشيل كويبرس، حيث نجد بعض البحوث حول منهج كويبرس، والتي يقوم بعضها بمساءَلة إمكانية تطبيق هذا المنهج على القرآن، ومدى ملاءمته للنصّ، وهل تطبيق كويبرس لمنهجه على القرآن يتمّ بشكلٍ يناسب طبيعة القرآن بحيث يكون هذا التوافق ناتجًا عن تحليل بنية النصّ أم يفرض كويبرس منهجه على القرآن بشكلٍ لا يخلو من تعسّف، كما تحاول بعض هذه الدراسات الإفادة من هذا المنهج واستثماره في دراسة نَظْم القرآن مع بعض تعديلات، وبعضها يفيد من نتائج اشتغاله ويستثمرها في طرح فرضيات جديدة حول طريقة نَظْم القرآن، لإقامة حوار بين اشتغال كويبرس والاشتغال الإسلامي التراثي والمعاصر عن النَّظْم؛ بحثًا عن تسييق لإشكال النَّظْم داخل سياق الإشكالات الإسلامية المتعلّقة بعلم التفسير.
نذكر في هذا السياق، بعض الدراسات:
1- دراسة نَظْم القرآن، قراءة في المنجز وآفاق الاشتغال، مع طرح فرضية لنَظْم القرآن، خليل محمود اليماني.
2- منهج البلاغة الساميّة في دراسة بنية القرآن الكريم؛ دراسة وصفية تحليلية، محمد يسلم المجود.
3- منهج البلاغة الساميّة في دراسة بنية القرآن الكريم؛ دراسة تطبيقية على سورة الحجرات، محمد يسلم المجود.
والدراسات الثلاث منشورة على موقع تفسير.مساءلة التفسير البنيوي للقرآن، رايتشل فريدمان، ترجمة: أمنية أبو بكر، ص36.
المنعطف الأدبي في دراسات القرآن، ترافيس زاده، ترجمة: هدى عبد الرحمن، موقع تفسير.
راجع: إعادة النظر في النوع الأدبي للقرآن، آدم فلاورز، ترجمة: أمنية أبو بكر، موقع تفسير.
انظر: دراسة نظم القرآن: قراءة في المنجز وآفاق الاشتغال، مع طرح فرضية للنظم القرآني، خليل محمود اليماني، موقع تفسير، ص93، 94.
لا يعتبر كشف معنى النصّ مهمّة من مهمات القراءة التزامنية بالضرورة، وفي العموم لا تهتمّ الدراسة الغربية بمعنى للنصّ أبعد من المعنى العتيق أو الأصلي، إلا أنّ بعض الدارسين يمضون في خطوة التفسير محاولين فهم الدلالة الأوسع للآيات، مثلما نجد مع كويبرس.
انظر: موضعة القرآن في الفضاء المعرفي للعصور القديمة المتأخرة، أنجيليكا نويفرت، ترجمة: أمنية أبو بكر، موقع تفسير.
القرآن في زمن المراجعين، المسكيني، ص:417، 418.
دراسات التفسير الغربية ومعضلة المعيارية، بيتر كوبينز، ترجمة: مصطفى هندي، موقع تفسير.
راجع: الدراسة الغربية للتفسير ومعضلة المعيارية، بيتر كوبينز، ترجمة: مصطفى هندي، موقع تفسير.
راجع: دراسة القرآن أم القرآن المفسّر، بروس فودج، ترجمة: إسلام أحمد، موقع تفسير.
للتوسّع، راجع: عرض كتاب مرجع أكسفورد في الدراسات القرآنية، طارق حجي، موقع تفسير.
دراسات التفسير الغربية ومعضلة المعيارية، بيتر كوبينز، ترجمة: مصطفى هندي، موقع تفسير.
New trends in qur'anic studies, Munʾim Sirry, editor, Lockwood Press, Atlanta, Georgia, 2019, p: 3.
لا تشير الذّات هنا إلى بنية مغلقة، بل إلى فضاء تأويلي وسردي منفتح على التاريخ الحي والآخر كما يفهم من ريكور.
تفكيك كولنيالية الدراسات القرآنية، جوزيف لمبارد، ترجمة: حسام صبري، موقع تفسير.
الاهتمام بالسياق التاريخي للنصّ، يتماشى مع طبيعة الدراسات النصّية المعاصرة، التي تحدّد مقومات النصّ في: الاتساق والتماسك والقصدية والمقبولية والإخبارية والمقامية والتناص، فالإخبارية والموقفية والتناص تتعلّق بـ(ما قبل النصّ)، ويعتبر مفهوم السياق التاريخي أشمل من أسباب النزول؛ إِذْ يتعلّق بالسياق التاريخي والنصّي والمعرفي المحيط بالنص والذي يواجهه النصّ ويتفاعل معه، إلا أنّ استحضار هذا السياق لا يعني انحصار النصّ فيه، كذلك فإنّ النظر لهذا السياق سياقًا لـ(تأسيس العالم)، يخرج بتوظيفه عن حدود الدراسات النصّية. انظر: النصّ والخطاب والإجراء، روبرت دي بوجراند، ترجمة: تمام حسان، عالم الكتب، ط2، القاهرة، 2007، ص:103- 105.
يسيطر على الدراسة الاستشراقية الكلاسيكية لعلاقة القرآن بالكتب السابقة، النظر لهذه العلاقة علاقة انتحال أو تأثّر، وتميل لتفكيك القرآن على عناصره الأصلية المفترضة، راجع: تحقيب حقل الدراسات الغربية للقرآن، قراءة في المنجز، وتحقيب جديد مقترح، طارق حجي، موقع تفسير، ص70-75.
هذه البنية تتكوّن من (ثلاثة أوجه) متشابكة، هي المعتقد والسرد والشعائر، أو النظام العقدي والنظام السردي (بما هو أشمل من القصص النبوي، حيث يشمل الأمثال، والحديث عن الأصل والمآل) والنظام الشعائري (بما هو أشمل من العبادات، حيث يشمل الأزمنة المقدّسة والأماكن المقدّسة)، وتقوم دراسة أيّ دين بالأساس على تفسير وفهم هذه (الأوجه)، هذا التقسيم الثلاثي يمكن استفادته من إلياد، كما نجده لدى فراس السواح، وهو قائم على دراسة ظاهراتية للدِّين، نجد عند سمارت تقسيمًا مغايرًا حيث يتحدّث عن سبعة أبعاد للدِّين، فيضيف لهذه الثلاثة، الخبرة، الأخلاق، البُعد الاجتماعي، البعد المادي، إلا أنه يعود فيربط البُعد الاجتماعي بالخبرة والطقس، كذلك فإنّ البُعد المادي يمكن اعتباره تمظهرًا لبقية الأبعاد وليس بُعدًا منفصلًا، كذلك فداخل كونٍ توحيدي فإنّ الأخلاق تمثّل جزءًا مركزيًّا من العالم الديني يبرز حضوره في الشعائر والقصص والمعتقد. انظر: اللغة الدينية: دليل لدراسة فلسفة الدِّين، ستيفن لوكستن، ترجمة: كيان أحمد حازم يحيى، دار الكتاب الجديد، ط1، بيروت، 2021، ص:72، 73، 74، راجع: المقدس والمدنس، مرسيا إلياد، ترجمة: عبد الفتاح هادي، دار دمشق، ط1، 1988، ص:26، 58- 59، وانظر: دين الإنسان، بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني، فراس السواح، منشورات دار علاء الدين، ط4، سوريا، 2002، ص:47- 70.
هذا وفقًا لترسيمة جينتيت للتناص. راجع: الرواة والتراث السردي، من أجلِ وعي جديد بالتراث، سعيد يقطين، المركز الثقافي العربي، ط1، 1992، ص23.
يدرس ستيف باورز وفايرستون العلاقة بين التوحيدية الإبراهيمية وفكرة الكتاب وفكرة الختم بشكلٍ مكثّف باعتبارها مفاهيم شديدة الترابط، ويفترض فايرستون أنّ فكرة الختم مرتبطة تمامًا بفكرة الكتاب واعتماده كنصّ ذي سلطة وأن هذه الفكرة محورية في الدِّين الإبراهيمي، فليس ثمة دين إبراهيمي دون كتاب مصيره الإغلاق والختم، وأنّ التجلّي الأوسع والأشمل لهذه العلاقة يوجد في الإسلام وفي القرآن، راجع:
THE PROBLEMATIC OF PROPHECY, Reuven Firestone, International Qur’anic Studies Association. 2015.
عملية تأسيس العالم الديني ليست مجرّد مسألة نصّية، بل هي مسألة جسدية كذلك؛ إِذْ تمثل إعادة بناء العالم الطبيعي والتاريخي إعادة بناء للجسد الثقافي/ الجسد في العالم.
ضمن المقاربات الغربية لبنية القرآن تتميز مقاربة أنجيليكا نويفرت بكونها تنطلق من نظر أوسع لبنية النصّ، حيث تنظر لها باعتبارها ذاتَ وظائف شعائرية وحجاجية وحوارية وخطابية ضمن سياق القرآن التاريخي، ومعبِّرًا أساسًا عن تطور الأُمّة التاريخي نفسه كما سنوضح، إلا أنّ نظرة نويفرت لتاريخ القرآن تظلّ منحصرة في السياق الكتابي والوثني بشكلٍ أكبر، كما تظلّ مهتمة بالبُعد النصِّي في العلاقات بين مدونات الشرق الأدنى، وكذلك تظلّ العلاقات بين النصوص في رؤيتها منحصرة في تاريخ الأمّة السياسي والديني ضمن الأفق الكتابي، مما يفوِّت أحيانًا نظرًا أوسع وأهمّ يتعلّق بالمفاهيم الدينية المركزية مثل الوحي والوحدانية والختم وعلاقتها بسياق تاريخي أوسع في الشرق الأدنى يشمل الأديان الثنوية والأديان الطبيعية، ولعلّ هذا الاشتغالَ الأوسع والذي نجده جزئيًّا عند باحثين مثل فايرستون وجون سي ريفز وباورز -فضلًا عن إمكان الاستفادة في هذا السياق من دارسين للتوحيدية مثل إسمان وفروم وتيليش وماريون- مفيدٌ بشكلٍ كبيرٍ في تكوين نظر أوسع وأشمل عن الوظائف الحجاجية والخطابية للقرآن مما تفترضه نويفرت، حيث يربط هذه الوظائف بتأسيس عالم ديني توحيدي خاصّ في مقابل تأسيسات أخرى.
مثل الديانات الثنوية الجذرية (المانوية)، والثنوية المعتدلة (الزرادشتية)، راجع: الشيطان والرحمن، فراس السواح، منشورات دار علاء الدين، 2000، ص:12، وراجع: المسائل الكبرى في القرآن، فضل الرحمن مالك، ص:243، 244.
تحدَّث دراز والفراهي عن أنّ التقسيم إلى مكي ومدني ليس كافيًا لفهم سياق السور، بسبب طول المدة، وقد حاول الدارسون الغربيون منذ وليم موير ثم نولدكه تقسيم هذه المراحل إلى مراحل أدقّ، كما يبرز في التقسيم الرباعي: (مكية مبكرة، مكية وسطى، مكية متأخرة، مدنية)، وهذا التقسيم يعتمد على عوامل إمّا تعود لتصور تاريخي ديني عن السيرة النبوية والقرآن، أو على تقسيم أدبي أسلوبي للسور، ومهمّ الإشارة بشكلٍ عامّ لوجود انتقادات معاصرة كثيرة لمسألة الترتيب التاريخي ومدى دقته ومدى جدواه. راجع: دلائل النظام، عبد الحميد الفراهي، المطبعة الحميدية، 1968، ص:89، 90، راجع: الترتيب التاريخي للقرآن، قراءة في بعض المقاربات الحالية، وتقديم أفق جديد في تناول الترتيب التاريخي للقرآن، إيمانويلا ستيفانيدز، موقع تفسير.
يرى أوستن أنّ الوحدة الكلامية هي الفعل الكلامي، وأنّ أفعال الكلام تنقسم إلى أفعال كلامية تقريرية تقرّر واقعةً ما، وأفعال أدائية تنجز فعلًا. راجع: الفعل بالكلمات، جون أوستن، ترجمة: طلال وهبة، هيئة البحرين للثقافة والآثار، ط1، المنامة، 2019، ص:27- 38.
سورة الكهف ويوم الجمعة، قراءة في شعائرية سورة الكهف، طارق حجي.
انظر: بنية سورة النساء ومركزية قيمة العدل، ريموند فارين، ترجمة: إسلام أحمد، موقع تفسير، ص:7- 8- 9.
ارتباط فواتح السور بخواتيمها هي فكرة نبّه لها بالفعل بعض المفسِّرين التراثيين، وللسيوطي فيها كتاب بعنوان: (مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع، بحث في العلاقات بيت فواتح السور وخواتيمها).
يبرز هذا في سورة الكهف على سبيل المثال؛ إِذْ إنّ السورة تستعيد الأماكن مثل عَيْن الخلد أو مجمع البحرين والكهف ومشرق الأرض ومغربها والكهف، والتي تمثّل نهايات قصوى للعالم العادي، لتعيد تأسيسها باعتبارها كوى ونوافذ على الكلمة الإلهية الشاملة التي تمثّل مركز العالم الديني التوحيدي، وهذا البُعد يوجد كذلك في سورة الحجر التي تعيد رسم الأماكن والوقائع التاريخية لتدمجها في بنيتها المعراجية/المضيافية -كما سنبيّن تفصيلًا في قراءة السورة- فتصبح بابًا على السماء وسُلَّمًا تجاه الكلمة.
إعادة النظر في النوع الأدبي للقرآن، آدم فلاورز، ترجمة: أمنية أبو بكر، موقع تفسير.
يسيطر على التعامل العربي المعاصر مع القرآن ما أسماه طه عبد الرحمن «آفة التجريد»، حيث «إفراد العقل النظري بالتأمّل في النصوص، على اعتبار قيمة النصوص تنحصر في الأفكار والتصوّرات التي تنال عبر هذا التأمل»، بما يعني تجاهل تعامل أوسع مع القرآن قائم على «الملابسة» كَسِمَةٍ لـ«النظر العملي الحي» المرتبط بـ«العقل المؤيد» بتعبيراته، وهذه سمة غالبة ربما على الفكر العربي المعاصر في تعامله مع القرآن. انظر: العمل الديني وتجديد العقل، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط2، 1997، ص:99، 122.
يقسم شهاب أحمد القرآن/الوحي إلى ثلاث مساحات؛ مساحة تتعلَّق بما قبل الوحي/القرآن (ما يسبق النصّ)، وتشمل النظريات الإسلامية التراثية (الصوفية والفلسفية) حول طبيعة التواصل الإلهي البشري، ثم مساحة (النصّ) نفسِه، والمتعلِّقة بالقرآن كتعبير وتجلٍّ مكتوب لهذا الوحي، ثم (السياق)، ويقصد به «المجال أو المفردات الكاملة لمعاني الوحي التي أُنْتِجت في التفاعل التأويلي الإنساني والتاريخي بالوحي، والتي تم تقديمها بعدها بوصفها دينًا يُدْعَى الإسلام»، ما الإسلام؟ في مغزى أن تكون منتميًا إلى الإسلام، شهاب أحمد، ترجمة: بدر الدين مصطفى، محمد عثمان خليفة، مؤمنون بلا حدود، ط1، بيروت، 2020، ص:418.
كلمات مفتاحية
الكاتب:
مواضيع ذات صلة
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))