اعتبارات القول بأولية التأليف في علم علوم القرآن
عرض وتقويم

تعدّدت وجهات النظر في مسألة أوّلية التأليف في علم علوم القرآن، ويهدف هذا المقال إلى الوقوف على اعتبارات الأولية في التأليف في علم علوم القرآن لدى مَن تناولَ هذه المسألة ومناقشتها، وبيان الموقف منها.

تمهيد:

  تُعَدُّ مسألة أوّلية التأليف في أيِّ علم من العلوم من المسائل التأسيسية التي تسهم في فهم العلم، وبداية نشأته، وحضوره عبر التاريخ. وقد اهتمَّ عددٌ من الباحثين بتناول مسألة أوّلية التأليف في علوم القرآن من جهة جمع الآراء في أوّل مَن ألَّف في علوم القرآن، والترجيح بين الكتب التي قيل فيها بالأوّلية، حتى تشعّبت الأقوال في المسألة، وكَثُرَت فيها وجهات النظر، فنجد قولًا يذكر أنّ أوّل مَن ألَّف في علوم القرآن هو الحارث المحاسبي (ت: 243هـ) في القرن الثالث، وآخر يرى أنّ تشكُّل العلم وأوّلية التأليف فيه ظهرَ على يد الشيخ محمود أبو دقيقة (ت: 1359هـ) في القرن الرابع عشر، ويهدف هذا المقال إلى الوقوف على اعتبارات الكتب التي ذكرت أوّلية التأليف في علوم القرآن ومناقشتها، وبيان الموقف منها.

أولًا: اعتبارات أولية التأليف في علم علوم القرآن؛ عرض وبيان:

مصطلح علوم القرآن له جذور متقدّمة، وقد برز بصورة كبيرة مع التآليف التي عُنيت بالتأليف الجمعي لعلوم القرآن، وشاعت دلالته بأنه ذلك العلم الذي يهتمّ بإيراد القضايا القرآنية، والحديث عنها مجتمعة، وهذا التشكُّل الرئيس للعلم الذي عليه الكتابات المعاصرة هو الذي نحاول مقاربته في هذه المقالة، للكشف عن اعتبارات أوّلية التأليف فيه، ولا يَلزم من رغبتنا في بيان هذه الاعتبارات استقصاءُ جميع الأقوال تحت الاعتبارات، وإنما الأصل الاكتفاء بالنصّ على الاعتبار وتصويره، والتمثيل عليه. وقد تمثّلت اعتبارات أوّلية التأليف في علوم القرآن -بحسب نظرنا- في أربعة اعتبارات، وبيانها على النحو الآتي:

1- وجود مصطلح علوم القرآن في عنوان الكتاب:

يركّز هذا الاعتبار على مصطلح علوم القرآن، ووجوده في عنوان الكتاب، دون مراعاة محتوى الكتاب، فهو لا يهتمّ بكون محتوى الكتاب في التفسير أو في غيره، ولا ينظر في دلالة مصطلح (علوم القرآن)، وإنما يبحث عن غاية واحدة، وهي وجود مصطلح علوم القرآن في عنوان الكتاب؛ اعتمادًا على كتب الفهارس والطبقات، وقد جاء تحت هذا الاعتبار كتابان قيل فيهما بأولية التأليف:

الكتاب الأول: «البرهان في علوم القرآن» للحوفي (ت: 330هـ):

يقع في ثلاثين مجلدًا والموجود منه الآن خمسة عشر مجلدًا غير مرتّبة ولا متعاقبة من نسخة مخطوطة. وقد عرض الشيخ الزرقاني في كتابه (مناهل العرفان) لبعض الأجزاء المفقودة منه[1]. فوجد أنه يعرض الآية الكريمة بترتيب المصحف ثم يتكلّم عليها من علوم القرآن، خاصًّا كلّ نوع منها بعنوان؛ فيسوق النَّظْم الكريم تحت عنوان: «القول في قوله عزّ وجلّ»، وبعد أن يفرغ منه يضع هذا العنوان: «القول في الإعراب»، ويتحدّث عنها من الناحية النحوية واللغوية، ثم يتبع ذلك بهذا العنوان: «القول في المعنى والتفسير»، ويشرح الآية بالمأثور والمعقول. ثم ينتقل من الشرح إلى العنوان الآتي: «القول في الوقف والتمام»، مبينًا تحته ما يجوز من الوقف وما لا يجوز. وقد يُـفْرِد القراءات بعنوان مستقلّ فيقول: «القول في القراءة». وقد يتكلّم في الأحكام الشرعية التي تؤخذ من الآية عند عرضها.

وقد ذهب الشيخ الزرقاني إلى القول بأولية هذا الكتاب في التأليف في علوم القرآن، وارتضى أن يكون اسم الكتاب دليلًا على محاولة الحوفي لإنشاء علم علوم القرآن، يقول الشيخ الزرقاني: «ولقد كنتُ مشغوفًا أنْ أقرأ مقدّمة كتابه هذا لآخذ اعترافًا صريحًا منه بمحاولته إنشاء هذا العلم الوليد. ولكن ماذا أصنع والجزء الأول مفقود غير أنّ اسم الكتاب يدلّني على هذه المحاولة»[2].

ويقول في موضع آخر يُصرِّح فيه بأوّلية هذا الكتاب في التأليف: «ويمكنك أن تستخلص مما سبق أنّ علوم القرآن كَفَنٍّ مدوّن استهلّت صارخة على يد الحوفي في أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس، ثم تربّت في حِجْر ابن الجوزي والسخاوي وأبي شامة في القرنين السادس والسابع...»[3].

الكتاب الثاني: «الحاوي في علوم القرآن» لمحمد بن خلف بن المرزبان (ت: 309هـ):

ويقع هذا الكتاب في سبعة وعشرين جزءًا، والكتاب مخطوط بدار الكتب المصرية، وقد رجَّح الدكتور صبحي الصالح -رحمه الله- أوّلية هذا الكتاب في التأليف في علوم القرآن، حيث قال: «نبّهنا آنفًا إلى ظهور كتب عالجت الدراسات القرآنية باسمها الصريح (علوم القرآن)، وكان أسبقها في نظرنا كتاب ابن المرزبان في القرن الثالث...»[4].

وهو ظاهر اختيار الدكتور فهد الرومي في كتابه: (مباحث في علوم القرآن)، يقول الدكتور فهد: «لم تكن علوم القرآن بخافية على العلماء المبرزين قبل التدوين بل كانت مجموعة في صدورهم، إلّا أنّ اصطلاح (علوم القرآن) لم يظهر في عناوين مؤلَّفاتهم إلّا في فترة متأخرة؛ حيث ظهر هذا الاصطلاح أول ما ظهر في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري حين ألّف محمد بن خلف بن المرزبان (ت: 309هـ) كتابه: (الحاوي في علوم القرآن)»[5].

2- محتوى الكتاب ومضمونه:

يدور هذا الاعتبار حول البحث في الكتب التي أُلِّفت في علوم القرآن رأسًا، واحتوت على مجموعة من العلوم أو المباحث التي تتعلّق بالقرآن الكريم -دون النظر إلى عنوان الكتاب-، فقد يظهر كتاب يخلو عنوانه من (علوم القرآن) الذي نبحث عن أوّلية التأليف فيه، إلا أنّ مضمون الكتاب فيه قَدْر مِن جمعِ أنواع علوم القرآن؛ ومما دفع أصحاب هذا القول إلى هذا الاعتبار أنَّ كتب المتقدّمين التي جاء في عنوانها مصطلح (علوم القرآن) لم يكن مضمونها في علوم القرآن على المعنى الشائع لعلوم القرآن وإنما كان في التفسير، فعدلوا إلى البحث عن المؤلَّفات المتقدِّمة التي تقارب مضمون علوم القرآن في التأليف الجمعي[6]، وقد جاء تحت هذا الاعتبار كتابان قيل فيهما بأولية التأليف:

الكتاب الأول: «فهم القرآن ومعانيه» للحارث المحاسبي (ت: 243هـ)[7]:

اهتمَّ الحارث المحاسبي -رحمه الله- في كتابه بالتأسيس لنظريته حول فهم القرآن الكريم، فجاء بمقدّمة حول تهيئة النفس لفهم القرآن تجاوزت 50 صفحة، ثم تناول الحارث -رحمه الله- المعرفة بعلوم القرآن الكريم -وأهمّها ما يتصل بالفهم- في بقية الكتاب، مثل: الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والمكي والمدني، وأسماء القرآن، وأساليب الخطاب في القرآن؛ كالتقديم والتأخير، والإضمار، والفصل والوصل، وغيرها.

ويظهر مما ذكرنا تعدّد الموضوعات التي اشتمل عليها الكتاب وتتعلّق بعلوم القرآن الكريم؛ ولهذا الاعتبار عُدَّ هذا الكتاب ضمن الكتب التي قيل فيها بأوّلية التأليف في علوم القرآن.

وممن ذهب إلى هذا القول:

- الدكتور حازم حيدر في كتابه: «علوم القرآن بين البرهان والإتقان»:

حيث عرضَ الدكتور حازم حيدر في مقدّمة كتابه مبحثًا بعنوان: (أوّل مَن ألَّف في علوم القرآن)، وقال في نهاية هذا المبحث: «أستطيع القول إنّ الحارث المحاسبي أوّل مَن دوَّن في علوم القرآن بصورة مستقلّة، من حيث المحتوى والمضمون دون العنوان، فيكون ظهور التأليف في هذا العلم في القرن الثالث»[8].

- الدكتور محمد صفاء حقي في كتابه: «علوم القرآن من خلال مقدمات التفاسير»:

ذكر الدكتور محمد صفاء في كتابه مبحثًا بعنوان: (أوّل مَن ألَّف في علوم القرآن)، ورجَّح فيه أنّ الحارث المحاسبي (ت: 243هـ) هو أوّل مَن وضع اللبنات الأُولى لهذا العلم، فقال: «والذي يترجّح لي -والله أعلم- بعد أن استعرضنا معًا ما قيل في هذا الشأن، أنّ المجلي والسابق، ورائد المنهج الموسوعي في علوم القرآن، والذي وضع النواة واللبنات الأُولى لهذا المنهج، هو الحارث بن أسد المحاسبي (ت: 243هـ)، ثم جاء بعده مَن أقام البنيان على الأساس الذي وضعه حتى اكتمل وتحلّى بأجمل زينة»[9].

- الدكتور مساعد الطيار في كتابه: «المحرّر في علوم القرآن»:

عقد الدكتور مساعد الطيار في كتابه المحرّر فصلًا بعنوان: (نشأة علوم القرآن)، وقد قسَّم ما كُتب في علوم القرآن إلى مراحل، ذكر منها الكتب التي جمعَت أنواعًا من علوم القرآن، وفي خلاصة هذه المرحلة رجَّح أنّ أول كتاب وصل إلينا في علوم القرآن هو كتاب الحارث المحاسبي، يقول الدكتور مساعد: «وعلى هذا التصنيف، فإنّ أوّل كتاب وصل إلينا في علوم القرآن هو كتاب الحارث المحاسبي»[10].

الكتاب الثاني: «فضائل القرآن ومعالمه وآدابه» لأبي عُبَيد القاسم بن سلّام (ت: 224هـ):

اشتمل هذا الكتاب على تمهيد عن فضلِ القرآن وفضلِ تعلّمه وتعليمه وتلاوته، وأربعة أبواب كبرى -تضمّنَت جميعها سبعين بابًا- سمَّاها على النحو الآتي؛ الباب الأول: جملة أبواب قراء القرآن ونعوتهم وأخلاقهم. الثاني: جماع أبواب سور القرآن وآياته وما فيها من الفضائل. الثالث: جماع أحاديث القرآن وإثباته في كتابه وتأليفه وإقامة حروفه. الرابع: جماع أبواب المصاحف وما جاء فيها مما يُؤمَر به ويُنْهَى عنه.

وممن ذهب إلى القول بأوّلية هذا الكتاب في التأليف في علوم القرآن؛ الدكتور خالد الواصل في بحثه: (أوّل مَن ألّف في علوم القرآن؛ رؤية جديدة)[11]، حيث أورد أبرز الأقوال في تلك المسألة، وأقدَم مَن نُسب إليه تلك المكانة، وهو الحارث المحاسبي (ت: 243هـ) تلميذ أبي عبيد، بكتابه: (فهم القرآن)، ثم وازَن بين الكتابين مقرِّرًا أنّ أبا عبيد بكتابه أوّلُ مَن ألَّف في علوم القرآن، وقرّر ذلك من جوانب عديدة، على رأسها أمران:

- تقدُّم أبي عبيد القاسم بن سلام، ومكانته العلمية مِن بين أعلام القرنين الثاني والثالث في مختلف الفنون والعلوم عمومًا، وعلوم القرآن خصوصًا.

- تميّز كتابه بأمور، منها: تعدّد علوم القرآن المذكورة فيه، وتميّز عنوانه بوجود لفظ مقارب لِلَقب (علوم القرآن) الاصطلاحي، وهو لفظ (معالم)، وأنّ مقصود الكتاب هو علوم القرآن أصالةً، وأثره الواضح في كتب علوم القرآن اللاحقة؛ المفردة منها والجامعة.

3- جمع أبحاث علوم القرآن وتسميتها باسم (علوم القرآن):

يهدف هذا الاعتبار إلى النظر في المؤلَّفات التي جمعَت أبحاث علوم القرآن في مؤلَّف واحد تحت مسمَّى علوم القرآن، فهو يجمع بين البحث في مصطلح العلم، وهو التسمية بـ(علوم القرآن)، مع عدم إغفاله لمحتوى الكتاب ومضمونه، ويندرج تحت هذا الاعتبار كتاب واحد وهو كتاب: «فنون الأفنان في عيون علوم القرآن» لأبي الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي (ت: 597هـ)[12].

جاء هذا الكتاب في (568) صفحة، قسمه ابن الجوزي إلى أبواب فجاء في (20) بابًا تشتمل على موضوعات مختلفة من علوم القرآن، منها: فضائل القرآن، نزول القرآن على سبعة أحرف، كتابة المصحف وهجاؤه، عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه ونقطه، أجزاء القرآن، عدد آيات السور، بيان السور المكية من المدنية... إلخ.

وممّن ذهب إلى هذا القول الشيخُ عبد الوهاب غزلان في كتابه: (البيان في مباحث علوم القرآن)، فبعد أنْ عرضَ لحركة التأليف في علوم القرآن استنتجَ أنّ ابن الجوزي أوّل مَن ألّف في هذا الفنّ، يقول الشيخ غزلان: «لم يُعرف أنّ أحدًا قبل ابن الجوزي جمعَ هذه الأبحاث -يعني أبحاث علوم القرآن- وسمّاها باسم علوم القرآن...»[13]. وذهب لهذا القول كذلك الشيخ محمود أبو دقيقة في مذكرته، يقول الشيخ: «واستمر الحال هكذا [يقصد إفراد أحد المباحث القرآنية بتأليف خاص] إلى نهاية القرن السادس، ولم يُعرف مَن جمعَ هذه المباحث في مؤلّف خاصّ وسمّاها علوم القرآن، وفي القرن السابع وضع ابن الجوزي مؤلّفًا سمّاه: فنون الأفنان في علوم القرآن»[14].

4- النظر إلى الصنيع الجمعي لـ(علوم القرآن) باعتباره عِلمًا:

يُعنى هذا الاعتبار بالكلام على الصنيع الجمعي لعلوم القرآن باعتباره عِلمًا له مفهومه وقضيته الخاصة. ويندرج تحت هذا الاعتبار؛ «مذكرة علوم القرآن» للشيخ محمود أبو دقيقة (ت: 1359هـ)[15].

وهي إحدى المؤلّفات التدريسية التي ظهرت لعلوم القرآن في أواسط القرن الرابع عشر الهجري في رحاب جامعة الأزهر، وهي المذكرة التي أعدَّها الشيخ محمود أبو دقيقة بعنوان: (مذكرة علوم القرآن)، وقد اشتملت على مدخل نظري حول علوم القرآن، مع بعض الأجزاء من مادة مؤلّفات الإيراد الجمعي لعلوم القرآن.

وقد رجَّح الدكتور خليل محمود اليماني في كتابه: (علوم القرآن؛ نقد العلمية ومقاربة في البناء)، أنّ التشَكُّل الفِعلي لعلم علوم القرآن هو تشكُّل معاصر تقريبًا، وأنه حصل مع ظهور هذه المذكّرة، يقول الدكتور خليل: «مِن خلال نظرنا في الكتابات في علوم القرآن بعد مؤلّفات التأليف الجمعي ألْفَينا -والأمر بحاجة لبحث- أنّ التشكُّل الفِعلي لعلم علوم القرآن هو تشكُّل معاصر تقريبًا، وأنّ هناك احتمالية كبيرة لحصوله مع أحد المؤلَّفات التدريسية التي ظهرت لعلوم القرآن في أواسط القرن الرابع عشر الهجري في رحاب جامعة الأزهر، وهي المذكرة التي أعدَّها الشيخ محمود أبو دقيقة (ت: 1359هـ)، بعنوان: (مذكرة علوم القرآن)، فهذه المذكرة هي أُولى الكتابات في علوم القرآن التي اعتنت -بحسب ما طالعنا- بالكلام على الصنيع الجمعي لعلوم القرآن باعتباره علمًا...»[16].

وبهذا نكون قد انتهينا من عرض اعتبارات القول بأولية التأليف في علوم القرآن، والأقوال التي جاءت تحت كلّ اعتبار، والجدول الآتي فيه ملخّص ما سبق:

م
اعتبار أولية التأليف
الكتاب الذي قيل فيه بالأولية
صاحب القول

1.

محتوى الكتاب ومضمونه

«فهم القرآن ومعانيه» للحارث المحاسبي (ت: 243هـ)

حازم حيدر، محمد صفاء حقي، مساعد الطيار

«فضائل القرآن ومعالمه وآدابه» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت: 224هـ)

خالد الواصل

2.

وجود مصطلح علوم القرآن في عنوان الكتاب

«البرهان في علوم القرآن» للحوفي (ت: 330هـ)

الشيخ الزرقاني

«الحاوي في علوم القرآن» لمحمد بن خلف بن المرزبان (ت: 309هـ)

صبحي الصالح، فهد الرومي

3.

جمع أبحاث علوم القرآن وتسميتها باسم (علوم القرآن)

«فنون الأفنان في عيون علوم القرآن» لأبي الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي (ت: 597هـ)

عبد الوهاب غزلان، محمود أبو دقيقة

4.

النظر إلى الصنيع الجمعي لـ(علوم القرآن) باعتباره عِلمًا

«مذكرة علوم القرآن» للشيخ محمود أبو دقيقة (ت: 1359هـ)

خليل محمود اليماني

 

ثانيًا: اعتبارات أولية التأليف في علوم القرآن؛ مناقشة وتقويم:

تحرّر معنا فيما سبق أن اعتبارات أولية التأليف في علوم القرآن تنحصر في أربعة اعتبارات رئيسة، وإنّ الناظر في هذه الاعتبارات من حيث هي دون التركيز على المصنَّفات التي جاءت تحتها يظهر له أنها تبحث عن أوليات مختلفة، وأنها -باستثناء الاعتبار الرابع- انطلقت دون أن تُحرِّر الأولية التي تسعى في البحث عنها؛ وهي أولية التأليف في علم (علوم القرآن). وسنحاول في هذا العنصر مناقشة اعتبارات أولية التأليف في علوم القرآن، والتركيز على النظر في هذه الاعتبارات، والاكتفاء بالتعليق إجمالًا على الأقوال التي جاءت تحت هذه الاعتبارات.

1- الاعتبار الأول (محتوى الكتاب ومضمونه): فحقيقته أنه يبحث عن أولية التأليف في موضوعات علوم القرآن، دون التنبُّه إلى أنَّ هذه الموضوعات تمثِّلُ العِلم الذي نبحث في أوّليته أم لا؛ فهو صادر عن مفهوم يبحث عن درجة تقاربه مع مؤلَّفات الصنيع الجمعي، وقد فرضه عليه حال معيّن في العلم وهو تعذّر التأريخ بالاصطلاح[17]، وهذا هو ظاهر الأقوال التي ركَّزَت على محتوى الكتاب ومضمونه، وقالت بأولية كتاب: «فهم القرآن ومعانيه» للحارث المحاسبي (ت: 243هـ)، وكتاب: «فضائل القرآن ومعالمه وآدابه» لأبي عبيد القاسم بن سلّام (ت: 224هـ).

فقد احتجّ أصحاب القول بأولية كتاب «فهم القرآن ومعانيه» بتقدُّم مؤلّفه، ومضمون الكتاب الذي اشتمل على عدد من أنواع علوم القرآن.

واحتجّ صاحب القول بأولية كتاب «فضائل القرآن ومعالمه وآدابه» بتقدُّم مؤلّفه عن الحارث المحاسبي، ومكانته العِلمية، وتميز الكتاب بتعدّد علوم القرآن المذكورة فيه، وتميز عنوانه بوجود لفظ مقارب لِلَقب (علوم القرآن) الاصطلاحي وهو لفظ (معالم)، وأنّ مقصود الكتاب هو علوم القرآن أصالةً، وأثره الواضح في كتب علوم القرآن اللاحقة؛ المفردة منها والجامعة. وهذه الحجج مجتمعة للكتابين خارج محلّ النزاع، ويجدر التنبيه هنا على ثلاثة أمور:

الأول: أنّ تقدُّم المؤلِّف، وتأثير الكتاب على مَن بعده، أو قصده للتأليف في بعض علوم القرآن دون التصريح أو الإشارة بالكتابة في علم يسمَّى (علوم القرآن) =يُخرج القول عن مسألة أولية التأليف في علم (علوم القرآن).

الثاني: أنّ تعدّد موضوعات علوم القرآن مهما كثرت ليست دليلًا على أولية التأليف في العلم، فما ضابط العدد لهذه الأنواع؟ وإلى أيِّ عدد من أنواع علوم القرآن يمكن أن نقف عنده، ونرتضي أن يُقام به علوم القرآن عِلمًا؟ فثمرة هذه المؤلفات لا تعدو إلا أن تكون تأليفًا جزئيًّا لأنواع علوم القرآن.

الثالث: أنّ تميُّز عنوان كتاب: «فضائل القرآن ومعالمه وآدابه» بوجود لفظ مقارب لِلَقب (علوم القرآن) الاصطلاحي وهو لفظ (معالم)، لا تُعَدّ دليلًا على الكتابة في العِلم، فإنه لا يُـتصوَّر أن يقصد المؤلِّف إلى بناء عِلم وتأسيسه، دون أن يسمّيه! فلماذا يعدل المؤلِّف عن مصطلح العِلم، ويقاربه بلفظٍ آخر؟!

الرابع: أنّ اعتبار وجود تأليف مستقلّ في العلم بدون استعمال اصطلاحه، فهو إنْ حاولَ النجاة من التنوع الدلالي لاصطلاح علوم القرآن في الكتابات المتقدمة باللجوء لمضامين التآليف والحكم تبعًا لها؛ فإنه أتى بما لا يمكن قبوله منهجيًّا في إطار الفنون، وإلّا فكيف يمكن اعتبار كتابٍ ما ضمن الحقل بشكل مباشر وهو لا يندرج تحت اصطلاح العلم؟! في حين أنّ ما يأتي تحت الاصطلاح لا يصدق عليه ذلك، ومِن هاهنا فإنّ هذه الكتابات المقاربة مضمونيًّا لكتابات التأليف الجمعي يمكن عدّها ضمن جهات التأثير التي أفادت منها هذه الكتابات في صنيعها[18].

2- الاعتبار الثاني (وجود مصطلح علوم القرآن في عنوان الكتاب): فيبحث عن أولية ظهور مصطلح علوم القرآن على عنوان كتاب، وهذا حسن من حيث تتبع اصطلاح العلم تاريخيًّا، إلا أنه أغفل النظر في محتوى الكتب التي جاء في عنوانها مصطلح علوم القرآن، وهو ظاهر الأقوال التي ركَّزَت على وجود مصطلح علوم القرآن في عنوان الكتاب، وقالت بأولية كتاب: «البرهان في علوم القرآن» للحوفي (ت: 330هـ)، وكتاب: «الحاوي في علوم القرآن» لمحمد بن خلف بن المرزبان (ت: 309هـ)، فقد احتجّ أصحاب هذه الأقوال بتقدُّم ظهور مصطلح علوم القرآن في عنوان الكتاب، وارتضَوا أن يكون عنوان الكتاب دليلًا على أوّلية التأليف.

ويُلاحَظ هنا أمران:

الأول: أنه قد تبيَّن أنّ هذه الكتب في التفسير وليست في علوم القرآن، كما هو ظاهر أيضًا من حجمها، ومعلوم أنّ المتقدِّمين قد يستعملون مصطلح علوم القرآن ويُراد به التفسير[19]، فهذا التنوع الدلالي دليلٌ على عدم استقرار مصطلح علوم القرآن، وتمايزه آنذاك بكونه عِلمًا مستقلًّا.

الثاني: أنّ الاعتماد على التآليف الأقدم في حمل المصطلح -وإن كان وجيهًا في التأريخ للعلوم كما هو معلوم- إلا أنه لم يسعف هاهنا؛ لعدم وجود دلالة لهذا المصطلح في الكتابات المتقدّمة تقارب ولو بدرجة معيّنة ما هو قائم في كتابات التأليف الجمعي، ولكن هناك اختلاف جذري في المفهوم، وهو ما لا يتسق مع تاريخ الفنون وضرورة حضور التتابع الدلالي والمفاهيمي فيها عادة لاصطلاح العلوم لا سيما في بدايتها[20].

3- الاعتبار الثالث (جمع أبحاث علوم القرآن وتسميتها باسم علوم القرآن): فيبحث عن أولية جمع موضوعات علوم القرآن في كتاب وتسميتها باسم علوم القرآن، وهذا الاعتبار قريب من الصواب؛ لأنَّه جمع بين اصطلاح العلم وموضوعه، وقد تحقَّق ذلك في كتاب: «فنون الأفنان في عيون علوم القرآن» لأبي الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي (ت: 597هـ)، ولكن هذا السبب وحده لا يكفي لتسويغ القول بأولية الكتاب؛ لأن تسمية الموضوعات باسم علوم القرآن ليست هي محلّ النزاع، وإنما محلّ النزاع في العِلمية، وهل اعتبره المؤلِّف علمًا أم لا؟ لذلك هذا المسوغ لا يقوى وحده بنصرة القول بأولية الكتاب في التأليف في العلم، وإنما ينظر إلى أولية الكتاب بأنه أول مَن جُمعت فيه موضوعات علوم القرآن وسُـمِّـيَت باسم علوم القرآن.

4- الاعتبار الرابع: (النظر إلى الصنيع الجمعي لـعلوم القرآن باعتباره عِلمًا): فيظهر فطنته إلى محلّ الإشكال، وهو البحث في أوّلية التأليف في علم (علوم القرآن) ووضوح القصد إلى ذلك، والنصّ عليه، وهو الاعتبار الذي يصلح أن يُعوَّل عليه في مسألة أولية التأليف في علوم القرآن، إذا أردنا أن نبحث عن أوّل مَن تعامل مع الصنيع الجمعي لعلوم القرآن على أنه علمٌ مستقلّ، وقد جاء تحت هذا الاعتبار «مذكرة علوم القرآن» للشيخ محمود أبو دقيقة (ت: 1359هـ)، وقد ناقش صاحب هذا الرأي بشكل موسّع دعاوى تشكُّل علم علوم القرآن في مؤلَّفات التأليف الجمعي وقبلها، وانتهى لعدم إمكان القول بوجود العلم في هذا كلّه، وأنّ تشكُّل العلم معاصر من خلال مذكّرة الشيخ محمود أبو دقيقة، وأنّ هذه المذكّرة هي أول الكتابات في علوم القرآن التي اعتنت -بحسب اطّلاعه- بالكلام على الصنيع الجمعي لعلوم القرآن باعتباره علمًا، وصاغ لهذا العلم تعريفًا[21]، وتكلّم بشكل موجز عن ظهور اصطلاحه وتاريخ الكتابة فيه ومراحلها؛ ومن ثَم صرنا بحديثه هذا أمام علم اسمه علوم القرآن[22] .

وبهذا نكون قد انتهينا من مناقشة الاعتبارات وقمنا بتحليل الأقوال التي جاءت تحتها.

الخاتمة:

حاولنا في هذا المقال الوقوف على اعتبارات الكتب التي ذكرت أوّلية التأليف في علوم القرآن، والتي تمثّلت في: محتوى الكتاب ومضمونه، وجود مصطلح علوم القرآن في عنوان الكتاب، جمع أبحاث علوم القرآن وتسميتها باسم (علوم القرآن)، النظر إلى الصنيع الجمعي لـ(علوم القرآن) باعتباره عِلْمًا. ثم ناقشنا هذه الاعتبارات والأقوال التي تضمّنتها، وتبيَّن لنا مدى تأثير الاعتبار في القول بأوّلية مؤلَّف، وأنّ الكتب التي قيل فيها بالأوّلية يختلف القول فيها بحسب الاعتبارات التي صُنِّفت تحتها، وأنّ هذه الاعتبارات يعتورها إشكالاتٌ عَدَا الاعتبار الرابع الذي نظر إلى الصنيع الجمعي لـ(علوم القرآن) باعتباره عِلمًا، ونرجو أن يكون هذا المقال مثيرًا لمزيد بحث ونظر في تاريخ علوم القرآن وتشكُّلها.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

[1] مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (ت: 1367هـ)، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة الثالثة، (1/ 35).

[2] مناهل العرفان في علوم القرآن، (1/ 35).

[3] مناهل العرفان في علوم القرآن، (1/ 39).

[4] مباحث في علوم القرآن، صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، ط2، ص124.

[5] دراسات في علوم القرآن، فهد الرومي، مكتبة توبة، ط1، 1413هـ، ص45.

[6] يراجع: علوم القرآن؛ نقد العلمية ومقاربة في البناء، خليل محمود اليماني، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى، القاهرة/ بيروت، 2023م، ص112، لمزيد توسُّع في منطلق هذا الاعتبار.

[7] طُبع الكتاب في دار الفكر العربي ببيروت عام 1971م بتحقيق الأستاذ: حسين القوتلي، وطبع مرة أخرى ضمن إصدارات كرسي القرآن الكريم وعلومه بجامعة الملك سعود، بتحقيق ودراسة الدكتور: خالد رمضان أحمد، عام 2005م، في مجلد، وبلغ عدد صفحاته (336) صفحة شاملة المقدمات والفهارس.

[8] علوم القرآن بين البرهان والإتقان، حازم بن سعيد حيدر، دار الزمان، 2006م، ص105.

[9] علوم القرآن من خلال مقدمات التفاسير، محمد صفاء شيخ إبراهيم حقي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 2004م، ص161.

[10] المحرر في علوم القرآن، مساعد الطيار، مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي، ط2، 2008م، ص43.

[11] بحث منشور في مجلة البحوث والدراسات القرآنية بالسعودية، العدد 11، مهَّد فيه الدكتور/ خالد الواصل بذِكْر أبْرَز الأقوال في مسألة أوّل مَن ألّف في علوم القرآن باختصارٍ شديدٍ، ثم ضمَّنها رؤيةً جديدةً أنَّ أَوْلى مَن يستحق أولية التأليف في علوم القرآن هو أبو عُبَيْد القاسم بن سلّام (ت: 224ﻫ)، كما سيأتي بيانه بالتفصيل.

[12] طُبع الكتاب عدة طبعات منها طبعة دار البشائر الإسلامية، بتحقيق: د. حسن ضياء الدين عتر، الطبعة الأولى 1978م، في مجلد، وبلغ عدد صفحاته (586) صفحة شاملة المقدمات والفهارس.

[13] البيان في مباحث علوم القرآن، عبد الوهاب عبد المجيد غزلان، مطبعة دار التأليف، ص41.

[14] مذكرة علوم القرآن، محمود أبو دقيقة، ص9، وسيأتي الحديث عنها.

[15] هذه المذكرة غير متوفرة لا ورقيًّا ولا على الشبكة، وقد استفدتُ من الحديث عنها والعزو إليها من كتاب: (علوم القرآن؛ نقد العلمية ومقاربة في البناء)، للدكتور/ خليل محمود اليماني، وقد أشار الدكتور خليل أنه حصل على الجزء الأول منها من خلال الدكتور/ نبيل صابري.

[16] علوم القرآن؛ نقد العلمية ومقاربة في البناء، ص119.

[17] يراجع: علوم القرآن؛ نقد العلمية ومقاربة في البناء، ص119، بتصرف.

[18] يراجع: علوم القرآن؛ نقد العلمية ومقاربة في البناء، ص114.

[19] يراجع: علوم القرآن بين الإتقان والبرهان، حازم حيدر، ص102. وعلوم القرآن وإعجازه وتاريخ توثيقه، عدنان زرزور، ص191.

[20] يراجع: علوم القرآن؛ نقد العلمية ومقاربة في البناء، ص114.

[21] يقول محمود أبو دقيقة تحت عنوان: (معنى علوم القرآن): «علوم القرآن هي المباحث والمعلومات التي لها تعلق وارتباط به [القرآن]»، مذكرة علوم القرآن، ص7.

[22] لمزيد اطّلاع على أدلة هذه النتائج؛ يراجع: علوم القرآن؛ نقد العلمية ومقاربة في البناء، ص118 وما بعدها. وقد بيّن المؤلف أن مما يُبرِز التشكّل المعاصر للعلم أننا لا نجد حديثًا عن علم علوم القرآن ضمن التآليف التي جاءت بعد مؤلفات التأليف الجمعي بأمدٍ قصير واعتنَت ببيان العلوم وذكرها وتقسيمها؛ كمفتاح السعادة لطاشكبري زاده الذي أورد العلوم القرآنية بشكل مفرد باعتبارها علومًا للتفسير، ولم يتحدث عن علم علوم القرآن.

الكاتب

محمد السيد صديق

حاصل على ليسانس اللغة العربية - كلية الآداب جامعة الإسكندرية، وباحث ماجستير في شعبة الدراسات الإسلامية.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))