الأمور التي تُراعَى في الكلام على معاني الحروف الجارّة في التفسير

الأمور التي تُراعَى في الكلام

على معاني الحروف الجارّة في التفسير

%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%20%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D9%89%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%B9%D9%84%D9%89%20%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%86%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%88%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A9%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%B1.jpg - الأمور التي تُراعَى في الكلام على معاني الحروف الجارّة في التفسير | Tafsir Center for Quranic Studies | مركز تفسير للدراسات القرآنية

لحروف المعاني أهمية في تفسير القرآن الكريم، وقد نصّ جماعة من المفسِّرين والنحاة على ما ينبغي مراعاته في الكلام عليها في التفسير، وهذه المقالة تعرض ستّ عشرة مسألة من كلامهم حول ما يُراعَى في الكلام على حروف المعاني الجارّة خاصّة، والمقالة مستلّة من كتاب: (دلالات حروف المعاني الجارّة وأثرها في التفسير‏).

الأمور التي تُرَاعَى في الكلام على معاني الحروف الجارّة في التفسير

ممّا ينبغي للمفسِّر العناية به معاني الحروف الجارّة؛ لأهمية هذه الحروف في بيان المعنى، ولِمَا تشتمل عليه من الأسرار واللّطائف البديعة التي تُظْهِر جانبًا من جوانب إعجاز القرآن العظيم.

وسأذكر جُمْلة من الأمور التي ينبغي العناية بها عند الكلام على معاني الحروف الجارّة، جمعتُها من كلام المفسِّرين والنُّحاة وغيرهم ممن تكلّم على معاني الحروف.

الأول: ذِكْر متعلّق الجارّ والمجرور يوضح المعنى ويكشف عن معنى الحرف الجارّ إذا كان له أكثر من معنى:

فالجارّ والمجرور لا بدّ له من متعلِّق: إمّا الفعل أو ما يشبه الفعل أو ما يؤول إلى ما يشبه الفعل؛ لأنّ المعاني كامنة في الفعل، وحروف الجرّ تقوم بإتمام معناه، واستكمال بعض نقصه. قال العلّامة عبد القادر البغدادي: «الفعل الواحد قد يتعدّى بعدّة من حروف الجرّ على مقدار المعنى المراد من وقوع الفعل؛ لأنَّ هذه المعاني كامنة في الفعل، وإنَّما يُظْهِرها حروفُ الجرّ، فإنَّك إذا قلت: خرجتُ؛ فأردتَ أن تبيِّن ابتداء خروجك، قلتَ: خرجتُ من الدار، فإن أردتَ أن تبيِّن انتهاءه، قلت: إلى المسجد، وإن أردتَ أن تبيِّن ظرفه، قلت: في ثيابي، وإن أردتَ أن تبيِّن أنه مقارن للاستعلاء، قلت: على الفرس، وإن أردتَ أن تبيِّن الملابسة والصُّحبة، قلت: بحسامي».

الثاني: لكلّ حرف من حروف الجر معنى يختصّ به، لا ينبغي أن يُصْرف عنه ذلك المعنى ويُعطى معنى حرف جرّ آخر إلا على جهة التفسير وتقريب المعنى:

وهذه القاعدة نصَّ عليها الإمامُ الطبري، وجعلها عامة في جميع حروف المعاني، فقال في ردّ قول بعض النحويين أنّ (إلى) بمعنى (مع) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]: «لأنّ لكلّ حرف من حُرُوف المعاني وجهًا هو به أَولى من غيره، فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجّة يجب التسليم لها. ولـ(إلى) في كلّ موضع دخلت من الكلام حُكم، وغيرُ جائز سلبُها معانِيَها في أماكنها».

والأصل أن يُحمل كلّ حرف من حروف الجر الواردة في القرآن على أصل وضعه، أو على معنى من المعاني الثابتة له.

فانتهاء الغاية معنى يؤدّيه حرف (إلى)، والإلصاق معنى يؤدّيه حرف (الباء)، والاستعلاء معنى يؤدّيه حرف (على)، والمجاوزة معنى يؤدّيه حرف (عن)، والظرفية معنى يؤدّيه حرف (في)، والاختصاص معنى يؤدّيه حرف (اللام)، وابتداء الغاية والتبعيض وبيان الجنس معانٍ يؤدّيها حرف (مِن)، فلا يُصرف عن كلّ حرف مما سبق معناه ويُعطى معنى من المعاني التي يختصّ بها حرف جرّ آخر.

الثالث: لا يُوضع حرف جرّ مكان حرف جرّ آخر لتقريب المعنى إلا بشرطين:

الشرط الأول: أن يكون الحرفان من الحروف التي يقع التقارب بينها في بعض المواضع كـ(الباء) و(في)، أو (في) و(على).

قال الإمام الطبري في ردّ قول مَن قال: (مِن) بمعنى الكاف في قوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]: «وقد قال بعضُ أهل التأويل: معنى قوله: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾: كمَا علَّمَكُم الله.. ولسنا نَعْرِف في كلام العرب (مِن) بمعنى الكاف؛ لأنّ (مِن) تدخل في كلامهم بمعنى التبعيض، و(الكاف) بمعنى التشبيه، وإنما يوضع الحرف مكان آخر غيره إذا تقارب معناهما. فأمّا إذا اختلفت معانيهما، فغير موجود في كلامهم وضع أحدهما عَقِيب الآخر».

الشرط الثاني: ألّا يترتّب على القول بذلك صرف الكلام عن ظاهره.

ومثال ما توافر فيه الشرطان السابقان: القول بأنّ (الباء) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ بِالليْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، بمعنى (في).

ومثال ما لم يتوافر فيه أحد الشرطين السابقين: قول بعضهم: (في) في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، بمعنى (الباء)، والمعنى: إلّا أن يأتيهم الله بظللٍ من الغمام والملائكة، وهذا لا يصح؛ لاختلال الشرط الثاني. ومن الأمثلة على ذلك أيضًا قول مَن قال: (اللام) في قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، بمعنى (إلى)، أي: إلى آدم، فآدم كان قِبْلة للسجود، كالكعبة قِبْلة للمصلي، والصواب أنّ اللام للتعليل.

الرابع: كلّ حرف قيل فيه -على جهة التقريب- إنّه بمعنى حرف جر آخر فلا بدّ أن يكون لمجيئه دون الحرف الآخر نكتة شريفة وفائدة لطيفة:

وهذه قاعدة مهمّة ينبغي العناية بها؛ لأنّ طريقة القرآن وضعُ كلّ حرف من حروف الجر في موضعه اللائق به. ولأجل هذه القاعدة شدّد بعض الـمُحْدَثِين من أصحاب الدراسات البلاغية فقال بنفي نيابة الحروف مطلقًا.

ومن الأمثلة على ذلك: ما ذهب إليه جماعة من النحاة والمفسِّرين من أنّ (على) في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥]، بمعنى (في)، والمعنى: ودخل المدينة في حين غفلة من أهلها. وهذا القول على جهة التقريب؛ لأنّ (في) و(على) من الحروف التي يقع التقارب بينها في بعض المواضع، ولا يترتّب على هذا القول صرف الآية عن معناها الصحيح، ومجيء (على) أمكنُ في المعنى؛ لأنّ فيها إشارة إلى تمكّن الغفلة من أهل تلك المدينة، كما قال بعض المفسِّرين: «في وقتٍ لا يُعتادُ دخولُها ولا يتوقعونَه فيه».

ومن الأمثلة أيضًا: استدلال الزركشي على مجيء (في) بمعنى (إلى) بقوله تعالى: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، والمعنى: فتهاجروا إليها، والقرآن جاء بأحسن المعنيين؛ لأنّ (في) فيها إشارة إلى معنى الاستيطان والإقامة في بلد الإسلام عند عدم القدرة على إظهار شرائع الإسلام. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧].

الخامس: إذا جاءت تعدية الفعل في القرآن بأكثر من حرف، فلا بدّ أن يكون له مع كلّ حرف منها معنى زائد على الآخر:

وهذه القاعدة نصَّ عليها العلّامة ابن القيم، فقال: «الفعل المُعَدَّى بالحروف المتعدّدة لا بدّ أن يكون له مع كلِّ حرف معنى زائد على معنى الحرف الآخر، وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف، فإِنْ ظهرَ اختلاف الحرفين ظهر الفرق، نحو: رغبتُ عنه ورغبتُ فيه، وعدلتُ إليه وعدلتُ عنه، ومِلتُ إليه وعنه، وسعيتُ إليه وسعيتُ به، وإِنْ تقارَب معنى الأدوات عَسُرَ الفرق، نحو: قصدت إليه وقصدت له، وهديته إلى كذا وهديته لكذا، وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر، وأمّا فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة، بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره، فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال فيُشْرِبون الفعل المتعدي به معناه، هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه -رحمه الله تعالى- وطريقة حُذّاق أصحابه يُضمِّنون الفعل معنى الفعل لا يقيمون الحرف مقام الحرف، وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن».

ولا حاجة إلى القول بالتضمين إذا كان الفعل يتعدّى في لغة العرب بالحرفين جميعًا، وللفعل مع كلّ حرف من الحرفين معنى زائد على معناه مع الحرف الآخر.

ومثال ذلك: فعل الهداية يتعدّى بنفسه، ويتعدّى بـ(إلى)، ويتعدّى باللام، قال العلّامة ابن القيم: «ففعل الهداية متى عُدِّيَ بـ(إلى) تضمَّن الإيصال إلى الغاية المطلوبة، فأُتِيَ بحرف الغاية، ومتى عُدِّيَ باللام تضمَّن التخصيص بالشيء المطلوب، فأُتِي باللام الدالّة على الاختصاص والتعيين، فإذا قلت: هديته لكذا، أفْهَمَ معنى: ذكرته له وجعلته له وهيأته، ونحو هذا، وإذا تعدَّى بنفسه تضمَّن المعنى الجامع لذلك كلّه، وهو التعريف والبيان والإلهام، فالقائل إذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، هو طالبٌ من الله أن يعرِّفه إيّاه ويبيِّنه له ويُلْهِمه إيّاه ويقدره عليه، فيجعل في قلبه عِلمه وإرادته والقدرة عليه، فجرَّد الفعلَ من الحرف وأتَى به مجردًا مُعدًّى بنفسه ليتضمَّن هذه المراتب كلّها، ولو عُدِّيَ بحرفٍ تعيَّن معناه وتخصّص بحسب معنى الحرف؛ فتأمّله فإنه من دقائق اللغة وأسرارها»، وهذا كلام حسن.

وأمّا إذا عُدِّيَ الفعل بحرف جر، والأصل في لغة العرب أن يتعدّى بغيره فيُقال في هذه الحال بالتضمين؛ ليؤدّي الفعل المذكور معناه ومعنى الفعل الآخر الذي يتعدّى بالحرف الجار. قال العلّامة ابن القيم: «ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ﴾ [الحج: ٢٥]، وفعل الإرادة لا يتعدّى بالباء، ولكن ضُمِّن معنى: يَهُمّ فيه بكذا، وهو أبلغ من الإرادة، فكان في ذِكْر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمة». ومنه أيضًا تعدية الفعل (تتلوا) بـ(على) في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، حيث ضُمِّن الفعل (تتلوا) معنى: تتقوَّل أو تكذِب.

ويَظهر مما سبق أنّ استدلال القائلين بنيابة بعض حروف الجر عن بعض بمجيء الفعل في آية أخرى مُعدّى بالحرف الآخر لا يخلو من نظرٍ، ومن ذلك قول الزركشي في عدّ معاني الباء: «وللاستعلاء، كـ(على): ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: على قنطار، كما قال: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٤]، ونحو: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠]، أي: عليهم، كما قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧]».

ففي الآية الأُولى جاء الفعل (أَمِنَ) متعديًا بالباء في قوله: ﴿تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ﴾، وجاء متعديًا بـ(على) في قوله: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾، فاستدل بذلك على أنّ الباء في الآية الأُولى بمعنى (على)، بدليل الآية الأخرى التي عُدِّيَ فيها الفعل بـ(على).

وفي الآية الثانية جاء الفعل (مرَّ) متعديًا بالباء في قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾، وجاء في قوله: ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم﴾ متعديًا بـ(على)، فجعل ذلك دليلًا على أنّ الباء في الآية الأُولى بمعنى (على).

وهذا القول فيه نظر؛ لأنّ الفعلين (أَمِنَ) و(مرَّ) يتعدّيان في لسان العرب بالباء وبـ(على)، فليست الباء بمعنى (على) في كلتا الآيتين بل هي بمعناها. قال الفخر الرازي: «يُقال: أمنته بكذا وعلى كذا، كما يُقال: مررت به وعليه، فمعنى الباء إلصاق الأمانة، ومعنى (على) استعلاء الأمانة، فمَن اؤْتُـمِنَ على شيء فقد صار ذلك الشيء في معنى الملتصق به لقربه منه، واتصاله بحفظه وحياطته، وأيضًا صار الـمُودَع كالمستعلي على تلك الأمانة والمستولي عليها، فلهذا حَسُنَ التعبير عن هذا المعنى بكلتَا العبارتين، وقيل: إنّ معنى قولك: أمنتك بدينار، أي: وثقت بك فيه، وقولك: أمنتك عليه، أي: جعلتك أمينًا عليه وحافظًا له».

وقال الزركشي في عدّ معاني (عن): «وبمعنى (مِن) نحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٦]، بدليل: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧]، فاستدلّ على أنّ (عن) في آيتي الشورى والأحقاف بمعنى (مِن)؛ بأنّ الفعل جاء متعديًا بـ(مِن) في آية المائدة، وهذا القول تقريب للمعنى؛ لأنّ في تعدية الفعل بـ(عن) معنى زائدًا عن تعديته بـ(مِن)، قال الزمخشري: «يقال: قبلت منه الشيء، وقبلته عنه. فمعنى قبلته منه: أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ومنشأه. ومعنى: قبلته عنه: عزلته وأبَنْته عنه».

وقال الآلوسي: «﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، بالتجاوز عمّا تابوا عنه. والقبول يُعَدَّى بـ(عن) لِتَضَمُّنِه معنى الإبانة، وبـ(مِن) لتَضمُّنِه معنى الأخذ، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤]، أي: تُؤْخَذ».

السادس: إذا احتمل حرف الجر أكثر من معنى فالمقدَّم منها ما يدلّ عليه السياق والقرائن:

وقد وقع بعض المبتدعة في الخطأ حين ذكروا معنى حرف الجر مجردًا من السياق والقرائن، قال ابن هشام: «وفي كتاب المصاحف لابن الأنباري أنَّ بعض الزنادقة تمسَّك بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، في الطعن على بعض الصحابة. والحقّ أنّ (مِن) فيها للتبيين لا للتبعيض، أي: الذين آمنوا هم هؤلاء، ومثله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، وكلّهم محسنٌ ومُتَّقٍ، «﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، فالمقول فيهم ذلك كلّهم كُفَّار».

ومن ذلك أيضًا تلك القصة التي حكاها الثعلبي وغيره أنَّ بعض النصارى احتجّ على عقيدته بأن (مِن) في قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، تدلّ على التبعيض، فردّ عليه بعض العلماء بأنّ (من) في الآية لابتداء الغاية وليست للتبعيض؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].

قال الإمام ابن تيمية: «وقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ليس فيه أنَّ بعض الله صار في عيسى، بل (من) لابتداء الغاية، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وقال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وما أُضيف إلى الله أو قيل هو منه فعلى وجهين: إِنْ كان عينًا قائمةً بنفسها فهو مملوكٌ له و(من) لابتداء الغاية، كما قال تعالى: ﴿فأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧]، وقال في المسيح: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. وما كان صفةً لا يقوم بنفسه كالعلم والكلام فهو صفةٌ له، كما يقال: كلام الله وعِلْم الله، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤]».

السابع: معنى الظرفية أعمّ من أن يكون على وجه التمكّن في المكان:

تدلّ (في) على معنى الظرفية والإحاطة غالبًا، بمعنى أن يكون الظرف وعاء للمظروف، وقد تخرج عن ذلك في بعض المواضع، كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩]، قال البيضاوي: «وجعله -أي الصيّب- مكانًا للرعد والبرق؛ لأنهما في أعلاه ومنحدره ملتبسين به». ونقل الشهاب الخفاجي عن بعض المحقّقين قوله: «معنى الظرفية التي تفيدها (في) أعمّ من أن يكون على وجه التمكّن في المكان».

ومن الأمثلة على ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. وفي هذا دليل لأهل السُّنة والجماعة على أنّ الله في جهة العلو، قال الإمام ابن تيمية: «ثُمَّ مَن توهَّم أَنَّ كون الله في السَّماء بمعنى أَنَّ السَّماء تحيط به وتحويه فهو كاذبٌ إِنْ نَقَلَه عن غيره، وضالٌّ إِن اعتقدَه في ربه، وما سمعنا أحدًا يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحدًا نقَلَه عن واحدٍ، ولو سُئل سائر المسلمين: هل تفهمون من قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: «أنَّ الله في السَّماء» أَنَّ السَّماء تحويه؟ لبادَر كلُّ أحدٍ منهم إلى أن يقول هذا شيءٌ لعله لم يخطر ببالنا. وإذا كان الأمر هكذا: فمِن التكلّف أَنْ يجعل ظاهر اللفظ شيئًا محالًا لا يفهمه النَّاس منه، ثم يريد أَنْ يتأوَّله؛ بل عند النَّاس (أَنَّ الله في السَّماء) (وهو على العرش) واحد؛ إذ السَّماء إنَّما يُراد به العلوّ، فالمعنى: أَنَّ الله في العلوّ لا في السَّفل، وقد علم المسلمون أَنَّ كرسيَّه -سبحانه وتعالى- وَسِعَ السَّماوات والأرض، وأنَّ الكرسيَّ في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأنَّ العرش خَلْقٌ من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهَّم بعد هذا أنَّ خلقًا يحصره ويحويه؟ وقد قال سبحانه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧، النَّحل: ٣٦]، بمعنى (على)، ونحو ذلك، وهو كلامٌ عربيٌّ حقيقةً لا مجازًا، وهذا يَعلمه مَن عرفَ حَقائق معاني الحروف وأنَّها مُتواطئة في الغالب لا مشتركة».

الثامن: الفرق بين (مِن) التي للتبعيض و(مِن) التي لبيان الجنس:

قال المالقي: «وكثيرًا ما تقرّب التي للتبعيض من التي لبيان الجنس حتى لا يفرق بينهما إلا بمعنى خفيّ، وهو أنّ التي للتبعيض تقدَّر بـ(بعض)، والتي لبيان الجنس تقدَّر بتخصيص الشيء دون غيره، فاعلمه». فعلامة (مِن) التبعيضية جواز الاستغناء عنها بكلمة (بعض). وزاد الزركشي علامة أخري، هي: «أن يعمَّ ما قبلها ما بعدها إذا حُذفت».

وأمّا (مِن) البيانية، فقد ذكر لها النحاة علامات:

الأولى: أن يصح حذفها ووضع اسم موصول مكانها، مع ضمير يعود على ما قبلها، إذا بيَّنَت معرفة، فإِن بيَّنَت نكرة فهي ومجرورها في موضع جملة، ويخلفها الضمير وحده.

الثانية: أن يصح الإخبار بما بعدها عمّا قبلها.

الثالثة: أن يتقدّم عليها عامّ، ويتأخّر عنها خاصّ.

وتكون (مِن) البيانية مع مجرورها في محلّ نصب على الحالية إذا كان ما قبلها معرفة، وإن كان ما بعدها نكرة فهي ومجرورها في محلّ نعت لِمَا قبلها. ويكثر أيضًا وقوع (مِن) البيانية بعد (ما)، و(مهما)؛ لإفراط إبهامهما.

وفرَّق الزركشي بين (مِن) البيانية و(مِن) التبعيضية، فقال: «وهي -يعني البيانية- بعكس التي للتبعيض، فإنّ تلك يكون ما قبلها بعضًا مما بعدها. فإذا قلت: أخذت درهمًا من الدراهم، كان الدرهم بعض الدراهم. وهذه ما بعدها بعضٌ مما قبلها؛ ألا ترى أنّ الأوثان بعض الرجس».

ومن الآيات التي اختُلف في (مِن) الواردة فيها أللتبعيض هي أم للتبيين؟ قوله تعالى: ﴿مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، فذهب الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي إلى أنّ (مِن) في هذه الآية للتبعيض، وجوَّزوا معنى بيان الجنس، وردّ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور معنى التبعيض، فقال: «و(مِن) التي في قوله: ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ليست للتبعيض؛ إِذْ ليس التبعيض مناسبًا لمقام الامتنان: بل إمّا لبيان الرزق المخرَج، وتقديم البيان على المبين شائع في كلام العرب، وإمّا زائدة لتأكيد تعلّق الإخراج بالثمرات»، والقول بأنها لبيان الجنس أقرب.

واختلف كذلك في (مِن) التي تدخل على لفظ (كلّ) أللتبعيض هي أم للتبيين؟ كما في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣]. وقد أحسن العلّامة ابن القيم القول فيها حين قال: «فإن قيل: فإذا استوى الأمران، كقولك: كُلْ من كلِّ الثمرات، وكُلْ من الثمرات كلِّها، فلِمَ اختصّ أحد النّظمين بالقرآن في موضع دون موضع؟ قيل: هذا لا يلزم؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ فصيح، ولكن لا بُدَّ من فائدة في الاختصاص. أمّا قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، فـ(مِن) ههنا لبيان الجنس لا للتبعيض، والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف، إنَّما تريد الثمرات بأنفسها، إلا أنه أخرج منها شيئًا، وأدخل (مِن) لبيان الجنس كلِّه، ولو قال: أخرجنا به من الثمرات كلِّها، لذهب الوهم إلى أنّ المجرور في موضع ظرف، وأنّ مفعول ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ فيما بعد، ولم يُتوهَّم ذلك مع تقديم (كلّ) لعلم المخاطبين أنّ (كُلًّا) إذا تقدّمَت تقتضي الإحاطة بالجنس، وإذا تأخّرَت وكانت توكيدًا اقتضت الإحاطة بالمؤكَّد خاصّة، جنسًا شائعًا كان أو معهودًا معروفًا».

التَّاسع: إذا دخل حرف الجر على اسم الله تعالى فينبغي حمله على المعنى اللائق به سبحانه وتعالى:

لأنَّ الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ومعاني حروف الجر إذا دخلت على اسم الله تعالى ينبغي أن تُحْمَل معانيها على ما يليق به سبحانه، فلا يُقال: (على) في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، بمعنى الاستعلاء. قال السيوطي -رحمه الله تعالى-: «هي -يعني (على)- في نحو: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، بمعنى الإضافة والإسناد، أي: أضف توكّلك وأسنده إليه، كذا قيل. وعندي أنها فيه بمعنى باء الاستعانة.

وقال الأستاذ عباس حسن -رحمه الله تعالى-: «وليس من الاستعلاء المجازي قولهم: توكلتُ على الله، واعتمدتُ عليه؛ لأنّ الله لا يعلو عليه شيء حقيقةً أو مجازًا، وإنما هو بمعنى الاستناد له، والإضافة (أي: النسبة) إليه، تريد: أسندت توكلي واعتمادي إلى الله وأضفتهما (أي: نسبتهما) إليه».

العاشر: لام التعليل تدخل على أفعال الله وأحكامه:

وهذه المسألة اختلفت فيها أقوال المتكلِّمين في العقائد، وقد بسط القول فيها الإمام ابن تيمية، والعلّامة ابن القيم، وحاصل ذلك أنّ في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

الأول: أنّ أفعال الله تعالى لا تعلّل، وهذا قول الأشاعرة. واللام التي تأتي دالّة على معنى التعليل في أفعال الله تعالى تُحمل عندهم على المجاز أو على معنى العاقبة والصيرورة.

الثاني: أنّ أفعال الله تعالى معلّلة، وتلك العِلَل أو الحِكَم تعود إلى العباد لا إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا قول المعتزلة. 

الثالث: قول أهل السُّنة: أنّ أفعال الله تعالى معلَّلة، وهذه العِلَل والحكم تعود إليه سبحانه؛ لأنه يحبّها ويرضاها، وتعود إلى العباد؛ لأنّ بها سعادتهم ونجاتهم. ولهذه المسألة تفصيل محلّه كتب العقائد.

وقد قرّر الرازي مذهب الأشاعرة في مواضع كثيرة من تفسيره، منها قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١]: «قالت المعتزلة: اللام في قوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ لام الغرض والحكمة، وهذا يدلّ على أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض، وذلك يدلّ على أنّ أفعال الله تعالى وأحكامه معلَّلة برعاية المصالح. أجاب أصحابنا عنه بأنّ مَنْ فعل فعلًا لأجلِ شيء آخر، فهذا إنما يفعله لو كان عاجزًا عن تحصيل هذا المقصود إلا بهذه الواسطة وذلك في حقّ الله تعالى مُحال، وإذا ثبت بالدليل أنه يمتنع تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه بالعلل ثبت أنّ كلّ ظاهر أشعر به فإنه مؤول محمول على معنى آخر».

وقوله: «اللام في قوله: ﴿لَيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، وفي قوله: ﴿لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]، لام الغرض، وظاهره يقتضي تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض والمصالح، إلا أنّا نصرف هذا الكلام عن ظاهره بالدلائل العقلية المشهورة».

وقوله: «اللام في قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ تدلّ على أنّ أفعال الله تعالى معلّلة بالأغراض، ونظيره آيات كثيرة، منها قوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ [إبراهيم: ١]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وجوابه: أنه لـمّا ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل».

وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]: «المعنى: أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم والتحليل إلى الله تعالى، ويقولون إنه أمرنا بذلك، وأظنّ أن هذا اللام ليس لام الغرض؛ لأنّ ذلك الافتراء ما كان غرضًا لهم بل كان لام العاقبة، كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]».

ونَصَّ على مذهبه في هذه المسألة، فقال: «مذهبنا أنّ أفعال الله تعالى غير معلَّلة، فيفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا اعتراض لأحدٍ عليه في شيء من أفعاله».

وقال الزركشي: «ونَقل ابن فُورَك عن الأشعري: أنّ كلَّ لامٍ نسبها الله إلى نفسه فهي للعاقبة والصيرورة دون التعليل؛ لاستحالة الغرض».

والحقّ أنَّ أفعال الله معلّلة بالمصالح التي يحبّها ويرضاها، ويعود نفعها إلى العباد في دنياهم وآخرتهم. وأن لام التعليل واردة في أفعال الله تعالى.

قال العلّامة ابن القيم: «وقد دلَّتْ أدلّة العقول الصحيحة والفِطَر السليمة على ما دلّ عليه القرآنُ والسُّنَّة، أنَّهُ سبحانه حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنى ومصلحة وحِكْمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حِكْمة بالغة؛ لأجلها فعلَ ما فعلَ، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعلَ، وقد دلّ كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تُحْصَى، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها».

وقال أيضًا: «وإنَّما اللام الواردة في أفعاله وأحكامه لام الحِكْمة والغاية المطلوبة».

الحادي عشر: الفرق بين لام التعليل ولام العاقبة أو الصيرورة:

من معاني اللام المختلَف فيها معنى العاقبة أو الصيرورة، وقد أنكره جماعة من النحويين، وأثبته آخرون، ومثّلوا له بنحو: أكرمته ليشتمني، وأعطيته ليحرمني، وبقول الشاعر:

فَلِلْمَوْتِ تَغْذُو الوَالِدَاتُ سِخَالَهَا .. كَمَا لِخَرَابِ الدُّورِ تُبْنَى المَسَاكِنُ

وقول الآخر:

فَإِنْ يَكُنِ المَوْتُ أَفْنَاهُمُ .. فَلِلْمَوْتِ مَا تَلِدُ الْوَالِدَه

ومَن أنكر هذا المعنى جعل اللام في الأمثلة السابقة للتعليل، والتعليل فيها وارد على طريق المجاز. والصحيح أنَّ هذا المعنى ثابت، وتدلّ عليه اللام إذا كان مدخولها مترتبًا على الفعل، كما في نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧١]، قال الحافظ ابن كثير: «وهذه اللام لام العاقبة لا لام التعليل، كما قال الشاعر:

لِدُوا لِلْمَوتِ وَابْنُوا لِلخَرَابِ ......................».

ومن اللامات التي اختلف فيها المفسِّرون أللتعليل هي أم للعاقبة؟ اللام في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩].

فذهب الثعلبي والبغوي وابن عطية إلى أنّها في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ للعاقبة. قال البغوي: «وهذه اللام تسمَّى لام العاقبة ولام الصيرورة؛ لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوًّا وحزنًا، ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك».

وذهب الزمخشري إلى أنّها للتعليل، والتعليل واردٌ فيها على طريق المجاز، وقال بهذا القول الرازي، والبيضاوي، وابن عاشور. قال الزمخشري: «اللام في ﴿لِيَكُونَ﴾ هي لام كي التي معناها التعليل، كقولك: جئتُك لتكرمني سواء بسواء، ولكن معنى التعليل فيها واردٌ على طريق المجاز دون الحقيقة؛ لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، ولكن المحبة والتبنّي، غير أن ذلك لـمّا كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شبّه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله، وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء، والتأدّب الذي هو ثمرة الضرب في قولك: ضربته ليتأدّب. وتحريره: أنّ هذه اللام حكمها حكم الأسد، حيث استُعيرت لِمَا يشبه التعليل، كما يُستعار الأسد لمن يشبه الأسد».

وذهب الحافظ ابن كثير إلى أنّ هذه اللام للتعليل حقيقة. واختار هذا القول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.

وقد فرَّق الإمام ابن تيمية -رحمه الله- بين لام التعليل ولام العاقبة بفارق حَسَنٍ جدًّا، لم أقف على مَن سبقه إليه من النحاة، ذكر فيه أنّ لام العاقبة تَرِد في حقّ من يكون جاهلًا بعواقب الأمور، فيقع في الفعل الذي يجهل عاقبته، وترِد أيضًا في حقّ مَن يكون عاجزًا عن دفع العاقبة، وبنَى على هذا أنّه يستحيل أن تَرِد هذه اللام في أفعال الله تعالى؛ لأنّ الله تعالى عليم بكلّ شيء، لا تخفى عليه خافية، فإذا وردتْ في أفعال الله فهي للتعليل.

قال -رحمه الله-: «لام العاقبة إنَّما تصحُّ ممَّن يكون جاهلًا بعاقبة فِعله؛ كفرعون الَّذي لم يكن يدري ما ينتهي إليه أمرُ موسى، أو ممَّن يكون عاجزًا عن ردّ عاقبة فعله؛ كعجز بني آدم عن دفع الموت عن أنفسهم والخراب عن ديارهم، فأمَّا مَن هو بكلّ شيء عليم وعلى كلّ شيء قدير وهو مريدٌ لكلّ ما خَلَق؛ فيمتنع في حقِّه لام العاقبة الَّتي تتضمَّن نفي العلم أو نفي القدرة».

وقال ابن القيم: «وسمعتُ شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول: يستحيل دخول (لام العاقبة) في فعل الله، فإنها حيث وردَت في الكلام؛ فهي لجهل الفاعل لعاقبة فعله؛ كالتقاط آل فرعون لموسى، فإنهم لم يعلموا عاقبته، أو لعجز الفاعل عن دفع العاقبة، نحو: لِدُوا للموتِ وابنُوا للخراب. فأمَّا في فعلِ مَن لا يعزب عنه مثقال ذرّة، ومَن هو على كلّ شيء قدير؛ فلا يكون قط إلا لام كي وهي لام التعليل، ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يُحْتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء».

وقد أشار إلى هذا المعنى العلّامة ابن عطية في تفسيره، فقال: «ولام العاقبة إنما يتصوّر إذا كان فعل الفاعل لم يقصد به ما يصير الأمر إليه».

وينبني على ما سبق أنّ اللام في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، إِنْ كانت متعلقة بآل فرعون فهي للعاقبة؛ لجهل آل فرعون بما يؤول إليه أمر موسى عليه السلام، وأنه يكون لهم عدوًّا وحزنًا، وإِنْ كانت متعلّقة بفعل الله تعالى، وأنّ الله قدّر في سابق علمه أن يلتقط آلُ فرعون موسى -عليه السلام- ليكون لهم عدوًّا وحزنًا؛ فهي للتعليل، والسياق يدلّ على هذا المعنى؛ ليبيِّن اللهُ لفرعون عظيم قُدرته وسلطانه، فيتربّى ذلك الغلام الذي جعل اللهُ زوالَ مُلْكِه على يديه في بيته.

قال الإمام ابن كثير: «قال محمَّد بن إسحاق وغيره: (اللام) هنا لام العاقبة لا لام التعليل؛ لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك. ولا شك أنّ ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأنّ معناه أنّ الله تعالى، قـيّضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوًّا وحزنًا، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]»، وقال -رحمه الله-: «أراد فرعون بحوله وقوّته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع قدرة الـمَلِك العظيم الذي لا يُخالَف أمره القَدَرِي، بل نَفَذَ حكمه وجَرى قلمه في القِدَم بأن يكون إهلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزتَ من وجوده، وقتلتَ بسببه أُلوفًا من الولدان إنما منشؤه ومُرَبَّاه على فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتُدَلِّلُه وتتفداه، وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أنّ ربّ السماوات العُلا هو القادر الغالب العظيم، العزيز القوي الشديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن».

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «اعلم أَنَّ التَّحقيق -إن شاء الله- أَنَّ اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، لام التَّعليل المعروفة بلام كي، وذلك على سبيل الحقيقة لا المجاز، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وإيضاح ذلك أَنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ صريح في أَنَّ الله تعالى يصرف مشيئة العبد وقدرته بمشيئته جَلَّ وعلا، إلى ما سبق بِهِ عِلْمُه، وقد صرفَ مشيئة فرعون وقومه بمشيئته جلَّ وعلا، إلى التقاطهم موسى؛ ليجعله لهم عدوًّا وحزنًا، فكأنَّه يقول: قدَّرنا عليهم التقاطه بمشيئتنا ليكون لهم عدوًّا وحزنًا، وهذا معنى واضحٌ، لا لَبْس فيه ولا إشكال كما ترى. وبهذا التَّحقيق تعلم أنَّ ما يقوله كثيرٌ من المفسّرين، وينشدون له الشَّواهد من أنَّ اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ لام العاقبة والصَّيرورة خلاف الصَّواب، وأنَّ ما يقوله البيانيُّون من أنَّ اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ فيها استعارةٌ تبعيّةٌ في متعلَّق معنى الحرف، خلاف الصَّواب أيضًا».

وأمّا اللام في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨]، فهي للتعليل أيضًا؛ لأنها متعلّقة بفعل الله تعالى، وذهب الزمخشري إلى أنها لام الأمر والمقصود بها الدعاء.

قال ابن الـمُنَيِّر: «وهذا من اعتزاله الخفيّ الذي هو أدقّ من دبيب النمل، يكاد الاطلاع عليه أن يكون كشفًا. ووجه ذلك: أنه علم أن الظاهر بل والباطن أن اللام [التعليل]، وأن الفعل منصوب بها، ومعنى ذلك إخبار موسى -عليه السلام- بأن الله إنما أمدّهم بالزينة والأموال وما يتبعهما من النعم استدراجًا ليزدادوا إثمًا وضلالة، كما أخبر تعالى عن أمثالهم بقوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وهذا المعنى منتظم على جعل اللام [التعليل]، والزمخشري بنَى على القاعدة الفاسدة في استحالة ذلك على الله تعالى؛ لاعتقاده أنّ من الجور أن يُملِي لهم في الضلالة ويعاقبهم عليها، فهو متبتل لما يرِد من الآيات بعمل الحيلة في تأويلها وردّها إلى معتقده وجعلها تبعًا له، كما تقدّم له في تأويل قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، وكأين من آية غراء رام أن يستر غرتها ويطفئ نورها بأمثال هذه التأويلات الرديئة لفظًا وعقدًا، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره، ثم لا يسعه إلا أن يحمل موسى -عليه السلام- على أمثال هذه المعتقدات، ولقد برأه الله وكان عند الله وجيهًا».

الثاني عشر: ليس في القرآن حرف جر زائد لغير معنى:

نَصَّ على هذه القاعدة الإمام الطبري، وابن عطية، والرازي، وابن كثير، وابن القيم، وغيرهم.

قال ابن عطية: «ليس في القرآن شيء زائد لغير معنى».

وقال الرازي: «ليس في القرآن ما لا معنى له».

وقال ابن كثير: «ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه».

وقال ابن القيم: «ولا يليق بأفصح الكلام أن يكون فيه حرف زائد لغير معنى ولا فائدة».

ولا يفهم من هذه الأقوال نفي الزيادة المتعلقة بالإعراب، فابن عطية -القائل: «ليس في القرآن شيء زائد لغير معنى»- أثبت الزيادة المتعلقة بالإعراب في مواضع كثيرة من تفسيره. والزيادة الإعرابية عُرف نحوي لا تعني أنّ الحرف لا معنى له، فـ(مِن) الزائدة في الإعراب تفيد التنصيص على الاستغراق، أو توكيد الاستغراق، وكذلك الباء الزائدة في خبر (ما) و(ليس) تفيد التوكيد، وملاحظ فيها معنى الملابسة. والأمر في الزيادة كما قال السمين الحلبي: «وأنّ معنى الزيادة على معنى يفهمه أهل العلم، وإلا فكيف يُدّعى زيادة في القرآن بالعُرف العام؟ هذا ما لا يقوله أحد من المسلمين».

الثالث عشر: إذا أمكن بيان معنى الحرف فلا حاجة إلى القول بالزيادة:

لأنّ الزيادة خلاف الأصل. والأَوْلَى حمل الحرف على أصل وضعه ما أمكن، والقول بمعنى التوكيد لا يُسَوِّغ القول بالزيادة. ومن الأمثلة على هذه القاعدة: ما جاء من الحروف الجارة في الآيات الآتية:

١- قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، ذهب الثعلبي، والبغوي، وابن الجوزي، والعكبري، والقرطبي، والشوكاني إلى أن (مِن) زائدة، على القول بأنّ الضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ يعود على القرآن. وذهب ابن جُزَيّ، والسيوطي، وأبو السعود إلى أنها لبيان الجنس. والقول بأنها لبيان الجنس هو المعوَّل عليه؛ للقاعدة السابقة، ولأنّ زيادة (مِن) في مثل هذا الموضع محلّ خلاف بين النحاة، فجمهور النحاة على منعه. قال أبو حيان: «وأمّا كونها زائدة في هذا الموضع فلا يجوز على مذهب الكوفيين، وجمهور البصريين».

٢- قوله تعالى: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٦١]، جوَّز الأخفش زيادة (مِن) في هذه الآية، والصحيح أنها للتبعيض، وقد ردّ قولَ الأخفش الإمامُ الطبري، وأبو جعفر بن النحاس، وابن عطية، والآلوسي.

٣- قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، ذهب مكي بن أبي طالب إلى أن (مِن) في هذه الآية زائدة، والصحيح أنها لبيان الجنس كما هو قول ابن هشام، والزركشي، والسيوطي.

٤- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٧]. اختلف في معنى الباء في هذه الآية على أوجه؛ الأول: أنها للإلصاق، وإليه يشير تفسير الزمخشري والبيضاوي والبقاعي والآلوسي للآية. والثاني: أنها زائدة، وهو قول أبي البركات بن الأنباري والعكبري، والثالث: أنها للملابسة، واختار هذا الوجه ابن عاشور، والرابع: أنها للاستعانة، وجوّزه الزمخشري. والقول بأنّ الباء في هذه الآية زائدة لا حاجة إليه مع إمكان حملها على معنى الإلصاق، أو على معنى من المعاني التي تنجر معه كالملابسة.

ومما يندرج تحت القاعدة السابقة (مِن) الداخلة على (قبل) و(بعد)، حيث ذهب ابن مالك إلى أنها زائدة، والجمهور على أنها لابتداء الغاية.

الرابع عشر: لا يصح إطلاق القول بزيادة حرف الجر الوارد في بعض الآيات لأنه لم يَرِد في الآية الأخرى التي تشبهها:

ومِن الأمثلة على ذلك: استدلال القرطبي والشوكاني على زيادة (مِن) في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، بقوله تعالى في سورة يونس: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]. قال القرطبي: «و(من) في قوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ زائدة، كما قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾»، وبنحو هذا القول قال الشوكاني. وسبق الكلام على أوجه (مِن) التي ذكرت في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].

ومن ذلك أيضًا: قول القرطبي بزيادة الباء في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦]؛ بدليل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. والصواب أنّ هناك فرقًا بين الموضعين، وممن تكلّم عن ذلك العلّامة ابن القيم، فقال: «فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، ولم تدخل في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ قيل: التسبيح يُراد به التنزيه والذِّكْر المجرّد دون معنى آخر، ويُراد به ذلك مع الصلاة، وهو ذكرٌ وتنزيهٌ مع عمل، ولهذا تسمَّى الصلاة تسبيحًا، فإذا أُريد التسبيح المجرد فلا معنى للباء؛ لأنه لا يتعدّى بحرف جر، لا تقول: سبّحتُ بالله، وإذا أردت المقرون بالفعل، وهو الصلاة أدخلت الباء تنبيهًا على ذلك المراد، كأنك قلت: سبح مفتتحًا باسم ربك أو ناطقًا باسم ربك، كما تقول: صَلِّ مفتتحًا أو ناطقًا باسمه، ولهذا السر -والله أعلم- دخلت اللام في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١]، والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة، ولم يقل في موضع: سبح الله ما في السماوات والأرض، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥]، وتأمّل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، فكيف قال: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ لما ذكر السجود باسمه الخاصّ، فصار التسبيح ذِكْرهم له وتنزيههم إياه».

ومن ذلك أيضًا: دخول (مِن) في قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وخروجها في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الفرقان: ٢٩، التحريم: ٨]، والمفسِّرون على أنّ (مِن) في آية سورة البقرة للتبعيض؛ لأنها جاءت في شأن الصدقة، والصدقة لا تُذْهِب جميع الذنوب.

الخامس عشر: بيان الجنس من المعاني التي ثبتت لـ(مِن):

وقد ردّه أبو حيّان في بعض المواضع من تفسيره، وأثبته أكثر النحاة والمفسِّرين، ومثل ذلك معنى البدل.

السادس عشر: القول بالتضمين أو غير ذلك من وجوه التأويل الصحيحة مقدَّم على القول بالزيادة:

لأنّ في ذلك إبقاء للحرف على أصل وضعه، ومن قواعد الترجيح: إذا دار الكلام بين الزيادة والتأصيل، فحَمْلُه على التأصيل أَوْلَى.

وقد ذكر الزركشي والمرادي هذا المعنى عند ردّهما القول بزيادة الباء في المفعول في عدّة آيات استدلّ بها طائفة من النحاة، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]، وقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦]، وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. قال المرادي: «والمختار أنّ ما أمكن تخريجه على غير الزيادة لا يُحكم عليه بالزيادة، وتخريج كثير من هذه الشواهد ممكن، على التضمين أو حذف المفعول. وقد خُرّج عليهما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، «فقيل: ﴿لا تُلْقُوا﴾ مضمَّن معنى: لا تُفْضُوا. وقيل: حذف المفعول، والباء للسببية، أي: لا تُلقُوا أنفسكم بسبب أيديكم، كما تقول: لا تفسد حالك برأيك. قاله المبرد».

وقال الزركشي بعد ذِكْر الآيات التي استدلّ بها مَن قال بزيادة الباء في المفعول: «والجمهور على أنها -يعني الباء- لا تجيء زائدة، وأنه إنما يجوز الحكم بزيادتها إذا تأدّى المعنى المقصود بوجودها وحالة عدمها على السواء، وليس كذلك هذه الأمثلة؛ فإنّ معنى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، كما هي في: أحسِن بزيد، ومعنى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، اجعلوا المسح ملاصقًا برؤوسكم، وكذا ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أشار إلى مباشرة العضو بالمسح، وإنما لم يحسن في آية الغسل فاغسلوا بوجوهكم لدلالة الغسل على المباشرة، وهذا كما تتعين المباشرة في قولك: أمسكت به، وتحتملها في: أمسكته. وأمّا قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فحذف المفعول للاختصار، وأمّا: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]، فمعناه: تلقون إليهم النصيحة بالمودة. وقال ابن النحاس: معناه: تخبرونهم بما يخبر به الرجل أهل مودّته. وقال السهيلي: ضمّن ﴿تُلْقُونَ﴾ معنى: ترمون، من الرمي بالشيء، يُقال: ألقى زيد إليّ بكذا، أي: رمَى به، وفي الآية إنما هو إلقاء بكتاب أو برسالة، فعبّر عنه بالمودّة؛ لأنّه من أفعال أهل المودّة؛ فلهذا جيء بالباء».

ومن الأمثلة على ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٥، ٦]، حيث ذهب الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة إلى أنّ الباء زائدة، والتقدير: فستبصر ويبصرون أيّكم المفتون، وخالفهم الفرّاء والزجّاج فذهبَا إلى أن الباء على بابها، ووجّهوا ﴿الْمَفْتُونُ﴾ بمعنى الفُتُون، أي الجُنُون؛ لأنّ المصدر يجيء على اسم المفعول كالميسور بمعنى اليسر، والتقدير: فستبصر ويبصرون بأيّكم الجُنُون. قال الفرّاء: «المفتون هاهنا بمعنى: الجنون، وهو في مذهب الفُتُون، كما قالوا: ليس له معقول رأيٍ، وإن شئت جعلته بأيّكم: في أيّكم، أي: في أيّ الفريقين المجنون، فهو حينئذ اسم ليس بمصدر». قال الفخر الرازي: «قول الأخفش وأبي عبيدة وابن قتيبة أنّ الباء صلة زائدة، والمعنى: أيّكم المفتون، وهو الذي فُتن بالجنون، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [﴾ [المؤمنون: ٢٠]، أي: تنبت الدهن... والفراء طعن في هذا الجواب، وقال: إذا أمكن فيه بيان المعنى الصحيح من دون طرح الباء، كان ذلك أَوْلَى».

 


  1. ^

     هذه المقالة من كتاب (دلالات حروف المعاني الجارة وأثرها في التفسير؛ دراسة نظرية تطبيقية على سورة البقرة)، الصادر عن مركز تفسير سنة ١٤٤٦هـ، ص٤٢٢ وما بعدها. (موقع تفسير)

  2. ^ 

    النحو الوافي، لعباس حسن (٢/ ٤٠٧).

  3. ^

     خزانة الأدب، للبغدادي (٩/ ١٢٥)؛ وانظر: الأشباه والنظائر، للسيوطي (٣/ ٢٦٣).

  4. ^ 

    جامع البيان (١/ ٣١٠- ٣١١).

  5. ^ 

    جامع البيان (٨/ ١٠٨).

  6. ^

     انظر: الدُّرّ المصون (١/ ٢٣٧)؛ والتحرير والتنوير (١/ ٤٢٢).

  7. ^

     انظر: من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم، ص٢٧٤.

  8. ^ 

    انظر: معاني القرآن، للفراء (١/ ٥٥)؛ والكشف والبيان، للثعلبي (١/ ٢٤٣)؛ والجنى الداني، للمرادي، ص‏‏٤٧٧؛ ومغني اللبيب، لابن هشام، ص١٦٤؛ وروح المعاني، للآلوسي (١/ ٥٣٣). وذهب جماعة إلى ‏القول بالتضمين، وأنّ (على) باقية على أصل معناها، ومنهم: الرازي، وأبو حيان، والسمين الحلبي، ‏والطاهر بن عاشور. انظر: التفسير الكبير (١/ ٦١٨)؛ والبحر المحيط (١/ ٤٦٩)؛ والدرّ المصون (٢/ ‏‏٢٩)؛ والتحرير والتنوير (١/ ٦٢٨).

  9. ^ 

    أنوار التنزيل (٤/ ١٧٣).

  10. ^

     انظر: البرهان (٤/ ٣٠٣).

  11. ^

     بدائع الفوائد (٢/ ٤٢٣- ٤٢٤). وانظر: الكليات، للكفوي (٥/ ١٦٠).

  12. ^

     بدائع الفوائد (٢/ ٤٢٥).

  13. ^

     بدائع الفوائد (٢/ ٤٢٤- ٤٢٥).

  14. ^

     البرهان (٤/ ٢٥٧).

  15. ^ 

    التفسير الكبير (‏٣/ ٢٦٢- ٢٦٣).

  16. ^

     البرهان (٤/ ٢٨٧).

  17. ^

     الكشاف (٤/ ١٦٩).

  18. ^

     روح المعاني (١٤/ ٥٥).

  19. ^

     وقال الزركشي في هذه الآية أيضًا: «أي: الذين هم أنتم؛ لأن الخطاب للمؤمنين، فلهذا لم يتصور فيها ‏التبعيض»، البرهان (٢/ ٤١٧). وقال الدسوقي في حاشيته على (مغني اللبيب): «أي: وعد الله ‏الذين آمنوا وعملوا الصالحات -الذين هم هؤلاء الصحابة- مغفرة»، (٢/ ٢٥٧).

  20. ^

     قال الدسوقي في حاشيته على (مغني اللبيب): «فالمعنى: للذين أحسنوا الذين هم هؤلاء»، (٢/ ٢٥٧).

  21. ^

     مغني اللبيب، ص٣٥٠. وقال الدسوقي في الآية الأخيرة مبينًا تطبيق علامة (من) البيانية: «فالمعنى: ‏ليَمَسَّنَّ الذين كفروا الذين هم هؤلاء»، (٢/ ٢٥٨).

  22. ^

     انظر: الكشف والبيان، للثعلبي (٣/ ٤١٩- ٤٢٠)؛ والبحر المحيط، لأبي حيان (٣/ ٥٦٦)؛ والدر المصون، ‏للسمين الحلبي (٤/ ١٦٦)؛ وإرشاد العقل السليم، لأبي السعود (٢/ ٢٢٦).

  23. ^

     مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٨٢- ٢٨٣).

  24. ^

     انظر: حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي (١/ ٦١١).

  25. ^

     حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي (١/ ٦١١).

  26. ^

     مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٦).

  27. ^

     رصف المباني، ص٣٢٣.

  28. ^

     انظر: شرح التسهيل (٣/ ١٣٣- ١٣٤)؛ والجنى الداني، للمرادي، ص٣٠٩؛ ومغني اللبيب، لابن هشام، ‏ص٣٤٩؛ وهمع الهوامع، للسيوطي (٤/ ٢١٣).

  29. البرهان (‏٢/ ٤١٦).

  30. ^ 

    انظر: الجنى الداني، ص٣١٠؛ والبرهان في علوم القرآن، للزركشي (٢/ ٤١٧)؛ وحاشية ياسين ‏الحمصي على شرح الفاكهي على قطر الندى (١/ ١٦١)؛ وشرح التصريح على التوضيح، للأزهري (٢/ ‏‏٨)؛ والنحو الوافي، لعباس حسن (٢/ ٤٢٥).

  31. ^

     ‏انظر: حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الألفية (١/ ٢٢٩)؛ والنحو الوافي، لعباس حسن (٢/ ‏‏٤٢٥).

  32. ^

     ‏ذكر هذه العلامة الزركشي في كتابه: البحر المحيط في أصول الفقه (٢/ ٢٩١).

  33. ^

     ‏انظر: حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك (٢/ ٢١١).

  34. ^

     ‏انظر: مغني اللبيب، ص٣٤٩.

  35. ^

     ‏البرهان (‏٢/ ٤١٧).

  36. ^

     التحرير والتنوير (١/ ٣٣٤).

  37. ^

     بدائع الفوائد (١/ ٣٦٧- ٣٦٨).

  38. ^

     الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٢٠٣)؛ وانظر: البرهان، للزركشي (٤/ ٢٨٥).

  39. ^

     النحو الوافي (٢/ ٤٧١).

  40. ^

    ‏ انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧- ٥٧).

  41. ^

     شفاء العليل (٢/ ٥٧٧- ٧٢٧).

  42. ^

     انظر: شرح الأصبهانية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٤١٠ وما بعدها؛ وشفاء العليل في مسائل القضاء ‏والقدر والتعليل، لابن القيم، ص١٩٠؛ وموقف ابن تيمية من الأشاعرة، للمحمود (٣/ ١٣١٠- ‏‏١٣١٥)؛ والأثر العقدي في تعدد التوجيه الإعرابي لآيات القرآن الكريم، للسيف (١/ ٤٤٩- ٤٥٧)، (‏‏٢/ ٨٤٢- ٨٧٧).

  43. ^

     التفسير الكبير (٧/ ٥٦- ٥٧‏).

  44. ^

     التفسير الكبير (٥/ ٤٨٧).

  45. ^

     من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النَّحل: ٦٤]‏.

  46. ^

     التفسير الكبير (٧/ ٢٣١).

  47. ^

     التفسير الكبير (‏٧/ ٢٨٢).

  48. ^

     التفسير الكبير (٩/ ٣٢٠).

  49. ^

     البرهان (٤/ ٣٤٦).

  50. ^

     شفاء العليل (٢/ ٥٢٧).

  51. ^

     شفاء العليل (٢/ ٥٤٠).

  52. ^

     مغني اللبيب، ص٢٤٠.

  53. ^

     انظر: رصف المباني، ص٢٢٥.

  54. ^

     البيت لسابق البربري. انظر: خزانة الأدب، للبغدادي (٩/ ٥٣٢)؛ وشرح أبيات مغني اللبيب، للبغدادي (٤/ ٢٩٦).

  55. ^

     عزا ابن الأعرابي في نوادره هذا البيت لنهيكة بن الحارث المازني، وعزاه المفضّل ابن سلمة في كتاب ‏(الفاخر) لِشُتَيْم بن خويلد الفزاري. انظر: خزانة الأدب، للبغدادي (٩/ ٥٣٣)؛ وشرح أبيات مغني اللبيب، للبغدادي (٤/ ٢٩٦).

  56. ^

     انظر: حاشية الدسوقي على مغني اللبيب (٢/ ١٨).

  57. القائل أبو العتاهية. انظر: ديوانه، ص٣٨. انظر: كتاب اللامات، للزجاجي، ص١٣٦.

  58. ^

     تفسير القرآن العظيم (٥/ ١٨٢).

  59. ^

     انظر: الكشف والبيان (٧/ ٢٣٦)؛ ومعالم التنزيل (٦/ ١٩٣)؛ والمحرر الوجيز (١١/ ٢٦٥).

  60. ^

     معالم التنزيل (٦/ ١٩٣).

  61. ^

     انظر: الكشاف (٣/ ٢٩٨).

  62. ^

     انظر: التفسير الكبير (٨/ ٥٨٠)؛ وأنوار التنزيل (٤/ ١٧٢)؛ والتحرير والتنوير (٢٠/ ٧٥- ٧٦).

  63. ^

     الكشاف (٣/ ٢٩٨).

  64. ^

     مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٠). وانظر: (٨/ ٤٤).

  65. ^

     بدائع الفوائد (١/ ١٧٥).

  66. ^

     المحرر الوجيز (٦/ ١٤٩).

  67. ^

     تفسير القرآن العظيم (٦/ ٢٢٢).

  68. ^

     تفسير القرآن العظيم (٦/ ٢٢١).

  69. ^

     أضواء البيان (٦/ ٥٠٠).

  70. ^

     انظر: جامع البيان (١٢/ ٢٦٣).

  71. ^

     كذا في المطبوع، ولعل الصواب: للتعليل.

  72. ^

     كذا في المطبوع، ولعل الصواب: للتعليل.

  73. ^

     الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال (٢/ ٢٧٢).

  74. ^

     انظر: جامع البيان (٤/ ٥٧٨).

  75. ^

     المحرر الوجيز (٧/ ٤٥٢).

  76. ^

    ‏ التفسير الكبير (١/ ٣٨٣).

  77. ^

     تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٦).

  78. ^

     حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، ص٨٢.

  79. ^

     انظر: المحرر الوجيز (٥/ ١٢٨)، (٩/ ٤٤، ١٩٣، ٤٦٩)، (١٣/ ١٤٦)، (١٤/ ٢٦٥، ٣٩٨).

  80. ^

     الدُّرُّ المصون (٥/ ٢٦٣).

  81. ^

     انظر: الدُّرُّ المصون، للسمين الحلبي (١٠/ ٢٣٣)؛ وتفسير اللباب، لابن عادل (١٨/ ٤٤٩).

  82. ^

     انظر: الكشف والبيان (١/ ١٨٦)؛ ومعالم التنزيل (١/ ٧٢)؛ وزاد المسير (١/ ٥٠)؛ والتبيان في ‏إعراب القرآن، ص٢٠؛ والجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٥٠)؛ وفتح القدير (١/ ١٣٩).

  83. ^

     انظر: التسهيل (٤١/١)؛ وتفسير الجلالين، ص٤؛ وإرشاد العقل السليم (١/ ٨٨).

  84. ^

     البحر المحيط (١/ ١٥٢).

  85. ^

     انظر: معاني القرآن (١/ ٢٧٢).

  86. ^

     انظر: جامع البيان (٢/ ١٤- ١٥)؛ وإعراب القرآن (١/ ٢٣١)؛ والمحرر الوجيز (١/ ٣١٤)؛ وروح ‏المعاني (١/ ٤٣٣).

  87. ^

     انظر: مشكل إعراب القرآن (١/ ١٤٧).

  88. ^

     انظر: مغني اللبيب، ص٣٤٩؛ والبرهان في علوم القرآن (٢/ ٤١٨)؛ والإتقان في علوم القرآن (٢/ ‏‏٢٤٧).

  89. ^

     انظر: الكشاف (١/ ١٥٠)؛ وأنوار التنزيل وأسرار التأويل (١/ ١٠٩)؛ ونظم الدرر (٢/ ١٩١)؛ وروح ‏المعاني (١/ ٦٢٣).

  90. ^

     انظر: البيان في غريب إعراب القرآن (١/ ١٥٢)؛ والتبيان في إعراب القرآن، ص٤١.

  91. ^

     شرح التسهيل (٣/ ١٤٠).

  92. ^

     انظر: مغني اللبيب، ص٣٥٦؛ حاشية الدسوقي عليه (٢/ ٢٦٩).

  93. ^

     انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٥٠)؛ وفتح القدير (١/ ١٣٩).

  94. ^

     الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٥٠).

  95. ^

     انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٣٤).

  96. ^

     ذهب إلى القول بزيادة اللام في هذه الآية: الجلال المحلّي، وجوّز زيادتها ومعنى التعليل أبو السعود ‏والشوكاني، انظر: تفسير الجلالين، ص٥٣٧؛ وإرشاد العقل السليم (٦/ ١٩٩)؛ وفتح القدير (٥/ ‏‏٢٢٠).

  97. ^

     انظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (١/ ٣٥- ٣٦).

  98. ^

     انظر: الكشف والبيان، للثعلبي (٢/ ٢٧٣)؛ والمحرر الوجيز، لابن عطية (٢/ ٤٦٤)؛ والبيان في غريب ‏إعراب القرآن، لابن الأنباري (١/ ١٧٨)؛ والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٤/ ٣٦٦)؛ والبحر المحيط، ‏لأبي حيان (٢/ ٥٢٤)؛ وتفسير الجلالين، ص٤٦؛ وإرشاد العقل السليم، لأبي السعود (١/ ٣١٣).

  99. ^

     انظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ٤٨٢).

  100. ^

     انظر: البحر المحيط (١/ ٣٤٠)، (١/ ٤٩٠)، (٢/ ٧٦٦)، (٢/ ٢٢٢).

  101. ^

     انظر: قواعد الترجيح عند المفسِّرين، لحسين الحربي (٢/ ٤٩٥- ٤٩٩).

  102. ^

     الجنى الداني، ص٥٢.

  103. ^

     البرهان في علوم القرآن (٤/ ٢٥٣- ٢٥٤).

  104. ^

     ‏انظر: معاني القرآن، للأخفش (٢/ ٧١٢)؛ ومجاز القرآن، لأبي عبيدة (٢/ ٢٦٤)؛ وتأويل مشكل القرآن، ‏لابن قتيبة، ص٢٤٨.

  105. ^

     معاني القرآن (٣/ ١٧٣).

  106. ^

     التفسير الكبير (١٠/ ٦٠٢).

الكاتب:

عبد الرحمن بن عبد الله القرشي

الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله القرشي

حاصل على الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن من جامعة أم القرى.

مواضيع ذات صلة

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))