الأسرة في القرآن الكريم؛ مكانتها، ومقاصدها، وحقوقها

الأسرة في القرآن الكريم

مكانتها، ومقاصدها، وحقوقها

الكاتب: موقع تفسير

%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85.png - الأسرة في القرآن الكريم؛ مكانتها، ومقاصدها، وحقوقها | Tafsir Center for Quranic Studies | مركز تفسير للدراسات القرآنية

تتناول هذه المقالة عناية القرآن الكريم بالأسرة، فتبيّن مكانتها ومقاصدها في القرآن، وتعرض الحقوق المتبادلة بين الوالدين والزوجين والأبناء، بما يحقق استقرار الأسرة وصلاح المجتمع.

الأسرة في القرآن الكريم؛ مكانتها، ومقاصدها، وحقوقها

  تُشَكِّل الأسرةُ اللَّبِنةَ الأُولى في بناء المجتمع، وفي صلاحها واستقرارها صلاحُ المجتمع واستقراره؛ ولذلك أَوْلَى القرآنُ الكريم الأسرةَ عنايةً بالِغة، فبيَّن مكانتها، وكشف عن المقاصد السامية التي تقوم عليها، ونَظّم الحقوق والواجبات المتبادلة بين أفرادها؛ حفظًا لكيانها، وضمانًا لاستمرارها واستقرارها.

وتسعى هذه المقالةُ إلى بيان ثلاثة جوانب رئيسة من عناية القرآن بالأسرة؛ وهي بيان مكانتها، والمقاصد التي تقوم عليها، والحقوق التي قرّرها الشرع لأفرادها.

أولًا: مكانة الأسرة:

الأسرة في نظر القرآن كيان مقدّس، وهي اللَّبِنة الصالحة الأساسية في بناء المجتمع الإنساني السليم؛ ولهذا أَوْلَى القرآن بناءها عناية خاصّة، وأحاط إنشاءها بأحكام وآداب تكفُل أن يكون بناؤها متماسكًا قويًّا، يحقّق الغاية الكبرى من وجوده، وجعل الزواج ميثاقًا محكَمًا تأخذه المرأة على زوجها، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21].

قال الطبري: «وأَوْلَى هذه الأقوال بتأويل ذلك، قول مَن قال: الميثاق الذي عُني به في هذه الآية هو ما أُخِذ للمرأة على زوجها عند عُقْدَة النكاح من عهدٍ على إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان، فأقرّ به الرجل؛ لأنّ الله -جل ثناؤه- بذلك أوصى الرجال في نسائهم».

ولم يقتصر القرآن الكريم على اعتبار الميثاق في الأسرة ما يكون بين المرء وزوجه، بل اعتبر أن طلب الميثاق يكون من الأب لأبنائه، وهذا ما ذكره القرآن الكريم عند حديثه عمّا جرى في قصة يوسف عليه السلام، عندما طلب يعقوبُ من أبنائه الميثاق حتى يوافق على اصطحاب أخيهم بنيامين لهم في رحلتهم لجلب المؤنة من مصر، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: 66].

والفكرة الأساسية التي قامت عليها الأسرة هي تلبية نداء فطري غريزي في الإنسان لعبادة الله سبحانه، وأيّ أسرة كيفما كان شكلها ونوعها إِنْ لم تَقُم على هذا الأساس فهي أسرة جاهلية، فالأسرة تقوم للمحافظة على الجنس البشري وبقائه، وبناء الأسرة في الإسلام لا يكون من أجل إشباع الغرائز فقط، ولا لأيّ مطلب من مطالب الدنيا الزائلة، بل يكون من أجلِ تطبيق الناموس الإلهي في الكون، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: 72]، والمعنى: «أي: جعل لكم من أزواجكم بنين وبنات، تزوّجونهم فيحصل بسببهم الأَختان والأَصهار».

ثانيًا: مقاصد الأسرة:

اعتنى القرآن الكريم بتكوين الأسرة وإحكام بنائها، وكشف عن جملة من المقاصد لبناء الأسرة ورعايتها، ومن ذلك ما يأتي:

1- حصول العِفّة للزوجين وإشباع الغريزة في الحلال:

قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187]: «جعل اللّباس كناية عن الزوج؛ لكونه سترًا لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس ستر يمنع أن يبدو منه السّوأة. وعلى ذلك كنّى عن المرأة بالإزار، وسمي النكاح حصنًا؛ لكونه حصنًا لذويه عن تعاطي القبيح».

يتبيَّن مما سبق أنه بحصول الزواج وتكوُّن الأسرة يحمي كلٌّ من الزوجين صاحِبَه من الوقوع في الفاحشة، فهو إعفاف للنفس عن الحرام.

2 -السَّكَن الفطري للزوجين المبنيّ على المودّة والرحمة:

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، قال ابن عاشور: «وهي آية تنطوي على عدّة آيات، منها: أَنْ جعل للإنسان ناموس التناسل، وأَنْ جعل تناسله بالتزاوج ولم يجعله كتناسل النبات من نفسه، وأَنْ جعل أزواج الإنسان من صنفه ولم يجعلها من صنف آخر؛ لأنّ التأنُّس لا يحصل بصنف مخالِف، وأَنْ جعل في ذلك التزاوج أُنسًا بين الزوجين... وأَنْ جعل بين كلِّ زوجين مودّة ومحبّة، فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلَيْن فيصبحان بعد التزاوج متحابَّيْن، وأَنْ جعل بينهما رحمة، فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمَيْن كرحمة الأبوّة والأُمومة».

يتضح أنّ الله سبحانه جعل للرجل والمرأة دورَيْن متكاملَيْن يتمّم أحدهما الآخر، ولا يتحقّق هذا إلا بالتزام كلّ من الزوجين بشرع الله تعالى، وهَدي نبيّه، وذلك بالقيام بواجباتهما.

3- إقامة البيت المسلم:

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: 72]، يخبر تعالى عن مِنّته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجًا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقرّ بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة. 

4- التعارف والتعاون بين الناس على البر والتقوى:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]، يخبر تعالى أنه خلق بني آدم من أصل واحد وجنس واحد، وكلّهم من ذكرٍ وأنثى، وجعلهم شعوبًا وقبائل لأجل أن يتعارفوا، فإنهم لو استقلّ كلّ واحد منهم بنفسه لم يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون والتوارث والقيام بحقوق الأقارب.

5- ابتغاء النّسْل الصالح والولد الصالح:

والتناسل هو النتيجة الطبيعية لالتقاء الزوجين الذكر والأنثى، وهو حتمي لاستمرار حياة الكائنات، ويعتبر التناسل أهمّ ثمرات الزواج، ولقد أشار القرآن إلى هذا المعنى، فقال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187]، فإنّ الغاية من بناء الأسرة إنجاب النسل الصالح، وحصول السَّكَن النفسي بين الزوجين، وانسجام أفراد الأسرة في ظلال شرع الله الخالد، وبقدر ترابط الأُسَر يقوى تماسك المجتمع ويشتدّ.

ثالثًا: حقوق الأسرة:

إنّ العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة غريزية فحسب، بل هي علاقة شراكة بالروح والجسد، ومثل هذه العلاقة المقدّسة تظهر ثمرتها على الأولاد، فما أجمل أن تسود علاقتهما المحبة والاحترام والتفاهم، المنبثقة من شرع الله سبحانه، وفيما يأتي بيان حقوق كلّ فرد من أفراد الأسرة كما بيّنها القرآن الكريم:

1- حقوق الوالدين:

بَيّنَ القرآن حقوق الآباء على الأبناء، وقد تمثّل ذلك جليًّا في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23- 24].

ومعنى الإحسان إلى الأبوين أن تبلغ أقصى درجات الوفاء لهما في البرّ والمكافأة، وأن تزيد في المعاملة الحسنة عمّا كان يكون منهما؛ احتياطًا للرعاية والشفقة، فإذا بلغ الوالدان أو أحدهما سنّ الكِبَر، فعليك اتّباع الواجبات الخمسة الآتية:

 ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ أي: لا تُسمعهما قولًا سيِّـئًا فيه أدنى تبرُّم، حتى التأفّف، وهو التضجر والتألُّم الذي هو أدنى مراتب القول السيّئ، وذلك في أيّ حال، ولا سيّما حال الضعف والكِبَر والعجز عن الكسب؛ لأنّ الحاجة إلى الإحسان حينئذ أشدّ وأَوْلى وألزم.

 ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ أي: ولا يصدر منك إليهما فعلٌ قبيح.

 ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي: وقُل لهما قولًا ليِّنًا طيِّبًا حسنًا مقرونًا بالتوقير والتعظيم والحياء والأدب الجمّ.

 ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي: تواضع لهما بفعلك، والتواضع ينبغي أن يكون رحمةً بهما، وشفقةً عليهما، لا لأجل امتثال الأمر وخوف العار والنقد فقط.

 ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ أي: اطلب لهما الرحمة من الله في حال كِبَرِهما وعند وفاتهما، وخصّها بالذِّكْر؛ ليتذكّر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقًا لهما وحنانًا عليهما. 

2- حقوق الزوج:

نظَّم الإسلام الحنيف العلاقة بين الزوجين بما يكفل دوام العِشرة الزوجية، ويحقّق سعادة الطرفين، ويرعى الأسرة في بدايتها، وأثناء وجودها، وبعد انتهاء الرابطة الزوجية، ومن حقوق الزوج:

• الحفاظ على النَّسَب، وحقّه في نسبة الولد إليه:

قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 228]، أي: لا يحلّ للمرأة أن تكتم شيئًا مما في رحمها من حملٍ أو حيض إن كانت مؤمنة بالله واليوم الآخر إيمانًا صادقًا، فإذا انتهت الزوجية وجب على المرأة شرعًا ما يسمّى بالعدّة؛ وعدّة الطلاق ثلاث حيضات، وعدّة الحامل بوضع الحمل، وعدّة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام؛ وذلك تقديرًا لنعمة الزواج، وإظهارًا للأسى والحزن على الفراق، وللتعرّف على براءة الرحم من الولد، حتى لا تختلط الأنساب . 

• القوامة في الأسرة:

قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]، فالزوج هو المسؤول في نظام الإسلام عن النفقة عليها، ومسؤوليته عن النفقة على أسرته تجعله أكثر تحفّظًا واحترازًا من الاستجابة السريعة للشهوات العابرة، والانفعالات الحادة المصحوبة بالرعونة والطيش، وليس في هذا إهمال للمرأة، أو إنقاص من أهليتها، أو الطعن في كفايتها وعقلها وعلمها، بل إنّ الإسلام في هذا أراد صون المرأة، والحفاظ على كرامتها، وعدم تعريضها للأذى والسوء . 

• ألّا تكون الزوجة ناشزًا خارجة عن طاعته:

وهذا ما لم يأمرها الزوج بما فيه معصية لله، أو هضم لحقوقها التي شرّفها الله بها، وقد أرشد الإسلام إلى استخدام وسائل التربية والتأديب الحكيمة؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: 34].

كما بيّنَ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- حقوق الرجل على زوجته في العديد من الأحاديث، منها ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (خير النساء: التي إذا نظرتَ إليها سَرَّتْكَ، وإذا أمرتَها أطاعَتْكَ، وإِنْ غِبْتَ عنها حفظَـتْكَ في مالِك ونفسِها).

وهؤلاء المطيعات ليس لكم عليهنّ إلا المعاشرة بالمعروف، والمخالطة بالحُسنى والآداب الإسلامية. 

3- حقوق الزوجة:

كانت المرأة قبل الإسلام مهضومة الحقّ، فقرّر لها الله تعالى حقوقًا في شؤون الزواج، ونهى عن الاعتداء عليها، ومن حقوق الزوجة:

تحريم التحكّم في ميراثها وتحريم وراثتها كالمتاع:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19]، أي: لا يحلّ لكم أيها الذين آمنوا بالله ورسوله أن تسيروا على سُنّة الجاهلية في هضم حقوق النساء فتجعلوهنّ ميراثًا لكم كالأموال والعبيد، وتتصرفوا فيهنّ كما تشاءون، وهنّ كارهات لذلك.

• الزواج وعدم مَنْعها منه:

قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19]، أي: منعها من الزواج والتضييق عليها حتى تفتدي نفسها منكم بالمال من ميراث أو صداق ونحو ذلك، ثم استثنى الله تعالى حالة واحدة يجوز فيها العضل -أي: الحبس والتضييق- وهي حالة إتيان الفاحشة المبيّنة كالزنى والسرقة والنشوز عن الطاعة، ونحو ذلك من الأمور الممقوتة شَرعًا وعُرفًا.

• المعاشرة بالمعروف:

قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]، قال السعدي: «وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف؛ من الصحبة الجميلة، وكفّ الأذى وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال».

• حقّ المرأة في كامل المهر:

قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 20]، أي: إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأته ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخُذَنّ من الصّداق الذي أعطاها إيّاه شيئًا، ولو كان قنطارًا من مال.

4- حقوق الأبناء:

اهتمّ القرآن الكريم بتربية الأبناء اهتمامًا كبيرًا، وجعل على الآباء لأبنائهم حقوقًا، كما جعل للآباء على أبنائهم حقوقًا، وهذه الحقوق هي:

• اختيار الأمّ الصالحة:

ينبغي أن يختار الأب لأبنائه أُمًّا صالحة تقوم على تربية أبنائه تربية صحيحة، بحيث يكون هؤلاء الأبناء قادرين على حمل أمانة الإسلام، والوصول بها إلى غايتها، والدفاع عنها، قال تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: 221].

قال الطبري: «يعني -تعالى ذِكْره- بقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خيرٌ عند الله وأفضل من حُرّة مشركة كافرة، وإِنْ شَرُفَ نسبُها وكَرُمَ أصلُها. يقول: ولا تبتغوا المناكح في ذوات الشّرف من أهل الشرك بالله، فإنّ الإماء المسلمات عند الله خيرٌ منكحًا منهنّ».

• الحضانة والتربية:

فهي أمرٌ له شأن عظيم، وأثر كبير في حياة الطفل؛ ولذا جعله الله -عز وجل- من أعظم حقوق الأبناء على الآباء، وهي حقّ واجب في ذمّة الأبوين معًا، وتقوم به الأُمّ بالدرجة الأُولى، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233].

ومما يؤكّد على وجوب تربية الأبناء قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، والمعنى: «احفظوا أهليكم منها بأَنْ تأمروهنّ بالمعروف وتنهوهنّ عن المنكر، وتعلِّموهنّ الخير وأوامر الشرع وتؤدِّبوهنّ بأدب القرآن، والأهل: هم الزوجة والأولاد والخَدَم ومَن هم في حوزتك ومعيشتك».

• النفقة والواجبات المالية:

النفقة واجبة على الأب لأبنائه ذكورًا كانوا أو إناثًا ما داموا في كفالته، وذلك بتوفير كلّ ما يحتاجون إليه عادةً من غذاء وكساء ودواء ومأوى، قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7].

قال القرطبي: «أي: لينفق الزوج على زوجته وعلى ولده الصغير على قدرِ وُسْعه حتى يوسّع عليهما إذا كان موسّعًا عليه، ومَن كان فقيرًا فعلى قَدْرِ ذلك، فتُقدَّر النفقة بحسب الحالة من المنفِق والحاجة من المنفَق عليه بالاجتهاد على مجرى حياة العادة».

• اختيار الاسم الحسن للمولود:

يجب على الوالدين اختيار الاسم الحسن لمولودهما، قال تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: 7]، وفي هذه الآية دليل وشاهِد على أنّ الأسماء الجميلة جديرة بالأثرة، وإيّاها كانت العرب تنتحي في التسمية؛ لكونها أنبه وأنزه عن النبز.

• العدل بين الأولاد:

تفضيل بعض الأبناء على بعض يؤدِّي إلى إثارة الحقد والحسد والبُغْض؛ مما يضرّ بالترابط الأسري الذي صانه الإسلام وحافظَ عليه بكلّ السبل، وقد أمر اللهُ سبحانه بالعدل في كلّ الأمور ومن باب أَوْلَى العدل بين الأبناء، قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، أي: كلّما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تمّ العدل كملت التقوى.

خاتمة:

يتّضح مما سبق أنّ الأسرة في القرآن الكريم ليست كيانًا عابرًا، بل هي اللّبنة التي يقوم عليها صلاح الفرد والمجتمع معًا، فقد أحاطها الشرع بمكانة رفيعة جعلتها ميثاقًا غليظًا لا عقدًا هيّنًا، وربطها بمقاصد سامية تتجاوز إشباع الغرائز إلى تحقيق السّكن والمودّة والرحمة، وإقامة البيت المسلم، وابتغاء النّسل الصالح، كما نَظّم بين أفرادها منظومة متكاملة من الحقوق المتبادلة، بين الوالدين والزوجين والأبناء، بما يكفل لها الاستقرار والدوام؛ وبقدر التزام الأسرة المسلمة بهذه المكانة والمقاصد والحقوق، يتحقّق لها الأمن والطمأنينة، ويقوَى بها بنيان المجتمع.

 


  1. ^

     هذه المقالة مستفادة من بحث (الأسرة) في موسوعة التفسير الموضوعي الصادرة عن مركز تفسير، وقد تصرّفنا فيها بالاختصار والتهذيب والتقديم والتأخير بما يتناسب مع النشر المقالي، مع إعداد مقدّمة وخاتمة. (موقع تفسير)

  2. ^

     معالم التنزيل، البغوي (٥/ ٣١).

  3. ^

     محاسن التأويل، القاسمي (٢/ ٧٨).

  4. ^

     التحرير والتنوير، ابن عاشور (٢١/ ٣٢).

  5. ^

     تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٤٤.

  6. ^

     تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٠٢.

  7. ^

     التفسير المنير، الزحيلي (١٥/ ٥٦).

  8. ^

     التفسير الواضح، محمد حجازي (١/ ١٤٣).

  9. ^

     التفسير المنير، الزحيلي (١/ ١٢٢).

  10. ^

     أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (٤/ ٨٦)، رقم (٢٤٤٤).

  11. ^

     التفسير الواضح، محمد حجازي (١/ ٣٧٠).

  12. ^

     تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٧٢.

  13. ^

     جامع البيان، الطبري (٤/ ٣٦٨).

  14. ^

     التفسير الواضح، محمد حجازي (٣/ ٧٠٥).

  15. ^

     الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (١٨/ ١٧١).

  16. ^

     الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (١١/ ٨٣).

  17. ^

     تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٢٤.

الكاتب:

مواضيع ذات صلة

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))